عندما كنا صغاراً كان للمذياع مكانة كبيرة في المنزل, وكان صوته عاليا ومسموعاً في كل الاوقات, وكان علينا نحن الصغار ان نصمت حينما يحين وقتان مقدسان لدى الوالد: وقت نشرة الاخبار, ووقت اذاعة الوصلة الغنائية للسيدة أم كلثوم, ولذلك فلم نكن في طفولتنا نكره شيئا بقدر كرهنا للأخبار ولصوت ام كلثوم ! ثم كبرنا, وتغير الحال, واطلت شاشة التلفاز في كل منزل, وظل المذياع زمنا يرافق السيدة الوالدة في المطبخ, والسيد الوالد عندما يعود للمنزل, وظلت نشرة الاخبار وام كلثوم عقدة المذياع التي لم يتحرر منها الوالد ابدا, ومن بعد الكره, ألفنا الاخبار واجتهدنا كي نألف ام كلثوم, فقط من أجل الوالد, الذي عرفنا حين كبرنا لماذا كان يصر على سماع هذه (الاشياء) التي كنا نظنها, سخيفة! أما ام كلثوم فلم احبها حتى اليوم, والسبب أنني فضلت عليها صوت السيدة فيروز مع علمي بأن عدداً كبيراً من القراء لن يعجبهم ذلك, ولكنها حرية ذوق وتذوق, اما الاخبار فقد صارت مرضا عربيا مزمنا ابتلينا به وسواء علينا احببناه أو لم نحبه فما علينا إلا أن ندخل كل نصف ساعة في تفاصيله وذلك بفضل القنوات الفضائية العربية التي بشرتنا السلطة الفلسطينية البارحة بأنها ستضيف اليها واحدة اخرى علها تساعد في تحرير فلسطين من براثن نتانياهو. جيل الستينات عرف الكثير من المذياع, يوم كان هو السيد الاول وبلا منازع على ساحة الاتصال الجماهيري بين اجزاء الوطن العربي, ومنه تعلمنا كيف نبحث عن اجزائنا العربية الاخرى عبر الاثير, ومنه ايضا تابعنا ما كان يجري في اماكن لم نكن لنستدل عليها حتى لو فتحنا كل الخرائط. وقد يكون المذياع, وقد تكون هناك اجزاء اخرى دخلت المعادلة لكن المهم ان حسا (ما) تكون فينا بفعل النشأة في فضاء ومحيط بسيطين, كرسا فينا هذا التوجه بالاهتمام بما يجري خارج ذواتنا واهتمامنا بأنفسنا فقط. والاهتمام بما يجري حولنا, نوع من الوعي وربما هو كل الوعي الذي ساعدت في تكوينه عوامل كثيرة, فالوعي كما هو معروف دليل امرين, اما العلم واما الحاجة, وقد تكون الحاجة هي الفضيلة المتاحة يومها والتي قادتنا إلى وعي انفسنا ووعي الاخرين القاطنين خارج حدود الذات والاسرة والحارة. ان خيارات الغواية كانت شبه معدومة, وكلما انعدمت البدائل الاخرى وجدت نفسك وجها لوجه مع البديل المتاح, ونحمد الله أننا نجونا من خيارات الغواية التي سلبت انسان اليوم انسانيته وجعلته يسقط ساجدا لنفسه ولشهواته ولاهتماماته بذاته فقط, ان خيارات الغواية اليوم لا تكاد تحصى, وعليه فالناس لم يعودوا يشعرون بها لانها صارت لونهم ورائحتهم وخيارهم المتاح. المذياع ليس كل القضية, وضخ القنوات الفضائية ليس هو كل المأساة, المشكلة التي لا تجد من يلتفت اليها بشكل جاد أن الناس تحولت إلى جزر, وكل جزيرة لا علاقة لها بما حولها, المنزل الواحد تحول إلى جزر, وما عاد هناك الف مذياع قادر على تنظيم عملية التحام انساني بين هذه الجزر, والفضائيات هي آخر ما يمكن ان يقوم بهذا الدور, فما الحل؟ ربما لا يوجد حل أو ان الحل ان يبقى الوضع على ما هو عليه!