في خبر مفاجىء ومثير, وفي لحظة تجلت فيها صحوة الضمير, اعلنت الراقصة المصرية الشهيرة (دينا) اعتزالها الرقص الشرقي, وقالت إنها لن ترتدي بدلة الرقص الشرقي مرة ثانية. وحيث انه من المفترض ان يكون خبر الاعتزال من المسائل العادية التي تكون متعلقة بالشؤون الخاصة لأي إنسان, فانه بالطبع لا يكون مفهوما تلك الضجة الكبرى التي اثارها البعض حول هذا الموضوع . ومع ذلك, فان الخبر في سياقه وابعاده واثاره يستحق وقفات اجتماعية عديدة, يتلمس فيها دروس اخلاقية, خاصة وانه اقترن بمبررات اوردتها الراقصة المعتزلة نفسها. الى هنا يبدو ان الخبر في سياقه ومضمونه يدخل في اطار الحرية الشخصية لكل إنسان, وما تتيحها هذه الحرية من ممارسات مشروعة, اقلها الامتناع عن الخلاعة والاثارة. ولكن في هذا الزمان الحافل بالانقلاب في المفاهيم, يبدو ان المفهوم المتقدم للاحتشام (المشروع) ليس من الثوابت الدينية او المجتمعية المجمع عليها فما ان اعلنت دينا ذلك الخبر وذكرت مبرراته, حتى انبرت فئة لم يعجبها هذا الكلام لشن حملة غريبة على الراقصة وقرارها. وأوردت مجلة عربية تعبر عن فكر تلك الفئة وتوجهها خبر الاعتزال باسلوب حافل بالسخرية والاستهجان واليكم الخبر بالفاظه كما ورد في تلك المجلة: الرقص الشرقي امام النساء فقط (!!) والفرقة الموسيقية المصاحبة لن يكون بها رجل (؟!) وبعد ان نسبت تلك المجلة ذلك الكلام الى دينا (وهو كما لاحظت مقرون بالتعجب الاستنكاري) علقت على الخبر بما يلي: ان هذه (اي العبارات المنسوبة الى الراقصة المعتزلة) ليست فتوى صادرة من جماعة متطرفة. ولكنها آخر قرارات الراقصة دينا التي اعتزلت الرقص امام الرجال (؟!) بعيداً عن الحفلات والملاهي الليلية. وبهذا التعليق اتحفتنا المجلة بمفهوم جديد للتطرف, يرى في مجرد البعد عن الاسفاف والابتذال, والتوجه نحو التعفف والاحتشام مؤشرا للتطرف ودليلا عليه, ويذكرنا هذا المفهوم الجديد الغريب بصحفية غربية اصابتها دهشة شديدة عندما رأت جماهير المصلين الذين تدافعوا لاداء صلاة العيد, وهي تفترش الشوارع والطرقات في احدى العواصم العربية الكبرى, وذلك بعد ان ضاقت بهم المساجد والمصليات. وقد كانت تلك الدهشة مبعث قلق لدى تلك الصحفية الغربية, حيث رأت في حشود أولئك المؤمنين المصلين تناميا للتطرف الديني في تلك الدولة العربية, وبحيث لم تخف ذلك القلق عندما تلاقت بكاتب ومفكر مرموق, الذي فوجئ هو الآخر بذلك القلق وأسبابه, ثم وجه السؤال التالي لتلك الصحفية الغربية: وما هي علامات التطرف الديني ومفهومه لديك؟ فأجابت: إن من اماراته وضع النساء للغطاء على الرأس (الحجاب), ومنه: اطلاق الرجال للحية!, ومنه رفع الأذان واعلانه خمس مرات في اليوم! لا شك ان هذه الأمور التي ذكرتها الصحفية الغربية في تعريفها للتطرف وذكر مؤشراته ـ لا تثير في وسط المجتمع الاسلامي أي استغراب أو استنكار, وذلك بحسبانها من المسائل الاعتيادية التي تعبر عن شعائر هذا الدين كالأذان والصلاة, أو بعض مظاهره الواجبة والمستحبة كالحجاب وإطلاق اللحية. وقد نلتمس بعض العذر لتلك الصحفية الغربية فيما جهلته بشأن تلك المسائل أوجدت لديها خلط بين مسألتين التدين والتطرف. ولكن الذي يثير الغيظ والحزن معا هو ذلك الصوت الشيطاني المنبعث من بعض المؤسسات الإعلامية والثقافية العربية, والتي رأت في ظاهرة اعتزال الفنانات والراقصات مؤامرة كبرى تستهدف الفن الجميل الأصيل. وقد عبر احد الغلاة من شيعة الرقص الشرقي, الذين (فجعوا) بالخطر الذي يهدد ساحة الرقص عن ذلك بلهجة تدعو الى الحزن والأسى, وذلك بالنظر الى هموم بعض مثقفينا وألوياتهم, فقال سيادته في افتتاح مقالته متسائلا: كل الشعوب ترقص, فلماذا الهجوم على الرقص الشرقي؟, وقال ايضا: كلهم تحالفوا لضرب الرقص الشرقي.. ذلك الفن المصري الجميل, الضارب في جذور التاريخ من عهود الفراعنه حتى أيام فيفي عبده!, والرقص الشرقي بالذات هو الهدف الثابت لموجات الهجوم المتتالية, وكأنه خطىئة نفعلها بالليل ونتوب عنها بالنهار.. وتحولت نظرات الاعجاب الى سهام حارقة لأجساد الراقصات.. وكأنهم جميعا محترفات للفسق والفجور والاعمال المنافية للآداب.. موجه الهجوم الاولى جاءت من الراقصات أنفسهن.. وتوهم بعضهن ان الطرق الى الثروة والتوبة مفروش بالحجاب إذا كان القصد هو الدين.. لكن حفلات اعتزالهن اصبحت موضة في الوسط الفني, وأشبه بمأساة البجعة التي تؤدي احلى رقصة في عمرها قبل الموت بلحظات. لم تكن توبة عادية طرفيها التائب والخالق, بل صحبتها ضجة إعلامية ومؤتمرات صحفية, وكاميرات وفلاشات, وضيوف شرف من الشيوخ والاحباب والمريدين, واعترافات بالندم والحسرة, وخوفا من العقاب وطمعا في الجنة والثواب, انتهى. في كلام (صاحبنا) المتقدم ايهام ظاهر, فهو في سياق حديثه عن الرقص الشرقي - باعتبارة تراثا ( حضاريا) يجب صيانته - لا يتردد في الهجوم على من آثر الانسحاب من ميدانه. وبلغ ذلك حدا شكك فيه في نوايا المعتزلات ومقاصدهن من وراء الاعتزال وحيث انه كان يقصد الى اثبات هذا التشكيك, بالاضافة الى تصوير ذلك الخطر المهدد للرقص الشرقي بالزوال, فإن هناك دعوة صاحبت تلك الحملة, تهدف الى انقاذ الرقص والراقصات وتمثلت في انشاء جمعية للدفاع عن الراقصات المصريات! ومن مظاهر حملة الانقاذ التغطية الصحفية لموضوع الرقص حيث افردت له مجلة عربية تقدمت الاشارة اليها ملفا خاصا اشتمل على اكثر من عشرين صفحة, اسهاما منها في بث الوعي في هذا الموضوع الهام والخطير! والذي يهدد (النخبة) المثقفة الاولى في الوطن العربي, وهي نخبة الرقص الشرقي. ولم تكتف فئة الرقص الشرقي بذلك بل امتد نشاطها تكريس (ثقافة) الرقص, وحاولت اثبات النموذج الشاذ والغلط للفن الرذيل, الذي يستبيح كرامة المرأة ويحط من شأنها, ويجعل جسدها متعة للناظرين من الرجال. كما رأت تلك الفئة ان مجرد التخلي عن ذلك النوع الشاذ من الفن, والعودة الى الرشد والعفاف من شعائر (المتطرفين) التي يجب التبرؤ منها وقد اخذ ذلك الصوت الشاذ على عاتقه شن حملة لا هوادة فيها تجاه اي رجعة عن الخط الذي سلكه الفنانون بمختلف اصنافهم واخذت تلك الحملة اشكالا وصورا مختلة اهمها التهوين من شأن ظاهرة اعتزال الفنانات وحجابهن وان ذلك التوجه يعبر عن اليأس لدى الفنانات التائبات ويعد كذلك دليلا على ذبول الجمال وانحسار الجاذبية, مما يوحي باقتراب افول النجومية لديهن لذا كان خيار الاعتزال هو الاجدى بذلك الصنف من الفنانات في هذه المرحلة! ولا شك ان هذا الادعاء مدفوع بنماذج العديد من الفنانات اللاتي اعتزلن وهن في قمة مجدهن الفني. ومن مظاهر الحملة على الفنانات كذلك طابع التشكيك في صدق نوايا المعتزلات, وان الدافع وراء قرارهن مادي فحسب, وان هناك جهات (مجهولة) تدفع في مقابل ذلك الاعتزال! وقد علقت احدى الفنانات المعتزلات حديثا عن ذلك بقولها: هؤلاء يحاولون هدم العمار الذي بيننا وبين الله, هؤلاء يتعجبون بأننا نعود الى الله, اين هذه الأموال التي يتكلمون عنها, وما الجهة التي تمول هذا؟ لو فيه فلوس, هناك فنانات رجعن للفن بعد حجابهن, فهن قلن انهن لم يجدن مالاً ولا أحد يصرف عليهن فرجعن الى الفن مرة اخرى. يضاف الى ما ذكرته الفنانة المعتزلة , انه يبدو للمتتبع لما يدور حول هذه المسألة ان قادة حملة التشكيك في اعتزال الفنانات وحجابهن لا يمانعون في ترديد اي شيء لإيقاف تلك الظاهرة الحميدة التي بدأت تنتشر في السنوات الأخيرة في الوسط الفني, حتى وإن كان الذي يرددونه ساذجاً مثل القول بقبض الأموال في مقابل الاعتزال, والذي عليه بعض الظرفاء بأنه إذا كانت الراقصة تتقاضى اجراً على رقصها وابتذالها, فما المانع من (القبض) للامتناع عن الرقص ومن ثم الستر والاحتشام؟! أقول هذا القول, وكنت أرجو ان يكون الذين قاموا بتسويد الصفحات العشرين للبحث في شؤون الرقص الشرقي وشجونه بالبحث في مسائل مثل الأمية والبطالة والحريات الغائبة, ومسألة الهوية وخصوصيتها, وهي قضايا أحسب انها وفقاً لميزان العقلاء تمثل أولوية على الرقص ونحوه.