ليس صحيحا هذا التعريف الذي يؤمن به البعض للحرية ويذهبون معه إلى أقصى الحدود ثم يعودون (احرارا) بلا شيء! التعريف الذي يقول: (الحرية هي ان تفعل ما تشاء وقتما تشاء طالما أنك لا تلحق ضررا بالآخرين) . هذا الحديث عن الحرية أحاول أن أكمل به حديثا بدأته منذ يومين, حول أبنائنا الذين اجتازوا (عنق الزجاجة) بنجاح ويحلمون بالطيران خارج السرب ليمارس بعضهم تلك الحرية المشتهاة التي يتخيل بأن السرب قد صادرها منه طويلا. ولقد دار حديث طويل حول أبنائنا في الخارج مع أحد الشباب الذين نفخر بالانتماء إليهم وانتمائهم إلى هذا الوطن, وتحدث الشاب عن بعض الظواهر التي عايشها مع شباب الوطن في أمريكا وكان مما قاله: كنا ثمانية شباب تخرجنا في العام نفسه من الثانوية وبنسب نجاح متفاوتة, وتقدمنا بطلبات للدراسة في الخارج, وقد كان لنا ما أردنا. لقد تمت الموافقة على ابتعاث الثمانية إلى أمريكا لدراسة الهندسة بفروعها المختلفة, فماذا كانت النتيجة؟ اثنان منهم فقط أكملا دراسة الهندسة ونالا درجة الماجستير فيها ويستعدان للدكتوراه, وفي الجامعة التي اختارتها لهما الدولة, أما الباقون فقد تاهوا في ولايات أمريكا بين كليات ضعيفة المستوى وتخصصات لا تغني ولا تسمن!! من وجهة نظرهم هم أحرار فيما فعلوا, من وجهة نظرنا الحرية على نقيض ما فعلوا. و اليوم هناك عشرات غير هؤلاء الثمانية من أبنائنا وبناتنا الذين يستحثون الزمن أن يمر سريعا فلا يقف على البوابات طويلا, وان يلقي برسائله على العتبات سريعا علهم يحظون بالعنوان الأجمل الذي ينتظرونه, الا وهو السفر للدراسة بعيدا عن جغرافيا النشأة, وتاريخ التكوين, فكم من هؤلاء سيعودون كما يتمنون اليوم ونتمنى؟؟ عدد لا بأس به من شبابنا الذين جدفوا غربا وشمالا, أمضوا العمر حرثا في فضاءات لا تفيد ولا تنفع, بل أضرت وبالغت في الضرر! لكن قناعة الحرية المغلوطة التي تلبسوا بها في بلاد الحرية كانت أقوى من كل التوجيهات, فاختلطت المفاهيم بشكل قاتل, وتغيرت التخصصات والجامعات في غمضة عين بحثا عن الأسهل فالأكثر سهولة, وكأن العلم قد تحول في نظرهم إلى زجاجة بيبسي كولا لا أكثر! لذلك نصر على أن أبجديات الوعي والتربية هي الحصانة, وهي الأمان الذي ندخله مطمئنين حين يذهب أبناؤنا إلى أقصى المعمورة لا شيء في أيديهم وجيوبهم وعقولهم أثمن من الوعي والانتماء والاعتماد على النفس والرقابة الذاتية, وقبل ذلك الصمود في مجتمع القابض على بعض نفسه فيه كالقابض على الجمر. هؤلاء الذين ندفع بهم بعيدا عن أعيننا ورقابتنا, إنما نتخلى عنهم مؤقتا لصالحهم, ليتعلموا أكثر, وليعودوا ممتلئين بخبرات وتجارب ونضج. ويعجبني مثل أسباني يقول: (في السفر, ينبغي للمرء أن يحمل معه المعرفة إذا شاء أن يعود من سفره ببعض المعرفة). وهذا ما عنيناه بأبجديات التربية. الانعتاق من مجتمعات ذات طبيعة وتركيبة معقدة ومتشابكة كمجتمعاتنا والدخول إلى مجتمعات منفلتة كالمجتمع الأمريكي الذي تصفه الكاتبة الأمريكية السوداء الشهيرة (توني موريسون): (انه بلا ذاكرة تماما وبأنه مسكون بهاجس المستقبل ولذلك فهو يشوه ماضيه فلا يفهمه ويشوش حاضره فلا يعرف كيف يعيشه) في هذه المجتمعات سيكون أبناؤنا قناعات سيعيشون بها العمر كله, وعليه فلا بد من اعدادهم قبل دفعهم إلى هذا الأتون. الحرية هي لون الانسان, وهي نبتة جميلة سريعة النمو عندما نشرع في تأصيل جذورها ورعايتها باكرا