أثارت الندوة التلفزيونية التي عقدتها محطة تلفزيون الجزيرة الفضائية بين نائب في البرلمان الأردني (من أصل شرق أردني) وكاتب صحفي أردني (من أصل فلسطيني) استياءً كبيرا في الشارع الأردني من كافة فئات الشعب دون تمييز. وتصدّى للرد على النائب العديد ممن يصنفون ـ حسب هذا المعيار الذي تحاول قلة منهم هذا النائب فرضه ـ على الرغم أنهم شرق أردنيين, وجاءت ردودهم مستنكرة لما قاله باسمهم أو بادعاء تمثيلهم في مواقفه تلك, أو لنفي شبهة هذا التمثيل وسبب الاستياء الرئيسي هو ان البرنامج التلفزيوني جاء بعيدا عن الموضوعية, وتوخّي الاثارة واقامة مباراة أو حلقة ملاكمة تحمل الكثير من اللكمات والقليل من الفكر السياسي والحقائق الواقعية, وتنفس عن مشاعر ومطامع فردية أكثر مما تعكس مشاعر جماعية ومطامح وطنية لقطاعات الشعب الأردني وفئاته كافة. والعتب يقع حقيقة على المسؤولين عن البرنامج, ونحن لسنا ضد اتاحة المجال لأي رأي مهما بلغ غلاؤه أو قل اتباعه, فهذا حتما يناقض توجهنا المعروف للديمقراطية والتعددية. ولكن هناك فارق كبير بين الرأي الموضوعي الذي يبنى ــ مهما تباين واختلف بين فرد وآخر ــ على حجم ومقومات موضوعية وينطلق من واقع وحقائق يجهد كل طرف في تفسيرها بما يقنعه, أو حتى بما يخدمه وبين الاتهامية والاستفزاز والاستعداء المتبادل والتفنن في تصعيد هذا كله بما قد يخلق واقعا جديدا من العداء لم يكن موجودا من قبل, وكنا حتما في غنى عنه. وإذا كان البعض يرى انه لابد من فتح المنابر حتى للأصوات التي تعتبر نشازاً في الجوقة الكبيرة. فإن واجب المسؤولين عن ادارة خدمة المنابر يشتمل في أحد أمرين: إما توفير متحدثين آخرين يمثلون مرجعية علمية في الحقائق والوثائق المتعلقة بموضوع البحث, أو تكليف معدي ومديري تلك اللقاءات أنفسهم التسلح بالمعرفة اللازمة بتلك الحقائق والوثائق, أو بالحد الأدنى منها, حتى لا يتحول منبرهم إلى مطية سهلة لأي منتفع أو ثغرة لدس اسفين في جسم وطني قومي يجب ان نحرص على تماسكه الطبيعي والتاريخي والفطري, ليس خدمة لهدف سياسي عربي فقط, بل خدمة للحقيقة المجردة ذاتها. وللحقيقة المجردة, وبعيدا عن أي موقف سياسي أحمله شخصيا, أجدني مضطرة لتدوين بعض (الحقائق) وليس الآراء, فيما يتعلق بالعلاقة الأردنية الفلسطينية كما يلمسها ويعرفها ويعيشها, يوميا وعلى امتداد نصف قرن, الشعب الأردني منذ قيام المملكة الأردنية الهاشمية قبل أكثر من نصف قرن. وهذه تقدمه عامة قد ألحقها ان سمح الوقت وازدحام مساحة هذا المقال بأكثر من شأن سياسي ملح مما يفرض نفسه علينا في هذه الفترة الساخنة, قد ألحقه بأبحاث أكثر تفصيلا لجوانب بعينها وأدوار بعينها ان ثبت ان الضرر الذي أحدثه ذلك البرنامج دام بأكثر مما يستحق, أو استُغل بأبعد مما استغل حتى هذه اللحظة. والحقائق التي سأوردها لا تزيد عن بيان الأطر السياسية والاجتماعية القائمة طوال نصف القرن هذا على أرض الأردن, مما قد لا يعرفه المشاهد العربي الذي لم تتح له زيارة هذه الأرض والتعرف إليها وإلى أهلها عن قرب. وغني عن القول ان الواقع الاجتماعي هو المؤشر الأقوى في بيان التوحد أو التآلف بين الجماعات, في حين ان الواقع السياسي هو الأكثر تذبذبا باعتبار أن قوىً من خارج تلك الجماعات , أو قوى محدودة الحجم من داخلها ولكنها واسعة النفوذ أحيانا, تملك ان تحدث بعض التقلبات أو الخلخلة السياسية لفترات تقصر أو تطول, قبل ان تعود الأمور إلى نصابها الطبيعي. وفيما يتعلق بالواقع الاجتماعي المعاش في الأردن , أؤكد هنا على ما ذكر به أمين عام أحد الأحزاب الأردنية, سليمان عرار ــ وهو بالمناسبة من أصل شرق أردني ــ في مؤخر رده على فحوى تلك المناظرة التلفزيونية, من ان الأردنيين لا يعرفون أنفسهم ــ ان طرأ ما يستلزم مثل هذا التعريف ــ على انهم إما (أردنيون) أو (فلسطينيون) , بل ان واقع الحال هو أنهم يعرفون أنفسهم على انهم (اربديون) أو (سلطيون) أو (معانيون) أو (كركيّة) اشارة إلى مدن اربد والسلط ومعان والكرك في شرق نهر الأردن على سبيل المثال ــ أو على أنهم (نابلسيون) أو (خلايلة) أو (مقدسيون) اشارة إلى مدن نابلس والخليل والقدس في الضفة الغربية لنهر الأردن على سبيل المثال أيضا.. بينما يشار إلى كل من مخارج الوحدة السياسية والطبيعية لفلسطين والأردن بنسبة إلى دول عربية أخرى أو منطقة عربية جغرافية واسعة, وليس إلى مدن عربية بذاتها, فمثلاً يقال ان هذا (حجازي) أو (سعودي) , ويقال هذا (مصري) أو (عراقي) . أو (مغربي) أو (يمني) ... إلخ. وهذا دليل على وحدة الوطن والمواطنة بين أبناء الأردن من كافة المنابت والأصول, وليس في الاشارة إلى المدينة أية تفرقة (سياسية) , ففي مصر مثلاً يقال بأن هذا (اسكندراني) أو (أسيوطي) ولا يخرجه هذا من اطار مواطنته أو هويته الاجتماعية المصرية, وكذلك في سوريا يقال أن هذا (حلبي) و (دمشقي) ولم يجر يوما التشكيك في سورية هوية أي من هؤلاء. وأضيف على هذا واقعا معاشا آخر, قد أكون لمسته أكثر كامرأة, وهو ان الزواج في الأردن لا يُفرّق فيه بين منشأ محلي وآخر إلا لاعتبارات قبلية, وهي اعتبارات آخذة في التقلص مع انتشار الحضارة والمدنية, ولا وزن لها إلا في بعض جيوب الانغلاق بل والتخلف الاجتماعي التي تعتقد ان الفتاة ملك لابن عمها, رغماً عنها وعنه أحيانا, باعتبارها عرضا لا ينكشف لغريب!!! وهذا العرف الضيق لا يميز بين أردني وفلسطيني, بل يميز في درجات القرابة في العمومة ذاتها ويفرق حتى بين بطون وأفخاذ العشيرة الواحدة.. أما العرف السائد والمتناسب مع درجة الحضارة والوعي في الأردن فهو يقوم على حساب مقومات الزوج أو الزوجة الفردية والاجتماعية ضمن متطلبات الحياة الأسرية المعاصرة, وفي مقدمتها الخلق والتعليم والمكانة المادية والاجتماعية, ولم نسمع بان زواجا أبطل أو ان خطبة لم تقبل لأن العريس أو العروس (شرق أردني) أو (فلسطيني) ونتيجة لهذا التزاوج غير المقيّد بأي عائق اجتماعي أو نفسي, فإن ما يزيد على ربع سكان المملكة هم باستعارة التعبير الذي ابتدعه وزير الصحة الأسبق الدكتور عبد الرحيم ملمس لوصف انتمائه السياسي كأردني من أصل فلسطيني (أردسطينيون) . وهم ليسوا كذلك سياسيا فقط, كما وصف الدكتور ملمس نفسه, بل هم كذلك بيولوجيا أيضا, رضي من رضي وأبى من أبى, وبغض النظر عن سياسات أي مكان. وقد يكون الواقع الاقتصادي هو الحلقة الواصلة الرئيسية ما بين الاجتماعي والسياسي, وفي هذا الشأن أذكر ــ ويمكن العودة للتوثق من هذا إلى كافة الصحف والوثائق وحتى المحاضرات ومحاضر الاجتماعات والندوات انه طوال فترة السبعينات والثمانينات, حين كان الأردن يمد الخليج بأعداد كبيرة من الأيدي العاملة الماهرة, لم تتم الاشارة داخل الأردن إلى هؤلاء إلا بكونهم أيدي عاملة أو مهارات (أردنية) تعمل في (الخليج) , وتستوي في هذا وتتماثل الاشارات الواردة من مصادر رسمية أو شبه رسمية أو أكاديمية أو شعبية, كما تستوي وتتماثل سواء كان الناطق الرسمي أو المحاضر أو الكاتب المستقل من أصل شرق أردني أو فلسطيني. هذا مع العلم بأن الغالبية العظمى, بل والساحقة, من العمالة الأردنية في الخليج كانت من أصل فلسطيني.. وهو أمر لم يجر التفريق بشأنه إلا بعد حرب الخليج, وكلنا نعلم كم الأيدي الخارجية ومن عملائهم المحليين, لعبت في فترة أزمة حرب الخليج لتأجيج النزاعات وتوسيع الخلافات وزرع الفرقة بين العرب. ولا ندعي ان الأمر سواء أردنيا أو عربيا, قد خلا من بعض الحساسيات على امتداد العقود الماضية. إلا ان هذا ليس بالأمر الاستثنائي, فلا تخلو من تلك الحساسيات الفئوية أية دولة أو مجتمع أو قوم, بمن فيهم الدول الأوروبية المتقدمة كفرنسا, وألمانيا وبريطانيا, وحتى الولايات المتحدة ذاتها وكذلك الدول الآسيوية التي تربطنا بمعظمها سمة العالم الثالث ولكن تبقى امكانية تطور هذه الحساسيات إلى خلاف سياسي أو نزاع سياسي مرتبطة بالديمقراطية وسلامة النظام السياسي في تلك الدولة عامة وبدرجة حضارتها وتطورها. وفي هذا لا نخرج نحن, كأردنيين وكعرب عن هذه القاعدة الدولية. فليس تطور الحساسيات البينية إلى نزاعات, بل ومجرد وجودها ونشوئها يعود إلى الأنظمة العربية باضعاف ما يعود إلى الشعوب العربية ذاتها. وبما ان حديثنا عن الأردن وعلاقات فئات شعبه ببعضهم البعض فإن الحساسيات المعروفة يمكن ان تربط بسلسلة قرارات وأحداث سياسية عليا لم يكن للشعب الأردني بكافة فئاته, رأي مرجح فيها, فمثلاً هنالك حيثيات ضم الضفة الغربية للمملكة, وما سبقها من اعتراض النظام الأردني على قيام حكومة مستقلة فيما تبقى من فلسطين, سواء بمبادرات دولية أو بقررات الجامعة العربية آنذاك. وهناك مؤتمرات عمان وأريحا ورام الله ونابلس, وحيثيات عقدها تمهيدا لهذا الضم. وهي سلسلة أدت إلى اغتيال الملك عبد الله. وتلا ذلك, ونتج عنه إلى حد بعيد, تبني سياسيات حكومية غير معلنة تهدف إلى تكريس التمييز في فرص العمل, وبالذات في المناصب السياسية والأمنية العليا, وفي فرص التعليم, خاصة في البعثات وما أصبح يسمى الآن ( بالمكرمة) الجامعية.. وهناك أحداث سبتمبر عام 70, ثم فك الارتباط وما تلاه من تمييز رسمي أكثر صراحة وعلنية. وهنالك قانون الانتخاب الأردني وتعديلاته بما فيها التعديلات بعد قمة الرباط ثم أخيرا تعديل الصوت الواحد الذي زاد من تكريس العشائرية الشرق أردنية واعطائها الغلبة في المجلس. وهنالك أخيرا اتفاقية وادي خربة وما تلاها من تطبيع مع اسرائيل وود غير مسبوق معها أضعف فرص كافة المسارات الأخرى.. كل هذا موجود وواقع لا ننكره, ولكننا إذا وضعناه في سياق منشأه ومرجعيته ومسؤوليته, نجد انه لا علاقة له (بالأردنيين) وان مسؤوليتهم عنه لا تزيد على مسؤولية (الفلسطينيين) عن مؤتمرات عمان وأريحا ورام الله ونابلس... فهذه كلها قرارات علوية استعملت فيها على أبعد تقدير قدرة السلطة على الاختراق والاجتزاء بما يتوفر لها من نفوذ ومقدرات لا تتوفر للقطاعات الشعبية. ومثل هذه السياسات لا يعقل ان يؤخذ بجريرتها شعب لم يؤخذ رأيه فيها, والحقيقة ان الغالبية الساحقة من (الفلسطينين) ـ وهم المتمتعون بالوعي السياسي ــ لا يلومون (الأردنيين) عليها, كما لا يلومهم الأردنيون على حذرهم تجاهها أو احتجاجهم عليها. والدليل على تبادل صكات البراءة هذه ان حادثة اغتيال الملك عبدالله بقيت في حدود شخصه ولم تتحول إلى حرب أهلية كما يتوقع في حالة وجود انشقاق أو استقطاب شعبي حقيقي. وكذلك أحداث سبتمبر لم تؤد إلى ضغائن شعبية ذات وزن, رغم تهيئتها لتكون كذلك. ومما يشكل شهادة لصالح الشعب الأردني بشقيه الشرق أردني والفلسطيني ودليلاً على توحده في التصدي للأولويات الوطنية والقومية هو ان المعارضة السياسية في الأردن لا تعترف بهذه التجزئة فهي في توحدها في اعتبار القضية الفلسطينية قضية عربية واعتبار الصراع عربيا اسرائيليا لا قطريا ولا اقليميا, مثلها في توحدها في النضال من أجل الديمقراطية والتعددية والحرية وحقوق الانسان. والقمع الذي تتعرض له المعارضة هو واحد لا يميز بين شرق أردني وفلسطيني بالمقابل.