في الوقت الذي تترسخ فيه الديمقراطية كخيار لا مناص منه لتدبير المصالح والتناقضات الاجتماعية, فان الاهتمام يتضاعف بالآليات التي تضمن السير الحسن للمؤسسات الديمقراطية والدستورية. وينتصب القضاء الدستوري في مقدمة هذه الآليات التي تتوخى سواء اقرار دولة الحق والقانون في مواجهة انحراف محتمل لسلطة ما, او المحافظة على التوازن بين مختلف السلطات في انظمة اخرى. ان مساءلة المكانة التي يحتلها القضاء الدستوري في التجارب المختلفة, ولا سيما في دول البحر الابيض المتوسط, كان محور الندوة التي نظمتها مؤسسة كونراد اديناور الالمانية في عاصمة مالطا, في نهاية شهر يونيو, وذلك بمشاركة عدد من الممارسين للقضاء الدستوري, والخبراء من اكثر من عشر دول ما بين اوروبية وعربية. وتكمن اهمية الموضوع في كون القضاء الدستوري ليس قضاء عاديا بل اذا كان صحيحا انه يضطلع بوظائف قضائية, فان دوره سياسيا ايضا, حيث يشكل احد ضوابط النظام السياسي بفعل مراقبته لادوات اشتغال السلطتين التنفيذية والتشريعية. لقد ارتكزت المناقشات على تبادل خبرات مختلف الدول المشاركة من خلال التركيز على القضايا الاساسية التالية: اولا: تحديد مكانة هذه المؤسسات في الانظمة الدستورية المختلفة, ثانيا: دورها فيما يخص حماية الحقوق الاساسية للمواطن, واخيرا تحديد مدى استقلاليتها في اطار تفاعلها مع مختلف المؤسسات والسلطات الموجودة في النظام السياسي. اولا: مكانة القضاء الدستوري تتباين المراقبة الدستورية حسب انظمة الدول. فالبعض منها يستعمل هذه الرقابة بشكل وقائي, اي تنصب على القانون, وهو مازال لم يتم اصداره. ففي هذه الحالة, فان وظيفة المراقبة بالاساس هي وظيفة تتحرى ضمان احترام الاختصاص بين السلطة التنفيذية, والسلطة التشريعية. وهي تتم فيما يسمى بالانظمة البرلمانية المعقلنة, اي تلك الانظمة التي لا يعتبر فيها البرلمان هو المشرع العادي. بل ان الدستور حدد المجال الذي يمكن له ان يشرع فيه. وغير ذلك اي المجالات التي لم تذكر صراحة من اختصاص البرلمان فهي تناط بالسلطة التنظيمية. وفي حالة وقوع خلاف بين السلطتين حول مشروع ما اذا كان يندرج ضمن المجال التنفيذي او المجال التشريعي, ففي هذه المحالة فان المجلس الدستوري هو الذي يحسم في هذا الخلاف. يجسد هذا النموذج المغرب وتونس. وكما هو معلوم فهذان القطران قد تأثرا بالدستور الفرنسي لسنة 859µ الذي أنشأ الجمهورية الخامسة. فبالنسبة لهذه الدول, فان مراقبة القضاء لدستورية القوانين بعد صدورها غير مطروحة, بل أكثر من ذلك فان القانون المغربي يمنع صراحة على المحاكم النظر في دستورية القوانين والمراسيم. وعلاوة على ذلك تناط بالمجالس الدستورية في هذه الدول مهمة النظر في الطعون الانتخابية بالنسبة للمؤسسة البرلمانية. وفي هذه الحالة فان احكامها تبقى نهائية وغير قابلة للطعن. اذا كانت مثل هذه الدول قد اكتفت بالمراقبة الاحتياطية. فان اغلب الدول الاخرى قد انشأت محاكم دستورية تهدف النظر في الطعون المرفوعة بعد صدور القانون. ويتعلق الامر على سبيل المثال بجمهورية مصر العربية وتركيا واليمن ولبنان. وتقدم المانيا نموذجا خاصا في هذا الاطار. فالمحكمة الدستورية علاوة على الاختصاصات الكلاسيكية المتعلقة بمراقبة دستورية القوانين, فانها تتولى المحافظة على التوازن بين اختصاص الولايات واختصاص السلطة الفدرالية. ويمكن للافراد اللجوء اليها. وهذا ما طرح مشكلات عويصة تتعلق بقدرة القضاة المكونين للمحكمة النظر في كل القضايا المطروحة. فحسب المعطيات المتوفرة يلاحظ ان المحكمة تلقت اكثر من 110 الاف قضية, اغلبها لم يكن يستند على اسس قانونية متينة تسمح للمحكمة من الغاء القانون المطعون فيه. ولا يقتصر الامر على هذه المحكمة, بل ان الانظمة القانونية في هذه الدول تسمح للمحاكم على اختلاف درجاتها بأعمال طريقة الدفع في المراقبة الدستورية. ومعنى هذا ان المحكمة يمكن لها ان تدفع بعدم تطبيق قانون ما في نازلة معروضة عليها. ومن المعروف ان هذه الطريقة التي دشنت في الولايات المتحدة في سنة 1803 مع القاضي مارشال. لا تؤدي الى الغاء القانون المدفوع بدستوريته بل فقط تعطي للمحكمة امكانية عدم تطبيقه في النازلة المطروحة. وفي الواقع فان الحديث عن مكانة المحكمة في النظام السياسي لدولة ما يطرح من بين ابعاده, مسألة الزامية القرارات التي تصدرها مثل هذه المحاكم, ومدى احترام باقي السلطات لها. وهذه المسألة في غاية الاهمية, اعتبارا الى ان المحكمة مدعوة الى النظر في قوانين اصدرتها السلطة التشريعية التي يعتبر ممثلوها انهم يجسدون سيادة الامة, ولا يمكن لمجموعة من القضاة ان يكسروا القوانين التي أصدرها هؤلاء الممثلون. فهل تملك المحكمة الدستورية القدرة الكافية التي تسمح لها ان تعطي لقراراتها الطابع الالزامي؟ ان الامر ليس دائما كذلك فالسلطة يمكن لها ان تلتجىء الى بعض الاساليب الملتوية لتعويل قرارات المحكمة وافراغها من محتواها ويلاحظ ذلك بالخصوص فيما يتعلق بالنظر في الطعون الانتخابية, حيث ان المحكمة قد تلغي بعض العمليات الانتخابية غير ان السلطة التنفيذية قد لا تتخذ الاجراءات اللازمة لاعادة الانتخاب. علاوة على ذلك فان النقاش على هذا المستوى طرح مصير القوانين التي يتم الغاؤها من طرف المحاكم الدستورية, وما هي الانعكاسات المحتملة التي قد يرتبها هذا الابطال على الاستقرار القانوني. لهذه الصعوبات يبدو ان المحاكم الدستورية غالبا ما تبقى حذرة فيما يتعلق بتقييمها للقوانين الصادرة عن السلطة التشريعية, وان كانت اكثر صرامة فيما يتعلق بضمان الحقوق الاساسية للمواطن. ثانيا: القضاء الدستوري كضامن للحقوق الاساسية ان الفرق الجوهري الذي يفصل بين الأنظمة السياسية المختلفة لا يرتبط بالنصوص في حد ذاتها, إن تأمل القوانين الاساسية التي انتجتها مختلف النظم القانونية قد يكشف عن تشابه كبير فيما بينها, لكن الفرق الشاسع يكمن في مدى الالتزام بهذه النصوص, وخاصة تمكين المواطن من التمتع بحقوقه الاساسية التي نصت عليها كافة الدساتير, ومن هذا المنطلق, يقع على المحاكم الدستورية عبء تمكين المواطن من الاستفادة فعليا من تلك الحقوق لاسيما ما يتعلق بحريته, وكذلك باقرار مساواة فعلية بين كافة المواطنين مهما كانت مكانتهم الاجتماعية, وتتحقق هذه الوظيفة من خلال الغاء كافة القوانين التي تخرق الدستور, أو تلك التي تستهدف اعادة النظر في كتلة هذه الحقوق, ومن بين هذه الحقوق الاساسية السماح للمعارضة بالتعبير عن موقفها, واسماع صوتها لمعارضة كل قانون ترى أنه مخالف لمقتضيات الدستور, وفي هذا الصدد فقد سمح الدستور المغربي لربع مجلس النواب عرض كل قانون على المجلس الدستوري, وذلك لمراقبة مدى دستوريته, وهو الأمر الذي يتيح للمعارضة التي تتوفر على أكثر من ربع الأعضاء من استعمال هذا الحق الدستوري. وفي الواقع إذا كانت الكثير من الدساتير تسمح للمحكمة الدستورية بمراقبة شرعية القوانين, ومطابقتها للدستور فإنه مع ذلك لاينبغي الاعتقاد أن هذه المحاكم تملك هامشا واسعا في مراقبة احترام الحقوق الاساسية للمواطن, فمن جهة نلاحظ أن مجالا واسعا ينفلت من رقابتها, فالسلطة التنفيذية يمكن لها لاسباب سياسية أن تتخذ قرارات تمس حقوق الانسان, ويتعلق الامر بقوانين الطوارئ أو المصلحة العامة التي تمكن السلطة التنفيذية من خرق هذه الحقوق, وفي بعض الاحيان قد يتم تسييس المحكمة الدستورية نفسها لدفعها الى اتخاذ قرارات ترضي بعض مراكز القوى في البلاد, وقد لاحظنا هذا الامر بشكل جلي بالنسبة لتركيا, فحل حزب الرفاة الاسلامي الذي تم انتخابه بشكل ديمقراطي, لايمكن تبريره باعتبارات قانونية كما حاول أن يفعل ذلك أحد المشاركين الاتراك, بل انه قرار سياسي يستجيب لضغوط المؤسسة العسكرية وعلاوة على ذلك, فإن القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية تنفلت مطلقا من مراقبة مثل هذه المحاكم فلا يمكن مثلا الطعن في القرارات التي اتخذها الكنيست الاسرائيلي بضم الجولان أو القدس, وكذلك القرارات التي اتخذها الكونجرس, والقاضية بفرض عقوبات اقتصادية على بعض الدول, وحتى عند النظر في كتلة هذه الحقوق, فإن المحكمة الدستورية قد تجد نفسها أمام تيارات متناقضة, كما تدل على ذلك النقاشات الواسعة حاليا في الدول الديمقراطية الغربية, فمثلا كيف يمكن التوفيق بين حق الاضراب, الذي يقره الدستور وبين مبدأ استمرارية المرفق العام المنصوص عليه دستوريا ايضا؟ كذلك فيما يتعلق بالحق في التواصل, كيف يمكن التوفيق بينه وبين حق الانسان في ضمان حريته الشخصية, لقد ثار النقاش بقوة بعد مقتل الاميرة ديانا, التي ظلت كما هو الامر بالنسبة للكثير من الشخصيات محل مطاردة من طرف المصورين, فكيف يمكن المواءمة بين الحق في الاخبار, وبين حماية الحياة الخاصة للانسان؟ كذلك طرح النقاش بالنسبة للاسرة, وضرورة حمايتها كخلية أساسية للمجتمع, بيد اننا نلاحظ في الدول المتقدمة ظهور اشكال جديدة للاسرة, ناتجة عن الافراط في الاعتراف بالحقوق, كما هو الامر بالنسبة لحق الشواذ في تأسيس علاقة شرعية معترف بها, فما هو الموقف الذي يمكن للمحكمة أن تواجه به مثل هذه التحولات المجتمعية والسياسية والثقافية؟ إن مثل هذه التوترات تجعلنا في قلب التساؤل المتعلق بمدى استقلالية القضاء الدستوري, وبالتالي مدى تكيفه مع مختلف الضغوط التي يواجهها؟ ثالثا: اشكالية استقلال القضاء الدستوري ان طرح اشكالية استقلال القضاء الدستوري يحيلنا الى اشكالية استقلال القضاء برمته, وخلال هذه الندوة, إذا كان قد تم التأكيد على ان الدساتير قد تحدثت صراحة عن استقلال هذه السلطة, بل هناك من ذهب اكثر الى تمتيعها بنفس مكانة باقي السلطات, فإن الواقع يبين غير ذلك, ومن الواضح ان الحديث عن استقلال القضاء يطرح بداية وضعية القاضي نفسه, وكيفية تأهيله, وماهي السلطة المختصة بذلك, وكذلك وضعيته المادية والمعنوية ومدى علاقته بالسلطة التنفيذية, وفي هذا المضمار ينبغي التمييز بين القضاء الجالس, الذي يصدر الاحكام, والذي وحده يتطلع الى الاستقلالية, وبين القضاء الواقف أو قضاء الادعاء, وهو الذي تصدر اليه وزارة العدل التعليمات لقد ظهر اتجاه واضح داخل الندوة مضمنه ان استقلال القضاء الدستوري يبقى مجرد حلم, فهذا القضاء الذي تعامل مع قضايا سياسية محضة لا يمكن له أن ينغلق على نفسه, بل لا مناص له من التأقلم مع التحولات التي تعرفها اللحظة السياسية, لقد لاحظنا كيف ان المحكمة العليا في الولايات المتحدة كانت قد عارضت السياسة الاقتصادية الجديدة للرئيس روزفلت, والتي كان من خلالها يريد حل أزمة ,1929 فقد ألغت تلك المحكمة جميع القوانين التي كانت تسمح للسلطة بالتدخل في المجال الاقتصادي بدعوى مناهضتها للحرية الاقتصادية, غير ان الرئيس كان قد هدد باعادة تركيب المحكمة, الامر الذي ادى في نهاية المطاف الى تراجع المحكمة العليا عن مواقفها, ونفس الشيء تلمسناه بالنسبة للمحكمة الدستورية التركية التي اضطرت الى حل حزب الرفاه تحت ضغط المؤسسة العسكرية فكيف يمكن الحديث عن استقلال المؤسسة الدستورية, في الوقت الذي يحتل الجيش مكانة قوية في ضبط النظام السياسي برمته؟ ان ضمان استقلال القضاء بصفة عامة يتطلب وجود مجتمع مدني قوي يتوفر على المؤسسات اللازمة التي تضمن مراقبة كافة السلطات, وفي الوقت نفسه يتطلب توفر القاضي على المؤهلات والامكانيات الذاتية والموضوعية التي تسمح له ان يشتغل دون التعرض لضغوط المجتمع السياسي لقد بين التقرير الذي اصدره مجموعة من القضاة الاوروبيين حدود المؤسسة القضائية في أوروبا, والتي لاتواجه فقط ضغوط السياسيين, بل أكثر من ذلك فهي تعاني من سلطة المال, حيث ان هذا الاخير يمكن له أن يوفر لأصحابه الحماية اللازمة, ومن ثم فإن المؤسسة القضائية الدستورية لاينبغي التقليل ولا التضخيم من مكانتها, بل من الضروري التعامل معها من منطلق الواقعية, أي رصدها ضمن مختلف المؤسسات والسلطات الموجودة في النظام السياسي. وفي الواقع إذا لم تكن هذه الندوة قد سمحت بالخروج باقتراحات عملية مشتركة فيما يتعلق بدور القضاء الدستوري ومكانته كدعامة لاقرار دولة الحق والقانون, فإنها شكلت لحظة علمية متميزة لتبادل وجهات النظر حول اشتغال هذا القضاء, ومقارنة وضعيته من خلال تجارب متنوعة, وحبذا لو توفرت مؤسسات عربية من هذا القبيل تسمح للممارسين والباحثين العرب بالتحاور حول قضايا عربية مشتركة في جو يطبعه الهدوء والالتزام واحترام الآخر.