الزلزال الذي احدثته التفجيرات النووية الهندية ثم الباكستانية ستظل آثاره الاستراتيجية تتفاعل في المنطقة طويلا, وسوف تمتد هذه الآثار بالضرورة خارج آسيا ولتكون المنطقة العربية بعيدة يوما ما عن هذه الآثار . وفي مصر بالذات يدور الآن جدل عنيف حول قضية الاسلحة النووية خاصة بعد ان ترافقت مع أنباء نجاح الهند وباكستان في محاولاتهما النووية, انباء اخرى عن نشاط اسرائيلي في هذا المجال. فقد تواترت الانباء عن قيام اسرائيل بتفجيرات نووية في مياه خليج العقبة وقالت مصر على لسان الرئيس مبارك ووزير الخارجية انها تتابع الموقف بكل اهتمام. ثم تواصل الحديث عن قيام اسرائيل بدفن نفايات نووية في شرق البحر المتوسط, وبالقرب من متابع النيل. واخيرا جاءت الانباء عن الغواصات الالمانية التي ستنضم للبحرية الاسرائيلية والمجهزة بصواريخ نووية مع أنباء عن قواعد للبحرية الاسرائيلية في جزر (دهلك) وغيرها من الجزر على ساحل البحر الاحمر. في وجه هذا النشاط المتزايد, ومع الاصرار الاسرائيلي على عدم التوقيع على معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية, ومباركة امريكا لهذا الموقف الاسرائيلي الذي يمنحها حرية كاملة في الحركة, اعادت مصر الرسمية تأكيد موقفها بالمناداة بجعل منطقة الشرق الاوسط منطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل, وطالبت العالم كله بالترك في هذا الاتجاه. اما الجديد فقد اعلنه الرئيس مبارك بنفسه حين اكد ان اسرائيل تملك بالفعل الاسلحة النووية, وهو امر لا تريد اسرائيل ان تعترف به رسميا حتى الآن مكتفية بترديد انها لن تكون الدولة الاولى التي تنتج الاسلحة النووية في المنطقة. والرئيس مبارك يعني ان مصر رغم عدم امتلاكها للاسلحة النووية وتوقيعها على معاهدة الحد من انتشارها ــ تتصرف انطلاقا من التأكد من امتلاك اسرائيل لهذه الاسلحة, وبالتالي فان استراتيجيتها العسكرية لابد ان تضع في حسبانها سبل مواجهة هذا الموقف, ولعل رفض مصر التوقيع على معاهدة منع انتشار الاسلحة الكيماوية الا اذا تخلت اسرائيل عن خيارها النووي هو جزء من هذه المواجهة. لكن الامر لم يقف عند هذا الحد... فمن ناحية توقف الكثيرون عند برنامج مصر النووي الذي توقف منذ سنوات طويلة, وقد كانت مصر قبل اكثر من ثلاثين سنة إحدى خمس دول مرشحة لدخول النادي النووي, وكانت تملك كل الخبرات الفنية والعلمية والارادة السياسية لتحقيق ذلك. وقد اشار الاستاذ هيكل اخيرا الى ان المشروع المصري النووي الذي بدأ في اعقاب حرب السويس, توقف في اعتاب حرب 1967, كما اشار الى ان المشروع كان يعتمد على بعض المصانع المدنية مثل كيما للسماد ومصنع المطروقات ومصنع الغلايات... والمصنع الاخير كان من اوائل المشروعات التي تمت خصخصتها وبيع بالكامل لمستثمر اجنبي, وفي صفقة مازالت تثير الاقاويل حتى الآن!! ومن ناحية اخرى بدأ البعض يطرحون القضية من منطلق التهوين من خطورة انفراد اسرائيل بالقدرة النووية, وصولا الى انه ليس ضرورياً ان تدخل في سباق في هذا المجال لا نملك امكانياته, وحتى لو امتلكناها فمن العبث ان نبذل الجهد بلا طائل! وطرحت بعض وسائل الاعلام الرسمي القضية في سؤال واحد هو: ما هو الاجدى... ان ننفق مواردنا في امتلاك القنابل النووية او ننفقها في مشروعات التنمية الضرورية والتي تحتاجها مصر بشدة؟ والسؤال بهذه الصيغة...غلط ! والذين تحدثوا عن خطورة انفراد اسرائيل بالسلاح النووي لم يكونوا يدقون طبول الحرب كما يقال, بل كانوا يحاولون منع الحرب الحتمية التي تنتج عن الاختلال الفادح في موازين القوى, وينطلقون من تلك القاعدة الاساسية في العلوم العسكرية... وهي ان خير وسيلة لمنع الحرب ان تمتلك القدرة على ان تخوضها بنجاح. ربما كان السؤال بهذه الصيغة مشروعا لو ان العدو كان لا يمتلك تلك الترسانة النووية, وكان المطلوب الا تبدأ سباقا في مجال سيلاحقك بالطبع فيه وستساعده امريكا وغير أمريكا فيما يريد. ساعتها كان من الممكن ان يقال وفروا الاموال لمشروعات التنمية, ولا تدخلوا في سباق الرابح فيه سيخسر في النهاية! وربما كان السؤال بهذه الصيغة مشروعا لو ان مصر والعرب كانوا البادئين بالعدوان, ولكنهم على مدى خمسين عاما يتعرضون للعدوان, ويستنزفون في حروب مستمرة, ويعيشون على الدوام تحت تهديد كيان نشأ بالعدوان ويعيشون على الدوام تحت تهديد كيان نشأ بالعدوان ويعيش على التوسع, ولا يؤمن إلا بمنطق القوة وحدها. ثم تعالوا الى النقطة الاساسية والسؤال الحقيقي الذي ينبغي توجيهه وهو: هل يمكن إقامة تنمية حقيقية بدون قوة تحميها؟! في بداية ثورة يوليو حاولت مصر ذلك, وأرسلت كل الاشارات وبعثت بكل الرسائل الى ان هدفها الاساسي هو التنمية, وانها لا تريد الدخول في حروب تستنزفها, ومع ذلك ما الذي حدث؟... بدأت التحرشات الاسرائيلية وارتكب الصهاينة مذابح غزة, ووجدت مصر نفسها مضطرة الى البحث عن السلاح لحماية اراضيها, وعندما رفضت امريكا تزويدها بالسلاح, لجأت الى الكتلة الشرقية وعقدت صفقة الاسلحة الشهيرة عام 1955 لتقلب الموازين في المنطقة. ويومها قال عبد الناصر ان مصر لن تبني المصانع والمساكن والمدارس لكي يحتلها الاسرائيليون. وفي الستينات, وبعد اعظم خطة خمسية للتنمية نفذتها مصر بنجاح, واعتبرتها المنظمات الدولية نموذجا لدول العالم الثالث, كان لابد ان يجىء عدوان 67 ليس فقط لضرب القدرة العسكرية, وإنما اساسا لايقاف عملية التنمية وبناء القوة الاقتصادية والعملية التي كانت السند والاساس لحرب الثأر في 1973 ولكن بعد ان انهمكت مصر وحملت اقتصادها بأعباء هائلة. وبعد حرب 73 واعلان السادات انها آخر الحروب ودخوله في عملية التسوية وصولا الى كامب ديفيد والمعاهدة مع اسرائيل, دقت الطبول على موسيقى امريكية لتقول لشعب مصر ( يا ناس يا عسل... الرخاء... مع السلام... وصل) . وذهب السادات والسلام أبعد ما يكون , واقتصاد مصر على وشك الانهيار. ولقد بذلت جهود هائلة بعد ذلك لإنقاذ الوضع , وانفقت المليارات لتحسين البنية الأساسية وتنشيط الاقتصاد, ودفع شعب مصر ثمن ذلك غاليا سواء بتحمل أعباء الإصلاح الاقتصادي, أو بتوجيه المدخرات لسداد العجز المالي(الديون الداخلية بلغت 180 مليار جنيه) أو باستخدام حصيلة بيع القطاع العام الذي تم بناؤه بالدم والدموع , وفي أصعب الظروف , وبأشق التضحيات. وكان العبء مزدوجا لأن ما قاله السادات من أن اكتوبر هي آخر الحروب لم يكن أكثر من كلام لا يلزم أحدا. فالذي يقرر ذلك هو توازن القوى الذي يمنع العدوان, ومن هنا فلم يكن هناك مجال , وما كان ينبغي أن يكون هناك مجال للتقصير في الإنفاق على الإمداد العسكري وتحديث القوات المسلحة وزيادة كفاءتها. وكان لا بد أن يتم ذلك في ظل النقطة الأساسية التي تحكم مثل هذه الأمور في العالم كله وليس في منطقتنا فقط. وهو أنه لا أمن ولا أمان ولا استقرار ولا تنمية إلا إذا امتلكت القوة التي تردع العدوان وتحمي التنمية. وأنه لا شيء يمنع الحرب خيراً من الاستعداد لها وتهيئة كل وسائل النصر فيها, يصدق ذلك في العالم أجمع, ويصدق أكثر إذا كنت تواجه على حدودك عصابات من الكلاب المسعورة التي تريد أن تنهش لحمك وتحتل أرضك والتي لا حدود لأطماعها. من هنا يبدو السؤال الذي يطرحه البعض عن الاختيار بين التنمية أو السلاح النووي سؤالا خاطئا في المضمون وفي التوقيت أيضا. وإنما السؤال المنطقي الذي لا مفر من مواجهته هو: كيف نحقق التنمية ... وكيف نحميها؟ وهو سؤال دائم تواجهه الأمم كلها أمس.. واليوم.. وغداً. ولكنه بالنسبة لنا يكتسب أهمية مضاعفة لأننا ندرك أن هناك من يتربص لضرب التنمية, لأنه يعتبرها خطرا مباشرا عليه , ولأنه يدرك أن بناء القوة الاقتصادية والسياسية والثقافية والمعرفية ثم أخيرا العسكرية أمر يهدد مستقبله ولا بد من التعامل معه قبل أن يكتمل. وتبقى القضية أن اسرائيل تمتلك وحدها الأسلحة النووية في المنطقة, وأنها لا تفعل ذلك من باب التسلية , أو لتشترك في مونديال كرة القدم, وإنما لتفرض إرادتها على العرب وتفعل في المنطقة ما تريد. ولا بأس من أن ننادي بأن تكون المنطقة خالية من الأسلحة النووية, وأن نناشد العالم أن يعمل على ذلك, ولكن العالم لن يفعل شيئا لأن أمريكا لا تريد, وهي لن تفعل ذلك إلا اذا أرغمت على ذلك, ولن ترغم على ذلك إلا إذا امتلك العرب بدورهم القدرة النووية. وحتى يتم ذلك يبقى السعي لردع اسرائىل عن العدوان أو الابتزاز النووي هو الهدف, فإذا تحقق ذلك بالأسلحة التقليدية فأهلا وسهلا, وإذا كان ذلك يتحقق بالأسلحة البيولوجية والكيميائية فلا بأس, وإذا كان لا مناص من امتلاك القدرة النووية فلا مفر. والطريق إلى ذلك كله صعب ومرير. ولكن باكستان فعلتها فحققت التعادل مع الهند وضمنت أمنها, وهي لم تفعلها قبل أسابيع, وإنما فعلتها يوم قال ذو الفقار بوتو حين بدا أن الهند على وشك امتلاك القدرة النووية: سنأكل الحشائش ونصنعها... وهكذا كان. المهمة صعبة في ظل ظروف غير مواتية, ولكنها مهمة لا بد منها, فلا مفر من امتلاك القدرة على ردع العدو بأي صورة كانت, ولا أمن ولا استقرار ولا تنمية في ظل عربدة اسرائيلية تعتمد على قدرات نووية ولا تخفي الرغبة في التوسع والعدوان , ولا في منع أي تقدم عربي في بناء القوة الذاتية في أي مجال. وما قيل في الأسابيع الأخيرة عن ضرورة التكتل العسكري العربي في وجه الخطر هو علامة على أن المسؤولين يأخذون الأمر بجدية, ويعرفون جيدا ما هو السؤال الصحيح ويحاولون جاهدين أن يجدوا الإجابة!