ان الذي جرى الاسبوع الماضي بين تجمع المصارف الامريكية ونقابة المصارف السويسرية يؤكد المضي قدما في تنفيذ سياسة الابتزاز التي سنتها المنظمات اليهودية الامريكية منذ نصف قرن لتمويل حركات تهويد فلسطين وإمداد حكومة الليكود بالدعم المالي لمواصلة اغتصاب أراضي الفلسطينيين وتحقيق التوسع الاسرائيلي رغم المعارضات الأممية و(التكشيرات الأمريكية الشكلية) . لقد هددت البنوك الأمريكية بفرض عقوبات على البنوك السويسرية اذا لم تدفع للمنظمات اليهودية مبلغ مليار ونصف المليار دولار كتعويضات عما يسمي الذهب اليهودي المودع في البنوك السويسرية اثناء الحرب العالمية الثانية والذي يقال ان ألمانيا النازية تحت حكم (أدولف هتلر) اغتصبته من العائلات اليهودية الأوروبية الغنية ودعمت به مجهوداتها الحربية. وقد تعرضت في كتابي (الأساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية ــ ترجمة المغرب من ص 178 الى ص 198) إلى مسألة المخطط اليهودي القديم في الولايات المتحدة الامريكية لتنظيم عمليات الابتزاز المالي, وذكرت ما جاء في مجلة التايم الامريكية في يونيو 1994 من ان التدفق المالي الامريكي نحو اسرائيل بلغ 28 مليار دولار منذ تأسيس اسرائيل عام 1948. أما الخلاف الحالي بين اللوبي اليهودي الأمريكي وبنوك سويسرا فهو يتعلق بالأرصدة والذهب المودع في هذه البنوك من قبل عائلات يهودية. فالبنوك السويسرية تقول انها تسدد كل المبالغ التي يستظهر الورثة من أحفاد العائلات اليهودية وأولادها بوثائق تثبت ايداعها, وقد سددت بالفعل على مدى العامين الأخيرين مبالغ تصل الى 150 مليون دولار وتستعد لدفع 450 مليون دولار اخرى, لكن البنوك الامريكية تطالب البنوك السويسرية بدفع مبلغ مليار ونصف المليار من الدولارات دون تقديم وثائق أو مستندات فقط بالاعتماد على (تقديرات) المنظمات اليهودية الامريكية, وهو الأمر الذي ترفضه المؤسسات المالية السويسرية وعددها 810 مؤسسات للقرض والأعمال المصرفية. وتقول البنوك السويسرية ان التهديد بفرض عقوبات عليها يعد سابقة ويناقض قوانين التجارة الدولية, ولم يبق هذا التهديد شفويا فحسب بل تحرك حاكم ولاية كاليفورنيا ليهدد بسحب أموال التأمينات الاجتماعية لولايته من البنوك السويسرية وهي تقدر بملياري دولار. فالخلاف اذن خلاف كبير فهو يتعلق من وجهة نظر المنظمات اليهودية بانشاء مصدر رابع لتمويل الحركات اليهودية بالاضافة إلى المصادر التقليدية الثلاثة المعروفة والتي ذكرتها في كتابي (الاساطير ص 189) وهي: 1ــ التعويضات الالمانية والنمساوية المتواصلة منذ 1948. 2ــ الهبات والمنح اللامشروطة التي تقدمها الولايات المتحدة الامريكية. 3ــ المساهمات المضبوطة بقوانين والقادمة من يهود الشتات عبر العالم. وجزئيات هذه المصادر الثلاثة موجودة في كتاب (ميشال كريم) : اليهود الامريكيون واسرائيل ــ اكتوبر ,1982 ومن البديهي ان يقول احد المتحدثين باسم اللجنة الامريكية الاسرائيلية للشؤون العامة عن أهداف هذه التمويلات (بأنها ترمي إلى تقوية الدعم لاسرائيل في توجهها نحو اليمين) . (راجع كتابي: الاساطير ص 188 بمراجعه). وهنا لابد ان نفهم ان غاية التمويلات, وبخاصة التمويلات القادمة من امريكا هي دعم توجه اسرائيل نحو اليمين, اي في الواقع نحو التصلب الذي نراه ونلمسه اليوم في مواقف بنيامين نتانياهو ضد عملية السلام وضد معاهدات اوسلو ومدريد. ولهذه الاسباب تكلم احد اكبر السياسيين الفرنسيين وهو الوزير السابق في حكومة الرئيس جيسكار وعضو الاكاديمية الفرنسية السيد (آلن بيرفيت) الذي قال عام 1990: ان هناك مجموعتي ضغط تدفعان الولايات المتحدة الامريكية إلى خوض حرب الخليج: اللوبي اليهودي ولوبي رجال الاعمال, الاول لانه سيحيد قوى عربية متنامية, والثاني لاعتقاده ان الحرب قادرة على دفع عجلة الاقتصاد (مقال بيرفيت في جريدة الوفيجارو يوم 5 نوفمبر 1990) . هذه هي الخلفية التاريخية والاستراتيجية للعبة شد الحبل الدائرة هذا الاسبوع بين البنوك الامريكية والتي وراءها اللوبي اليهودي وبين البنوك السويسرية التي وراءها شعور بالذنب من مواقف سويسرا أبان الحرب العالمية الثانية. وسنرى إلى ماذا ستؤول هذه اللعبة وهل ستدفع البنوك من لحمها ودمها (تعويضات) لا سند لمعظمها؟ ثم ماذا سيكون موقف نقابات المودعين في هذه البنوك وزبائنها, في حالة خضوع البنوك للضغوط المصرفية الامريكية؟