مازال الحلم العربي في فكرة قومية تبني دولة عربية واحدة اطارا يحمله البعض وهو اطار نجد الكثير من المواطنين العرب يتعاطفون معه. ان الفكرة القومية القديمة شكلت حالة باتجاه بناء دولة كبيرة على جغرافيا كبيرة . ولكن الفكرة القومية التي تقوم على بناء دولة واحدة ممتدة هي فكرة كانت لها ارضية في مجتمعات عديدة في القرن العشرين وقبله في القرن التاسع عشر ولكن هذه الفكرة ونحن على مشارف القرن الواحد والعشرين تواجه تحديات كبرى تجعلها غير قابلة للتحقيق, فالواقع الصعب يؤكد من جهة اخرى ان الامة قد تكون قد تجاوزت امكان تحقيق هذا المشروع بالطريقة التي طرح بها سابقا, وان المشروع الذي فشل العرب في تحقيقه في عصر بناء الدول القومية الكبرى لن يكون ممكنا في عصر العولمة. ومع ذلك قد تكون الفكرة القومية بصيغتها العامة قادرة على ان تتجاوز ذاتها لصالح مشاريع اخرى اقل تركيزا على بناء الدولة القومية واكثر تركيزا على بناء شروط ذاتية في كل قطر عربي لصالح النهضة الذاتية. ان القرن المقبل تجري في عروقه رياح لصالح الدول الصغرى, فالدول الاكبر حجما ستجد انها مضطرة للتقليل من مركزيتها واخراج دول كونفيدرالية او مستقلة من وسط وحدتها. ويستند هذا المنطق على كون الدول الصغيرة ستكون اقدر في القرن المقبل على بناء اقتصادها وحل مشكلات البطالة والعمل والتعليم نسبة للدول الكبرى. فالدول الاصغر اقدر على بناء شبكة العلاقات التي تتطلبها وهي اقدر على بناء قنوات التجارة في كل مكان, بينما الدول الاكبر مثل كندا وبريطانيا لن تبقى في وحداتها الراهنة وكذلك الهند والصين. بل حتى الولايات المتحدة ستجد انها مضطرة لتنازلات كبرى لصالح الولايات المتحدة في كاليفورنيا وفي تكساس, ان الدول الصغرى واللامركزية هي الاتجاه في المستقبل. فمن سنغافورة الى بيروت ستكون الامور اكثر انفراجا نسبة لتلك الدول المكونة من مئات الملايين في العالم النامي. ان المرحلة المقبلة في العالم العربي ستشهد اذن تكريسا واستمرارا للوحدات الوطنية, ولكن الفكرة القومية بمعناها الاعم قد تجد لها تعبيرا من خلال تداخل دولة او اثنتين على شكل تحالف اقتصادي وسياسي. لهذا من الطبيعي ان تتحرك الدول لصالح التحالف والتنسيق والتآلف مع دول تجاورها. هكذا من السهل ان نتوقع تنامى التداخل بين سوريا ولبنان ولكن في اطار نقد التجربة الراهنة واعادة تركيبها على اسس اكثر تنظيما وديمقراطية. بل من المتوقع ان يقع من جهة اخرى تداخل بين سلطة الحكم الذاتي والاردن وسيكون من الطبيعي ان تكون اسرائيل في قلب هذا الاطار الكونفيدرالي. وقد تجد دول الخليج انه من الافضل لها ان تتداخل مع بعضها البعض بما ينتقد سلبيات التجربة الراهنة وبما يتجاوزها للافضل. كما ان تنمو صيغ بين كل هؤلاء وبين ايران. ان حركة المصالح واحتياجات الاقتصاد هي التي ستقرر اتجاه التحالفات, وهي تحالفات لا يشترط ان تكون وفق مقياس قومي بالمعنى الشمولي بل انها ستنطلق وفق مقياس التبادل وتحسين شروط الاستثمار والتعامل مع الاسواق الاخرى والمنافسة. ومع سقوط الافق القومي القديم الذي كان يبحث عن حدود جديدة لدولة كبرى عربية, يبدأ البحث عن صيغة جديدة تقوم على كسر القوالب الجامدة. فعلى سبيل المثال ان البحث عن المعادلة التي تساهم في نهضة الاقطار بالاتجاه الايجابي وذلك من خلال مشاريع تحقق نتائج لكل قطر عربي هي معادلة تستحق الجهد. والنهضة التي نتحدث عنها هي نهضة تتعلق اساسا بدور المجتمع المدني, بتأكيد حقوق الفرد وحماية حقوق الانسان. اذن بالامكان توحيد جهود المجتمع المدني العربي والقوى الديمقراطية العربية في توجهات تصب لصالح حقوق الفرد, ولصالح حقوق الانسان, وفي اطار بناء اولوية للمواطن ولمصالحه في كل قطر عربي. ان يتوحد عربي مع اخر على فكرة سامية تتعلق بمعاملة الدولة او فئات من المجتمع فئات وافراد اخرين في المجتمع على قضايا تتعلق بالرأي وحقوقه او المطالب الاساسية او بناء المؤسسات يشكل امرا اساسيا لمستقبل العرب الاقتصادي والتنموي. من جهة اخرى بل قد تكون حركة دراسة التاريخ العربي ضمن رؤية نقدية, وقد تكون عملية اعادة التعرف على التراث العربي والاسلامي ونقده صفة من صفات النهضة الثقافية, وهذا جانب يعكس بعدا ثقافيا عربيا.. ولكن من جهة ثانية من الضروري نقد الطريقة التي يتعامل معها العالم العربي واقطاره مع شؤونه اليومية وقضاياه المصيرية وذلك ليتوفر المجال للانتقال الى حالة افضل. ان موضوعات المستقبل هي موضوعات تتعلق بتحقيق تقدم لصالح الانسان والفرد في كل بلد عربي, وتتعلق ايضا بتحقيق اساس للحقوق التي تمنع المعاملة التعسفية وتقدم بنفس الوقت ضمانات للحريات بكل انواعها. ان موضوعات المستقبل تتعلق ببناء السلم الاهلي بين فئات المجتمع, وبناء الفرد ككيان منتج. المشكلة في المشاريع العربية حتى الان غياب الانسان عنها وذلك لصالح فكرة عامة يصعب تحقيقها, آن الأوان للبحث عما يخدم الانسان العربي وينميه في كل قطر عربي, ولو تم هذا في اقطار العرب يكون الطريق نحو وحدة التنمية قد بدأ, وهو افضل من وحدة التخلف او وحدة قومية شمولية مركزية تمارس الاضطهاد بحق شعوبها كما فعلت الدولة العثمانية في قرنها الاخير او كما فعل الاتحاد السوفييتي بشعوبه طوال مدة بقائه.