في الخامس من هذا الشهر واجهت الجزائر استحقاقا جديدا سيكون له مضاعفات خطيرة من شأنها وضع وحدة الشعب الجزائري امام اختبار مصيري . ويخشى المراقبون ان يكون البدء في تنفيذ قانون تعميم استعمال اللغة العربية في هذا الموعد, الذي اختير ليتزامن مع الذكرى السادسة والثلاثين لاستقلال الجزائر, ايذانا بتفجر صراع جديد ولكن من نوع آخر, ظهرت ملامحه الاولية في صورة جلية خلال احداث العنف التي وقعت في المناطق القبائلية على اثر اغتيال احد رموزها الثقافية المغني الشعبي المعروض (معطوب الوناس). وكان هذا القانون قد أقر من قبل المجلس الوطني الشعبي عام 1990 الا ان توقف المسار الانتخابي في نهاية عام 1992 ادى الى تجميده كذلك فان المجلس الاستشاري الذي خلف المجلس النيابي المنتخب طالب باعادة النظر فيه بحجة ان علاقات الجزائر بالغرب لا تسمح لها باستخدام اللغة العربية لغة رسمية في كل الميادين التبادلية. وبعد ذلك وقع رئيس المجلس الاعلى للدولة (محمد بوضياف) قرار تجميد القانون الى ان تم احياؤه مجددا مع استكمال بناء المؤسسات الدستورية في الجزائر. وقد عكست الشعارات التي رفعت والآراء التي ابديت والتظاهرات التي نظمت في اثناء الاحداث الاخيرة وبعدها, حتى داخل العاصمة الجزائرية نفسها, حقيقة موقف ابناء المناطق القبائلية الداعي للاحتفاظ بالخصوصية الامازيفية ثقافة ولغة وتميزا. والحال, فان بعض الاحزاب الجزائرية ذات النزعة الامازيفية كانت قد اكدت على هذا التوجه في برامجها السياسية وفي مختلف نشاطاتها العامة لاسيما حزب التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية الذي يرأسه سعيد سعدي وجبهة القوى الاشتراكية برئاسة حسين آيت احمد, بالاضافة الى منظمات ثقافية وسياسية اخرى تنشط في الخارج على ان اخطر ما ابرزته هذه الاحداث هو التلويح باستخدام القوة لمنع تنفيذ القانون ما يعني فتح باب جديد للعنف قد يتعذر اغلاقه فيما بعد. وفي حين يعتقد بعض المراقبين ان تنفيذ القانون الآن يتم لأسباب سياسية وذلك بهدف سحب ورقة مهمة من يد القوى الاسلاموية التي تبدي حماسا شديدا لعميم اللغة العربية, يرى آخرون ان حسم هذا الموضوع بعد تعثره السابق يبدو امرا طبيعيا لأنه من غير المعقول ان لا يكون للجزائر لغتها الوطنية الرسمية الموحدة, ان من حيث المبدأ, او بعد مرور ستة وثلاثين عاما انتزاعها الاستقلال ومحاولة التخلص من الاستلاب الثقافي المرتبط بمرحلة استعمارية طويلة. فالتعددية الثقافية التي يدعو اليها فريق من الجزائريين ينبغي ألا يكون شرط تطبيقها الغاء اهم عامل من عوامل وحدة الدولة والامة وهي اللغة الوطنية الجامعة خصوصا وان المشكلة المطروحة لا تتمثل في وجود تناقض رئيسي بين اللغتين العربية والامازيفية بل بحلول لغة ثالثة مكان الاثنتين هي اللغة الفرنسية. انطلاقا من هذا الواقع فان فرنسا الجبهة الخارجية الوحيدة التي تعتبر معنية بقضية التعريب في الجزائر تقف موقف المتربص حيال ما يحدث الآن في (مستعمرتها السابقة) فالأوساط الفرنسية السياسية والاعلامية والثقافية لا تمغي تأييدها ودعمها لا تخفي لما يسمى (الخصوصية الامازيفية) خصوصا وان مؤدى ذلك هو المحافظة على سيادة الثقافة واللغة الفرنسية, ليس في المناطق القبائلية فقط بل في الجزائر كلها. بيد ان كثيرين يذهبون في توقعاتهم ورغباتهم الى ابعد من هذا الهدف اي الى حدوث انقسام اثني داخل الجزائر تصل فيه المجموعات الامازيفية الى نوع من الانفصال, وهو الرهان الذي مازالت بعض الاوساط الفرنسية تتخذه قاعدة لتوجهاتها حيال هذه القضية. وحتى لا تتهم الحكومة الفرنسية بصب الزيت على النار في ما يتعلق بردود الفعل العنيفة التي تشهدها المناطق القبائلية الجزائرية ضد تنفيذ قانون التعريب, سارع وزير خارجيتها (هوبير فيدرين) الى القول بأن قرار التعريب الذي اتخذته الحكومة الجزائرية هو (قرار سديد يتعلق بالوضع الداخلي) واضاف: (بمعزل عن الجزائر وما يحدث فيها, نأمل في ان يتقن العدد الاكبر من الشعوب اكبر عدد من اللغات من اجل الحوار والتقارب بين (الثقافات والشعوب) وأكد (فيدرين) انه من هذا المنطلق تولي فرنسا أهمية بالغة للفرانكفونية, باعتبارها اداة تبادل وتعاون وحرية, ولكن للجزائريين ان يقرروا بأنفسهم ما يريدونه. ان اهتمام فرنسا بالفرانكفونية وبتوسيع دائرة الثقافة الفرنسية يبدو طبيعياً ومفهوماً, ولكن عندما يتجاوز الأمر موضوع التواصل الثقافي, خصوصاً بالنسبة للجزائر, يتحول الى نوع من (الحنين الاستعماري) الذي سيواجه, بالضرورة, مزيداً من الحساسية الجزائرية, ومن رد الفعل الجزائري العنيف, وهو امر طبيعي بدوره ومبرر من مختلف النواحي. ان اعتبار الثقافة الفرنسية ارثاً حضارياً يجب المحافظة عليه لا يعني, في أي حال من الأحوال, الغاء الثقافة الوطنية والاستمرار في تغييبها, كما كان الحال على مدى المرحلة الاستعمارية الطويلة, ومن المؤكد ان هذا هو جوهرالمشكلة.