فرق شاسع بين ان نقول ولا نفعل, وبين ان نقول ونتبع اقوالنا بالفعل الذي يرسخ او يصدق تلك الاقوال. واكثر الناس يجتهد وباصرار عجيب لحفر المزيد من الخنادق بين اقواله وافعاله, ومثل الناس تقع وسائل الاعلام في هاوية اصحاب الاخدود دون ان تملك شيئا من قوة ايمانهم . التناقض الفاضح بين الشعارات والفعل المصاحب هو مفتاح وباب كل ازماتنا ومشاكلنا, وكأننا ادمنا هذا الفعل الشائن, لاننا آمنا ايمان البلداء والجهلاء باننا امة حضارتها كلام وتراثها كلام, وحرفتها الكلام ولا شيء آخر. لهذا فأنا من الذين لا يستاءون من مجلات (ترويج) الراقصات والفنانين والفنانات, ولا تزعجني المحطة الفضائية التي نذرت نفسها لقضية العرب الاولى: تفريخ اكبر عدد ممكن من مطربي ومطربات الفيديو كليب!! (ولا استاء لا تعني موافقة او يعجبني!). السبب ان هذا الاعلام الردىء او الساقط بمعنى اصح, اعلام واضح التوجه, لا يحاول ان يلبس مسوح الرهبان ليمرر للناس بخبث رسائل الفساد او المشاهد الداعرة, هو هكذا منذ البث التجريبي ومنذ العدد الاول, مجلات وقنوات ذات رسائل تخريبية تدميرية شديدة التركيز والوضوح, فلا لبس ولا سوء فهم, فوفرت علينا الكثير. وفرت علينا عناء البحث والتقصي والتحليل والغوص في النوايا, لان كل ما يعرض ويكتب ويقال في وضح النهار لا يتناقض مع اقوال ونوايا اصحابها, وعليه فقد سهل تصنيفها كعدو ظاهر, يمكن محاربته والتصدي له, في حالة اذا قررنا ذلك طبعا. لكن الذي يغيظ ويقهر, ويغرقك في دوامة التساؤلات, ثم يجعلك تسحب رصيد المصداقية المتبقي لبعض الوسائل الاعلامية التي تصدر نفسها كحامية لديار الثقافة والاخلاقيات والثوابت القيمية, الذي يجعلك تشمئز احيانا من مهنة تسمي نفسها (مهنة البحث عن الحقيقة) هو التناقض الصارخ بكل الالوان والاصوات بين القول او الادعاء وبين الفعل او الرسائل المذاعة والمنشورة. فهل انتهت مهمة تثقيف الامة, والغاء اميتها وتشجيع علمائها, والقضاء على اكوام المتناقضات والمشاكل والسلبيات لدينا؟ وهل وصلنا الى تحقيق اعلى معدلات التطور العلمي والتقني وتعلم الانسان كيف يحترم وقته, ويحترم القانون العام الذي يسير الحياة حوله في كل شؤونها, ويجتهد ليل نهار لاتقان عمله والارتقاء بمستوى حياته؟ اذا كان ذلك وغيره مما تنادي به بعض الصحف والمجلات ووسائل الاعلام الناطقة باسم المواطنة والقومية والتحضر... الخ قد حدث فهذا اذن هو السبب في محاولاتها تثقيفنا بثقافة العصر السائدة. واعني بها ثقافة الرقص الشرقي, وافلام العري والمخدرات وبرامج (السوبر ماركت) و(السنترات التجارية) ! هل يعني احدا منكم شيئا اذا اعتزلت (دينا) الرقص الشرقي او لم تعتزل؟ وهل تستحق هذه (الراقصة) ان نفرد لها الصفحات لتتحدث عن مشروعها (الحضاري) الرائد لاقامة مدرسة للرقص الشرقي لتعليم الزوجات وربات البيوت هذا الفن العريق؟ حقا لا يستقيم الظل والعود اعوج!