في قاموسك العربي ذي الثراء والسمعة تجد أكثر من مفردة تنطبق عليها فهم (الأوغاد) و(الرعاع) و(الأوباش) و(المشاغبون) و(الوحوش) و(العيارون) و(الشطار) و(الأشقياء) و(الهمج) . انهم أولئك الذين يطلق عليهم عالميا (هوليغانز) (بضم الهاء), أولئك الذين يمارسون أعمال الشغب والفوضى والاعتداء والصخب في ملاعب الكرة. بالأمس القريب هاج الهوليغانز, الهمج, وعاثوا فسادا في ملعب هيزيل لدى لقاء جوفنتوس ــ ليفربول, وبالأمس الأقرب شنوا عدوانا على مشجعي الفريق التونسي, وأحرقوا الأعلام التونسية في ساحات مرسيليا. وقد ذهب جوزيف بلاتر, رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) إلى القول بأن أعمال الشغب في الملاعب أصبحت معضلة وان ليس في الامكان جعل كل مدينة (غيتو), وتقدم برجاء المساعدة على مكافحة هذا الداء. لقد أعرب توني بانكس وزير الرياضة البريطاني عن احساسه بالاهانة لما فعله أولئك الهمج في مرسيليا, وقال: (أشعر بالخزي.. يجب أن أعتذر للعديد من الأشخاص, وأقول: أرجو الحكم علينا بالوجه الحقيقي لكرة القدم وليس بتصرفات أقلية. وتعليقا على كل ذلك نتساءل اتبتعد حوادث الشغب عن الوجه الحقيقي لكرة القدم؟ ألا يكون ثمة ارتباط بين ما يجري على الملعب وتحريك العواطف إلى درجة الهيجان التي يأخذ عندها السلوك طابعا عدوانيا يصعب أحيانا وقف جماحه؟ إن كل ذلك يستوجب وقفه عند الاثارات القادمة من محيط الملعب. والاثارة, عند العارفين بأحوالها, تحرك أي ضرب من السلوك, وليس الاعتداء فحسب. هؤلاء الهمج على مستوى عال من التقبل للاثارة بحكم التنشئة وبفعل تأثير الكحول. وهم بذلك يختلفون عاطفيا وسلوكيا عن الآخرين الذين عايشوا ويعيشون تجارب أقل اثارة. إن من يتوفر على مستوى عال من الاثارة, قد تثيره تحطيم قنينة شراب, أو صرخة هياج, أو تهشيم كرسي, وحين تصل الاثارة أعلى مستوياتها يفقد المشاهد المتهيج عقلانيته, وتسري العدوى, ويسود الاضطراب, ويحين الأوان لتدخل البوليس بهراواته وغازاته المسيلة للدموع وكلابه المدربة! انها إذن الاثارة, اثارة من له استعداد لكي يستثار, ويمارس الاعتداء وتسري الحمى في الملاعب, والحانات, والشوارع, والحدائق العامة, وللعدوى آلياتها التي تتخطى أولئك الهمج إلى أناس قد يظن انهم أكثر تحضرا وأعمق مدنية. ألم يستطع هتلر عن طريق الاثارة باستخدام الرايات, والموسيقى, والهتاف الموحد والشعار الموحد والخطب النارية ان يحرك آليات العدوى ويدفع بالشباب الألماني على اختلاف مستوياته العاطفية والعقلية إلى جحيم اللاعقلانية والعدوانية بل إلى الموت, والموت بوحشية. ومن مأساة العصر, ان تتحول المنافسة على ساحات الملعب إلى اقتتال شرس وضرب قاس واعتداء متوحش. ومن مأساته أيضا, أن تصبح لهؤلاء الهمج معاييرهم ولغتهم. ولوسائل الاعلام الغربية, ان لم نقل المجتمع الغربي بمختلف شرائحه, الدور الواضح في تمييزهم وتنيطهم. وهم قد يجدون في هذا التمييز والتنميط ما يبعث فيهم الاعتزاز, ويحثهم على التباهي, وانتظار الفرصة المناسبة لنقل أنماطهم في الحماس والاندفاع من صعيد وطني إلى آخر عالمي عبر الأقمار الصناعية وشبكات الفضاء! قد لا يكون الخطأ حليف من يرى بأن اللعب تحول على أيدي الهمج المشاغبين إلى حالة تنكرها الإنسانية وترفضها. كما ان الخطأ قد لا يكون حليف من يظن ان الأمر لم يعد قاصرا على العنف البدني, بل بدأ يأخذ مظهر الصراع السياسي. الأفارقة, على اختلاف مشاربهم يساند بعضهم بعضا ضد الأوروبيين البيض, والعرب يتضامنون مع الأفارقة ضد الآخرين ما دام الآخرون يستحقون الهزيمة, لانهم لا يضمرون خيرا, وليس لديهم من تعاطف مع الشعوب التي تبحث لها عن مكانة في العالم المعاصر, عالم التنافس غير المتكافئ اقتصاديا وعسكريا. وإذا لم نستطع غلبة الآخرين, في مجالات السياسة والاقتصاد فلنغلبهم في ساحات الكرة. لنستعمل أقدامنا بمهارة ولنحسن تمزيق الشباك. أليس في ذلك راحة للنفس! على المهندسين الاجتماعيين والمعنيين بشؤون الكرة أن يلتفتوا إلى ما تسببه ظاهرة (الهوليغانز) من تحويل الجميل إلى قبيح, وإلى ما تجره السياسة على الرياضة باعتبار الأخيرة وسيلة تعلم الضبط, واتقان الأدوار, وترتفع بسلوك الإنسان عن ممارسات الحيوان. وعسى ألا ينتهي اللعب, خسارة وانتصارا, إلى اعلان الحروب وتجييش الجيوش.