كلما لمع البرق وانهمر المطر غزيرا في كل الاوقات في العواصم البعيدة, تذكرت سماءنا التي قلما تجود بقطرة مطر في عز الشتاء, وتعجبت من صبرنا وطول بالنا الذي صار مضرب الامثال . وكلما لمع نجم عربي في سماء الغرب, او في أفق الامريكتين, طارت له القلوب وأرواح الملايين العربية, باعتباره البطل والاسطورة التي نعوض من خلالها كل احباطات الواقع, ومع القلوب تشحذ الصحافة أقلامها ـ كالمعتاد ـ ويعد الاعلام أدواته بحثا عن نصيب في هذا (المولد) العربي الجديد! صرنا نبحث عن انجازاتنا خارج فضائنا, لاننا آمنا ايمان الشيوخ والعجائز واقتنعنا بأننا امة لا تملك صناعة العبقرية والابداع, ولكنها يمكن ان تكون التربة الصالحة (لتخليق) أجنة العباقرة والمبدعين, شريطة ان يبحثوا لهم عن (محاضن) اخرى في مرحلة النشأة والنمو. فنحن ـ للأسف ـ لا نملك امكانيات الرعاية الاولية لهم, بقدر ما نملك مناخات فائقة الجودة مهمتها قتل العبقرية في مهدها! أحد الصحفيين العرب وبعد الافراح والليالي الملاح, ومظاهر التكريم والحفاوة التي حظي بها في مصر العالم المصري د. أحمد زويل صاحب اكتشاف (الفيمتوثانية) في علم الفيزياء, والذي نال عن اكتشافه العديد من الجوائز العلمية الرفيعة من اعرق الجمعيات والاكاديميات العلمية في اوروبا وامريكا, هذا الصحفي وجد نفسه يتساءل: أكان د. زويل سيصبح هذا العالم الفذ العبقري اذا قدر له البقاء في احدى الجامعات العربية؟ والسؤال يحمل جوابه سلفا فلا داعي لانتظار الاجابة! نفاخر اليوم بالدكتور النابغة احمد زويل, ونصر على الالتصاق به, لان دمه عربي, وسحنته عربية, وقلبه عربي, ولاننا نحن العرب الذين انجبناه, وكان لنا فضل تقديمه, ونفاخر بالطبيب البارع مجدي يعقوب, ونتباهى بالعالم فاروق الباز احد رواد وكالة الفضاء الامريكية(ناسا) ونطير اليوم فرحا بالحكم العربي المغربي (سعيد بلقولة) الذي سيدير مباراة نهائي مونديال باريس بين البرازيل وفرنسا, ولم نتردد ذات يوم عن التباهي بالمرحوم (دودي الفايد) لان أميرة بريطانيا قد اختارته حبيبا و.. قتيلا! وقبل ذلك امتلأنا فخرا بالعالم المصري الكبير يحيى المشد, وعلماء كثيرين من العراق وسوريا, من الذين لم نعرفهم الا في اليوم الذي وصلتهم ايدي الموساد الاسرائيلي في عواصم الغرب. وهكذا قدر للعبقرية العربية, فإما ان تموت في فضاء النشأة والوطن قهرا وتجاهلا, وإما هناك في عواصم الغرب اغتيالا, وبين الموت والموت يشتري بعض العباقرة حياتهم بالانتماء ولو ظاهريا للغرب والتبرؤ من عالمهم القاتل. سؤال الصحفي العربي كطلقة الرصاصة, اذا لم يقتلنا غصة, فلنقرأ على ارواحنا فاتحة الكتاب, حتى نستريح ونريح العالم من ضوضائنا التي نثيرها في مواكب الافراح كلما بزغ نجم في دنيا العلم والفن والكرة, او في سرادق العزاء كلما أفل قمر جميل لم نشعر به الا حين رحل. ويبقى في العقل والقلب ملايين من علامات الاستفهام والتعجب, لو تناثرت لشكلت مظلة يمكن ان يقف تحتها آلاف من النابغين والعباقرة الذين يسيرون تحت السماء العربية الممعنة في الجفاف والنضوب. لكنهم حين يخترقون المظلة ويبحثون عن اراض اجمل وسماوات مطيرة, ترحل المظلة خلفهم ونجري نحن صوب الاثنين لنقول القصائد والملاحم. مليئون نحن بمركبات النقص حتى آخر النخاع, ولذلك نبحث عن انتصارات وهمية في مباريات الكرة ونشجع البرازيل حتى اشعار آخر, وبزوغ نجم عربي جديد.