المجتمع اللبناني مجتمع طائفي ــ مذهبي وثمة في البلد دينامية مذهبية ــ طائفية هذا القول لايضيف جديدا والامر كان معروفا قبل الان, والمؤسف فعلا ان هذه الدينامية انطلقت بخطى حثيثة بعد الطائف فبدلا من ان يطلق الطائف دينامية وفاق وتوحيد واطلق عكسها واتسع الانقسام بين اللبنانيين وبدلا من ان يشكل محطة نحو بناء الدولة في لبنان اطلق صراع محاصصة طائفية على الدولة وفيها وكان من الطبيعي ان يتحول صراع المحاصصة الطائفية هذا الى تغذية الانتماء الى الطائفة بدلا من الانتماء الى الوطن وتصاعدت بشكل ملفت المشاريع الطائفية على حساب ما نسميه (المشروع اللبناني العام) دولة طائفية ومجتمع طائفية واذا ونكاد نقول ان كلا منهما اشد طائفية من الاخر, وما نتج عن ذلك ان المجتمع المدني بما هو مجتمع احرار متساوين بقي طيلة الفترة المنصرمة بعد الطائف مجرد فكرة وان (الدولة المدنية) بقيت مجرد فكرة ايضا, باختصار ارتد البلد بعد الطائف الى مادون ما كان راكمه قبل الحرب من بداية تشكل اجتماعي حديث: فئات اجتماعية حديث, انقسامات سياسية حديث, احزاب. التعرف الى قعر المجتمع كل ذلك كان معروفا بنسبة كبيرة قبل الان لكن ما كان معروفا بالفعل عام جدا وكانت تنقص المعرفة هذه التفاصيل الضرورية لمايدور في قعر المجتمع لفائدة التعرف الى ما آلت اليه الدينامية الطائفية ــ المذهبية من نتائج في العمق في الانتخابات النيابية السابقة عامي 1992 و 1996 لم يتح لـ (المجتمع) ان يخرج مافي (احشائه) فعلا لان هذه الانتخابات اتسمت بتحالفات فوقية فأدت الى تمويه المعطيات الدقيقة بدلا من كشفها وهذه السياسة غبية بكل معنى الكلمة لان السياسة المتنورة هي التي تسمح بقياس اتجاهات المجتمع وتبني على الوقائع خطة للتطوير والتغيير خطة تنقل هذا المجتمع شيئا فشيئا من وضع الى وضع. الانتخابات البلدية الاخيرة كانت بهذا المعنى مناسبة للتعرف اكثر لم تكشف الانتخابات البلدية واقعا اجتماعيا مختلفا عما كان معروفا, لكنها كشفت تفاصيل مهمة لابد من اخذها في نظر الاعتبار لم تكشف ان هناك دينامية معاكسة للانقلاب الطائفي المذهبي لكنها كشفت ان هناك فرصة لديناميات سياسية جديدة وكشفت عن (تناقضات) مهمة لهذه الدينامية الطائفية المذهبية مما يسمح بالقول ان هناك احتمالا لمرحلة اخرى لا معنى حقا لتجاهل المعطيات التي سوف نسلط الضوء عليها, فالمقاربة سياسية وليست ثقافية المقاربة ليست بحثا اجتماعيا بل هي تستهدف فتح افق لعمل سياسي جديد وهنا المحك. الواقع الاجتماعي اللبناني طائفي ــ مذهبي نعم غير ان ما كشفته الانتخابات البلدية للبعض منا او ما اعادت التأكيد عليه بالنسبة للبعض الاخر ان ليست هناك وحدة طائفية او وحدة مذهب وهنا امر في غاية الاهمية ان انقسام الطوائف نفسها معناه المحدد ان الطوائف لاتستطيع ان تشكل كيانات قائمة في ذاتها, ومعناه ان المشاريع الطائفية التي لا تستطيع ان توحد طوائفها لا تستطيع بداهة ان توحد الوطن ومعناه ان البلد لايمكن ان يركب على المدى الطويل على الطوائف ومعناه اخيرا ان هناك مأزقا على هذا الصعيد يجب ان تستغله التيارات اللبنانية غير الطائفية لجعله مأزقا اخيرا انشقاق الطوائف على بعضها مصلحة لبنانية بالتأكيد. ليست هناك وحدة طائفية, والصراع في كل طائفة هو سيد (الاحكام) عن هذا الصراع داخل كل طائفة نتج ما يمكن تسميته تنوعا بالمعنى الاتي: ان من يمثل الموارنة تنوع, ومن يمثل السنة تنوع, ومن يمثل الشيعة تنوع, وقبل ان نشرح المدلول السياسي المباشر لهذا التنوع, لابد من اشارة توضيحية على هذا الصعيد, ان التنوع ضمن الطائفية الواحدة مازال محدودا بابعاده هو في الغالب تنوع المشاريع السياسية الطائفية ضمن الطائفية الواحدة.. وهو محدود طالما ان التيار السياسي (اللبناني) ضمن كل طائفة اي التيار الذي ينظر خارج اسوار الطائفية لم يقتحم هذا التنوع بقوة بحيث يخرج الطائفة من انغلاقها ــ سبب انشقاقاتها ــ الى رحاب اللبنانية. نقول اذا ان التنوع المشار اليه مازال محدودا غير انه بالمدلول المباشر يشير الى انه لم يعد ممكنا الكلام عن مرجعيات سياسية حاسمة لهاك الطائفة او تلك فلا احد يستطيع احتكار التمثيل واختزاله او مصادرته وهذا امر مهم جدا, اي ان الطوائف اجسام مفتوحة وهذا ما يتيح فرصة لديناميات سياسية جديدة ضمن الطرائف وعلى الصعيد العام في ان الا يستحق ذلك الجهد الضروري واللازم لتعميقه فعلا؟ وفي السياق نفسه نتوقف امام ظاهرة سياسة فعلية لقد دلت الانتخابات البلدية الاخيرة في مادلت عليه على ان عددا لا يستهان به من التيارات التي حضرت بشكل لافت هي تيارات محصورة في مذاهبها (القوات اللبنانية) مارونية (الجماعة الاسلامية سنية) حزب الله شيعي, حركة امل شيعية الخ.. ليس في الامر مايدعو الى التعجب والاستهجان بطبيعة الحال, غير ان مانود تسجيله هنا هو الاتي ان هذه القوى والتيارات باتت اليوم بعد الانتخابات البلدية تحت ضغط تحديات من واجبها ان تجيب عليها: هل تخرج من الشرنقة المذهبية؟ هل تبقى في اسر الايديولوجيا؟ هل تقدر على الانفتاح على الاخر؟ هل في مكنتها (التلبنن) الحقيقي اي مخاطبة خصوصية الكيان اللبناني؟ وما هو مطروح من اسئلة يختصر حقيقة بسؤال رئيسي: هل تستطيع هذه التيارات والقوى الانفتاح على (مشروع لبناني عام) الجواب عندها.. لكن ما نشدد عليه في هذا المجال هو ان هذه التيارات باتت تواجه اكثر من اي يوم مضى ضغط التناقض السائر. الى احتدام بين (المشروع الطائفي) و(المشروع اللبناني) وهذه حقيقة كبيرة لا يجوز اسقاطها من الحسبان. فرصة حقيقية اذا للتيارات (اللبنانية) ضمن كل طائفة باتجاه عمل سياسي لبناني تنفتح بموجبه الطوائف على بعضها, وهذا ما يحتاجه البلد في العمق... ولذا كان قولنا بديناميات سياسية جديدة. فرصة لاطلاق ديناميات سياسية جديدة ماذا نريد أن نقول من كل ما تقدم؟ الواقع الاجتماعي اللبناني طائفي ومذهبي, نعم هذا صحيح, وهناك دينامية طائفية ومذهبية وهذا صحيح ايضا. غير ان أمامنا الآن طوائف ومذاهب مفتوحة بكل معنى الكلمة, وامامنا فرصة لديناميات سياسية تبني على (مأزق) المشاريع الطائفية. يحق ــ بداهة ــ لمثقفين ان يحللوا المسألة الطائفية وان يكتفوا بالتحليل. ويحق لهم ان يحرضوا ثقافيا ضد مرض الطائفية. ومن واجبهم ان يدعموا تحليلاتهم الثقافية بابحاث... ومن واجبهم ايضا ان يشيعوا مناخا ثقافيا مناهضا للدينامية الطائفية, واكثر من ذلك نقول ان علينا واجب الاعتراف لرهط من المثقفين بصمودهم الفكري ــ الثقافي في وجه الاعصار الطائفي ــ المذهبي. لكن ما نحن في صدد طرحه الآن ليس مساهمة ثقافية, بل هو مساهمة سياسية تهدف الى القول ان المعطى الذي كشفته الانتخابات البلدية او اكدت عليه يطرح ضرورة الانطلاق نحو عمل سياسي جديد يجب الا يتأخر. لم يعد يجدي الاعتراض نظريا على الواقع, بل بات مطلوبا رمي حجر كبير في هذا الواقع. كل الذين في طوائفهم يرون ان لا حل طائفيا في النهاية وان الحل لبناني مدعوون الى الانفتاح على بعضهم بل هم مدعوون الى الشغل في طوائفهم, فرحلة تأسيس التيار اللبناني المختلط تبدأ بخطوة والبداية ان يحصل التنسيق بين (المتنورين) او (الليبراليين) في الطوائف والبداية ان تعيد الاحزاب غير الطائفية بناء نفسها وتقديم نفسها من جديد بما يعزز الخرق ضمن الطوائف والتنوع ويشدهما الى معنى ديمقراطي فعلا. ونريد أن نقول ختاما, اننا في مساهمتنا هذه, نتطلع الى الخروج من دائرة السلب الى دائرة الايجاب, من دائرة نعي الوضع الى دائرة التأثير فيه... الى اشاعة مناخ انفتاحي. اذا كانت معطيات الواقع الاجتماعي اللبناني تفيد بأن عملية (التوحيد) اللبناني اكثر تعقيدا مما نتصور, وان مسارها طويل ومعقد بالتعريف, وانها لذلك كله عملية تاريخية اي ان التوحيد لن يتحقق الا على مدى تاريخي, فان المطروح الآن هو الانطلاق في عمل سياسي جديد يفتح آفاق تشكل الكتلة اللبنانية المختلطة التاريخية. وهل نتصور ان تحقيق التوحيد يتم بالضربة القاضية؟ هل نتصور اصلا ان الانتقال من التخلف الى التشكل الاجتماعي يتم مرة واحدة والى الابد؟ هل نتخيل ان الامر لا تلزمه مراكمة من اجل ان يكون عندنا في لبنان مجتمع مدني فعلي ودولة مدنية فعلية؟ وفي العودة الى نقطة البداية, لابد من الاعتراف بان التعرف الى التفاصيل في الاجتماع اللبناني كان ضروريا للانتقال من العموميات الى التحديد. العموميات تقول واقعا طائفيا ويردد البعض فيقول (العيش المشترك) التحديد يقول واقعا طائفيا كيف وبأي معنى, ويجعلنا نختار المسالك التي لابد منها نحو واقع متطور. هذا... لان الانتخابات البلدية كانت انتخابات فعلية, وكانت فعلية لانها جرت في دوائر صغرى, بما جعل التمويه على المعطيات والحقائق مستحيلا. وعندما لا يعود قانون (المحادل) يفعل فعله, يخرج الاجتماع اللبناني ما في قعره وعلى الرغم من المفارقات) المتعددة التي نتجت عن التجربة الديمقراطية, فالديمقراطية هي السلاح الكاشف والمصوب في آن (الدوائر الكبرى) وظيفتها التغطية على ما في (داخلنا) لكنها لا تمنع مشكلاتنا من التفاقم بل على العكس, ولعل من المفارقات الابرز على هذا الصعيد ان (اهل الطائف) عندما ركبوا المحافظات دوائر انتخابية افترضوا انهم يطلقون دينامية مضادة للطائفية فكانت النتيجة عكسية. لا, ليس التمويه هو ما يساعد الديمقراطية تتطور بتطور المجتمع, ولذلك فمن فضائل الديمقراطية انها تسمح بقياس درجة تطور المجتمع لانه اذا اسقطت تصورات معينة على واقع لا ينسجم معها تعطي نتائج خطيرة. المطلوب اذا قوانين انتخابية لا تحبس المجتمع وتسمح له بالتعبير عن نفسه كما هو بلا افتعال, ليجري تطويرها خطوة خطوة بناء على التقدم: بالديمقراطية نتقدم وبتقدمنا تتقدم الديمقراطية... هذه هي المعادلة, ولذلك فان اعتماد الدوائر (الاصغر) في الانتخابات النيابية هو الاصح من جميع زوايا النظر, على ان القضية الاساس ــ دائما ــ ليست القوانين, بل الحركة السياسية المناسبة, وهذا ما حاولنا التركيز عليه فعلا!.