تاريخ امريكا اللاتينية المعاصر حالة فريدة, انها بلاد تكاد تصبح ضحية كل شيء وأي شيء, دولها تتداول عليها مؤثرات الرعب والدمار والموت, منذ ان وصل اليها كولومبس قبل خمسة قرون تعيش حالة من الصراع الدموي الذي يبدو انه استمرار للحالة التي وجدها عليها المغامرون الاوروبيون بعد الاكتشاف . الدولة التي تنجو من الاستعمار تسقط ضحية الانقلابات العسكرية, والدولة التي تحاول ان تنضم الى النادي الديمقراطي الغربي يأتيها من ابنائها الديمقراطيين من يطمع في تكرار الجلوس على كرسي السلطة بالتزوير, وتعديل الدستور, ولوي عنق القانون واستباحة كل المؤسسات والامثلة كثيرة بدءا من الجنرال بينوتشيه في التشيلي الى الرئيس كارلوس منعم في الارجنتين, الى فوجيموري في البيرو, والقائمة طويلة. فوق كل هذه الكوارث التي تواجهها شعوب امريكا اللاتينية وتحاول ان تنتصر عليها, هناك كوارث الطبيعة التي قررت ايضا ان تفرض سلطانها الذي لايقهر على شكل امريكا اللاتينية الجغرافي, انه (النينيو) او (الطفل) في اللغة الاسبانية انه الاعصار الذي يفوق كل تصور, وقدرته على التدمير لايستطيع احد ان يقف في وجهها, انه الاعصار الذي يغرق كل شيء او الدمار جفافا وحرائق تأكل الاخضر واليابس والتسمية شبه دينية, وتكاد تعكس المعنى الديني للمسيحية, لان اسم (النينيو) مأخوذ من لقب (الطفل المسيح) عليه السلام لان هذه الاعاصير عرفها المغامرون الاوروبيون منذ فترات الغزو الاولى كانت الاعاصير تحدث قمتها في الدمار اثناء الاحتفال باعياد الميلاد واعياد الميلاد في العقيدة المسيحية الكاثوليكية تعني ميلاد الطفل (السيد المسيح) ورغم ان الاعصار دائما دمار وموت, الا ان الكاثوليك الاوائل الذي وصلوا الى امريكا اللاتينية وكانوا اول من واجه العاصفة العاتية, اطلقوا اسم (المسيح الطفل) عليه رغم مايمثله السيد المسيح من رحملة وحنو على البشر, ليتحول في عرف ابناء امريكا اللاتينية الى مرادف للدمار والقسوة والموت. كان الطفل يأتي كل عام كاسحا امامه كل مايجده في طريقه من زرع وحيوان وبشر لكن غضبه في السنوات الاخيرة فاق كل غضباته المتتالية والمتكررة خلال القرون الماضية, وتحول في مناطق اخرى الى جفاف قاس يدمر كل شيء, فتموت الاشجار واقفة, ويتحول البشر الى رهائن للعطش والجوع, واصبحت اثاره لها القدرة على تشكيل الواقع الجغرافي لمعظم الدول التي تقف في طريقه بلا استثناء حتى اصبح ظاهرة من الظواهر المدمرة للحياة في تلك الدول, تماما كالانقلابات العسكرية, والاستعمار وتزييف نتائج الانتخابات, لكن لا أحد يعرف مصدره ولا أسبابه رغم مرور كل تلك القرون. في دول شمال خط الاستواء في القارة الجنوبية يكون (النينيو) الجفاف والحرائق التي لا تنتهي أما دول الجنوب مثل الاكوادور وبوليفيا والبيرو والبرازيل والارجنتين والتشيلي فان (النينيو) يتحول الى عواصف رعدية وامطار جارفة تأخذ كل شيء امامها وتلقى به الى حيث يمكن لرياحه ان تصل. تقدر الاحصائيات ان اخر الاعاصير التي تأتي في اطار غضب (النينيو) الذي بدأت غضباته تزداد منذ بداية التسعينيات راح ضحيتها خلال النصف الاول من هذا العام فقط اكثر من 900 ضحية وان الخسائر المادية تقدر باكثر من 20 مليار دولار. لكن اقسى ما يترك (النينيو) بعد هجمته الاوبئة التي تخلفها الامطار او الجوع الذي يخلفه الجفاف والحرائق التي لايمكن السيطرة عليها بالوسائل التي يملكها البشر في تلك البلاد, وآثاره في حاجة الى عقود للتخلص منها واعادة رسم الخارطة كما كانت قبل بداية التسعينيات من هذا القرن. حتى الخارطة السكانية اصبحت من صنع يدي (النينيو) يرسمها وفق هواه في بلد مثل الاكوادور الذي يعتبر من افقر دول امريكا اللاتينية, ومأساته الكبرى احزمة الفقر التي تحيط بالمدن الرئيسية, وما تسببه من مزيد من عجز الدولة في مواجهة الفقر والمخدرات والجريمة المنظمة, هناك اكثر من 25 الف من مواطنى الجبال والريف يحزمون حقائبهم للرحيل عن مناطقهم بحثا عن مأوى على اطراف المدن الكبرى ليشكلوا حزاما جديدا من الفقر والمرض والجريمة يحيط بالحزام القائم حاليا. اضافة الى الدمار الذي يلحقه (النينيو) بالغابات الطبيعية في الاكوادور, هناك ايضا تأثيره على سكان البلاد المحيطة بتلك الغابات اولئك السكان الذين لايجدون امامهم سوى اللجوء الى تلك الغابات والقضاء عليها لتحويلها الى ارض صالحة للسكن او الزراعة بحثا عن الطعام والمأوى. اما في البيرو فإن (النينيو) اغرق جوانب كثيرة من البلاد, حتى تحولت صحراء (سيتشورا) في الشمال الى بحيرة مائية طبيعية عظمى تتفوق على اي بحيرة اخرى في القارة, واصاب مناطق اخرى بالجفاف الحارق الذي نتجت عنه حرائق اصابت اكثر مناطق المحميات الطبيعية في مقتل, وكانت النتيجة 300 قتيل واكثر من 100 الف لاجىء وما يقرب من 90 كليومترا من الخطوط الحديدية المدمرة, اضافة الى الخسائر المادية التي تقدرها السلطات الرسمية بحوالي مليار دولار. الحرارة المرعبة التي يتركها جفاف (النينيو) في الشواطىء الغربية للبيرو رفعت من درجة حرارة مياه المحيط الباسيفيكي, فهربت الاسماك التي كانت تعتبر مصدرا للعيش لعشرات الآلاف من الصيادين فتوقف الصيد وتوقفت صناعة الحفظ والتعليب القائمة على تلك الاسماك كمادة خام. امتدت الكارثة السمكية الى التشيلي في الجنوب حيث انخفضت نتائج عمليات الصيد الى اقل من 40 في المائة من معدلاتها التي حققتها خلال السنوات الماضية. مثلث شمال الارجنتين في حدودها مع الباراجواي والاورجواي اصابه (النينيو) بالجفاف الكامل, فأصبحت الاراضي الزراعية صحراء قاحلة هجرها الفلاحون والرعاة بحثا عن الحياة في مناطق اخرى. بينما الى الجنوب قليلا من تلك المنطقة, اصابت العواصف والامطار الانهار فتحولت المناطق المحيطة بتلك الانهار الى بحيرات ضخمة عميقة اغرقت الزرع والماشية والبشر, وذهبت بمحصولات تقدر قيمتها بما لايقل عن ثلاثة مليارات دولار, اهمها محصول القطن في الارجنتين الذي فقد مزارعوه اكثر من 50% من انتاجهم السنوي لهذا العام, اما مزارع الدخان والقمح والشعير فقد تم القضاء عليها قضاء تاما. (النينيو) اصاب البرازيل هذا العام بأكبر كارثة جفاف حلت بها طوال تاريخها حيث تقدر خسائر الحرائق في منطقة الشمال الشرقي بحوالي اربعة مليارات دولار اي مايساوى حوالي 5% من مجموع الاراضي الزراعية او القابلة للزراعة. اما فنزويلا فقد كانت مسرحا لاضخم حريق في تاريخ منطقة الامازون, ما بين شهري يناير وابريل دمرت الحرائق اكثر من 30 الف كيلو متر مربع من الغابات الطبيعية منها حوالي 7 الاف كيلومتر مربع من منطقة غابات الامازون التي تعتبر اكبر محمية طبيعية في العالم وانتشرت في المنطقة اوبئة الملاريا التي كانت المنطقة خالية منها بعد عمليات التطهير التي شهدتها المنطقة خلال السنوات العشرين الاخيرة. هذه الكوارث التي حلت بمعظم دول امريكا اللاتينية خلال السنوات الاخيرة لم تكن كافية لتكاتف الجهود من اجل الخروج من هذا الوضع بل تحول دمار (النينيو) سواء بالجفاف او بالعواصف الى سلاح سياسي يستغله البعض لتأكيد سيطرته على بلاد تعاني من الدمار والمجاعات. فقد تحولت مناطق الجفاف والعواصف الى مشاهد يومية لزيارات السياسيين الذين يصلون الى تلك المناطق بطائرات الهيلوكبتر ثم سرعان ما يغادرونها لمصيرها بعد التقاط الصور التذكارية والمشاهد التلفزيونية التي تزين صفحات الصحف والمجلات في اليوم التالي, او تكون في اول النشرات التلفزيونية بينما ضحايا (النينيو) يموتون جوعا ومرضا. كاتب مصري مقيم في اسبانيا