الحديث عن العلاقات بين العرب وآسيا, هو بمثابة حديث عن علاقة الجزء بالكل . فقد نشأ العرب في الركن الجنوبي الغربي لاسيا, وبالتحديد في شبه الجزيرة العربية, ومنها انتشروا في القرن السابع شرقا في اتجاه فارس (ايران) وآسيا الوسطى وصولا الى الصين وشبه الجزيرة الكورية والجزر الاندونيسية, كذلك اتجه العرب غربا في اتجاه افريقيا الشمالية. لكن بينما تحولت افريقيا الشمالية الى العروبة والاسلام, فان فارس وآسيا الوسطى, ومعها باقي اجزاء آسيا اعتنقت الاسلام, والا انها لم تستعرب. ويبدو ان احد العوامل التي اسهمت في عدم تحول آسيا الى العروبة هو الدور الذي لعبته فارس كمنطقة عازلة بين موجات الهجرة البشرية العربية وباقي آسيا, مقارنة بالدور الذي لعبته مصر كمنطقة وصل بين العرب وباقي اجزاء القارة الافريقية. ومنذ القرن الثامن ازدهرت العلاقات بين العرب ومعظم اجزاء آسيا نتيجة جهود التجار والرحالة العرب من ناحية, ونتيجة الفتوحات العربية الاسلامية من ناحية اخرى. فقد وصل التجار العرب الى ولايات سومطرة وجاءوا ونشروا الاسلام فيها كما وصل الرحالة العرب, من امثال ابن بطوطة, الى تلك الجزر في القرن الرابع عشر. كذلك فقد اتجه الرحالة والتجار العرب شرقا في اتجاه الصين وكوريا. وفي القرن العاشر وصف الباحث ابن خرداذبة في مؤلفاته كوريا مشيرا اليها باسم بلاد الشيلا وتقع في اقصى بلاد الصين. ويوضح كتاب سليمان التاجر تحت اسم اخبار الصين والهند انه قد قام برحلات بحرية عبر المحيط الهندي والصين وصولا الى كوريا. من ناحية اخرى, فقد وصل الفاتحون العرب الى اواسط آسيا في اوائل القرن الثامن ونشروا الاسلام فيها, وبالذات على يد الفاتح العربي قتيبة بن مسلم. هكذا يتضح خطأ المقولة الاوروبية عن (كشف آسيا) . فهذا الكشف انما يكشف جهل الاوروبيين في نهايات العصور الوسطى بجغرافية العالم, بينما كان الشرق الاقصى, وجنوب آسيا معروفين للتجار والرحالة العرب قبل رحلات ماركو بولو وفاسكو دي جاما بمئات السنين. فعلى رغم ان العرب لا يشكلون الا 2,5 بالمئة من سكان آسيا, ومساحة بلادهم تشكل 8,3 بالمئة من مساحتها الا ان علاقاتهم بآسيا تعود على الاقل الى القرن السابع مع ظهور الاسلام وانتشاره. ولعل من اهم الادلة على ذلك هو انه عندما وصل الرحالة البرتغالي فاسكو دي غاما الى منياركا كاليكوتا على الساحل الغربي للهند في 27 مايو سنة ,1498 اي منذ خمسمائة عام بالضبط لاحظ ان هناك تجارا عربا في المدينة الهندية, وان هؤلاء التجار يحظون بنفوذ كبير في البلاط الملكي, وهو امر لم يكن يتوقعه, كما يقول الباحث الهندي بانيكار في كتابه آسيا والسيطرة الغربية. ويضيف بانيكار ان دي جاما رحل عن كاليكوتا ولكنه عاد على رأس اسطول آخر راح يعمل التدمير بالسفن العربية في المحيط الهندي, بما في ذلك سفن الحجاج, كما ارسلت البرتغال اسطولا آخر بقيادة لوبوسوارس قام بهجوم مفاجىء على كاليكوتا. وقد حدا ذلك ملك كاليكوتا إلى طلب مساعدة سلطان مصر الذي ارسل بدوره اسطولا يضم 1500 جندي بقيادة امير البحر مير حسين. وانضمت السفن المصرية الى سفن ملك كاليكوتا في صراع ضد الغزاة البرتغاليين, وكاد الهنود والمصريون يلحقون الهزيمة بالبرتغاليين امام جزيرة ريو في فبراير سنة 1509 لولا خيانة حاكم ريو الذي كان مسلما ولكنه انضم سرا الى البرتغاليين حارما بذلك الاسطولين الهندي والمصري من الامدادات. وقد كانت موقعة ريو بمثابة ايذان بعصر الهيمنة الاستعمارية الغربية في المحيط الهندي. فانقطعت العلاقات العربية مع الهند وجنوب شرقي آسيا, وبخاصة بعد هبوط العصر العثماني على العرب منذ عام 1516 حينما جاء سليم الاول الى الشام. هكذا ادت الهيمنة الغربية على آسيا, ومن بعدها الهيمنة الروسية على وسط آسيا في منتصف القرن التاسع عشر, ثم الهيمنة العثمانية على العرب, الى اضعاف الصلات بين العرب والآسيويين لحقبة تصل الى اربعة قرون. بيد انه مع نهاية الحرب العالمية الاولى وتصاعد حركات التحرر الوطني الهندية والعربية, بدأت الصلات تعود مرة اخرى بين العرب والاسيويين. وقد كانت العلاقات بين حزب المؤتمر الهندي وحزب الوفد المصري من اهم اشكال العلاقات الآسيوية ــ العربية التي نشأت في تلك الفترة. وتصاعدت وتيرة العلاقات العربية الآسيوية بعد الحرب العالمية الثانية, ولعل من اهم اشكال العلاقات المبكرة هو الدور الذي لعبته جامعة الدول العربية في استقلال اندونيسيا. فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية خاض الاندونيسيون نضالا بزعامة سوكارنو ضد عودة الحكم الهولندي. وفي نوفمبر سنة ,1946 وبعد اتصالات بين عبدالرحمن عزام, امين عام الجامعة آنذاك, وقيادة حركة التحرير الاندونيسي, اتخذ مجلس الجامعة قرارا بحث الدول الاعضاء على الاعتراف باستقلال اندونيسيا. وبالاتفاق مع فهمي النقراشي باشا, رئيس وزراء مصر آنذاك, تم ارسال محمد عبدالمنعم مصطفى, قنصل مصر في بومباي آنذاك, لمقابلة سوكارنو وابلاغه باعتراف الجامعة باستقلال اندونيسيا, وذلك يوم 15 مارس سنة 1947 مخترقا بذلك الحصار البحري الذي فرضته هولندا على الشواطىء الاندونيسية. ويذكر عزام باشا انه حث الهند على تبني قضية اندونيسيا في مجلس الامن, كما انه انتقل بنفسه الى نيويورك لدعم الوفد الاندونيسي الذي سافر الى نيويورك لعرض قضيته, بل ويشير الى انه اقترض من محمود أبو الفتح 20 ألف دولار اعطاها للوفد الاندونيسي لتغطية نفقات اقامته على سبيل القرض, وان الاندونيسيين ردوا القرض بعد ذلك. ومع استقلال الدول الآسيوية والعربية, وهيمنة مناخ الحرب الباردة وما ادت اليه من انقسام العرب والآسيويين بين المعسكرين المتصارعين, يمكن القول ان العلاقات العربية ــ الآسيوية ظلت محدودة من ناحية, كما سيطر عليها ما يمكن ان يطلق عليه (منظور الحرب الباردة) فقد ادى السباق الامريكي ــ السوفييتي للسيطرة على العالم الثالث, او على الاقل مزاحمة القوة العظمى المضادة, الى تركز معظم التفاعلات العربية والآسيوية مع القوتين العظميين, وذلك على حساب العلاقات الافقية بين العرب والآسيويين, ومع مجيء عصر النفط, ظهرت العمالة الآسيوية في البلدان العربية الخليجية, واهتمت الاخيرة بتصدير نفطها الى بعض دول آسيا, من ناحية اخرى, فقد سيطرت قضايا الحرب الباردة على العلاقات العربية ــ الآسيوية, فأصبحت حركة التضامن الافريقي ــ الآسيوي, ثم حركة عدم الانحياز هي الأطر الرئيسية لتلك العلاقات, كما اصبح الموقف من قضايا الحرب الباردة هو المحدد الرئيسي للعلاقات العربية ــ الآسيوية, وعلى سبيل المثال, فقد اعترفت مصر بالصين الشعبية بينما ظلت السعودية طوال عصر الحرب الباردة تقريباً تعترف بالصين الوطنية (تايوان). وبينما تقاربت مصر والهند في إطار حركة عدم الانحياز ونتيجة للتحالف الباكستاني ــ الغربي, فقد اقتربت السعودية من باكستان على حساب علاقاتها بالهند, كذلك, فقد اقتصرت معرفة العرب بالآسيويين على الزعامات التاريخية مثل نهرو, وسوكارنو, وشو إن لاي, وأخيراً, فبينما حققت معظم دول شرقي آسيا معدلات عالية للتنمية في إطار نظام الحرب الباردة, فقد تراجعت المعدلات النسبية للتنمية العربية بصفة عامة. ادت نهاية الحرب الباردة, وما تلاها من نهاية نظام القطبية الثنائية ذاته, الى تغيير جوهري في مناخ العلاقات ــ العربية الآسيوية, والى فتح فرص جديدة, وان كان قد أنتج مشكلات جديدة ايضاً, فمن ناحية اولى, لم يعد السباق الامريكي ــ السوفييتي عاملاً محدداً لتلك العلاقات, ومن ثم اصبح من الممكن التعامل مع جميع الدول الآسيوية بعد ان انتهى قيد الاستقطاب الدولي الثنائي في آسيا, كما ان انهيار الاتحاد السوفييتي فتح آفاقاً جديدة للتعامل العربي مع الدول الجديدة في آسيا الوسطى, وان كانت تلك الآفاق لم توظف بشكل فعال, كما انه خلق مخاطر جديدة للأمن العربي فيما يتعلق بتصاعد الحركات الدينية المسلحة في افغانستان وامتدادها من هناك الى جنوبي وغربي آسيا, من ناحية ثانية فقد أفاق العرب بعد الحرب الباردة على ظاهرة الصعود الاقتصادي الآسيوي, وانتقال مركز الثقل في النظام الاقتصادي العالمي تدريجياً الى شرقي آسيا, وبالأحرى منطقة آسيا ــ المحيط الهادي, والى تصاعد احتمال ان يصبح القرن الحادي والعشرين قرناً آسيوياً بمثل ما كان القرن العشرين قرناً امريكياً, فقد اصبحت اليابان القوة الاقتصادية الثانية في العالم, وزادت القوة الاقتصادية الصينية, وبدأت تحقق معدلات للتنمية في العالم وصلت في بعض الاحيان الى 13 بالمئة, وحققت فوائض في الميزان التجاري مع جميع دول العالم تقريباً, وذلك كله بفضل الاصلاحات الاقتصادية التي ادخلها دينج هسياو بينج ابتداء من عام 1978 كذلك, صعدت الدول الشرق آسيوية المسماة بالنمور الآسيوية, مثل كوريا الجنوبية, وتايوان, وسنغافورة, وهونج كونج وغيرها, والتي سميت احياناً بالدول الصناعية الجديدة, ففي خلال اربعة عقود فقط حققت تلك الدول طفرة اقتصادية هائلة لا مجال هنا لتفسيرها, ولكن المؤكد ان جميع هذه الدول حتى اوائل الستينات كانت مستويات التطور الاقتصادي فيها اقل من المستويات العربية, وكان الناتج القومي للفرد في كوريا الجنوبية عام 1960 يساوي 80 دولاراً في السنة, وكان في مصر يبلغ 200 دولار في السنة, ولكنها اليوم تسبق جميع البلدان العربية من حيث مكونات التطور الاقتصادي بمفهومه الشامل, لقد فتح هذا الصعود الآسيوي فرصاً أمام العرب فيما يتعلق بتصدير النفط, واستيراد العمالة الشرق آسيوية الماهرة, ولكن العرب لم يستفيدوا من الصعود الآسيوي فيما يتعلق بتطورهم الاقتصادي, من ناحية ثالثة, فقد بدأت الدول الآسيوية تتبع سياسات براغماتية تتعلق بمصالحها الوطنية, وتتخلى عن شعارات حركات التحرر الوطني, او التضامن الاسلامي وغيرها, فقد تبادلت الصين العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل عام 1992, وصعدت العلاقات الصينية ــ الاسرائيلية خلال سنوات قليلة الى مستويات تفوق العلاقات الصينية ــ العربية مجتمعة, كذلك, تبادلت دول آسيا الوسطى المسماة بالاسلامية العلاقات مع اسرائيل,وسعت الى الاستفادة من التنافس العربي ــ الاسرائيلي للحصول على المعونات, وتحدثت الى كل من العرب والاسرائيليين باللغة التي يريدون سماعها.