رغم السرية المفروضة على البرنامج النووي الاسرائيلي فقد أمكن للباحثين, ومنهم أساتذة عرب انشغلوا سنوات طويلة بهذه القضية الحيوية في اطار الصراع العربي - الصهيوني, أمكنهم أن يتوصلوا إلى معلومات في غاية الفائدة بالنسبة لمن يبحث في هذا الموضوع . هناك مثلاً كتاب (الخيار شمشون) من تأليف الكاتب المحقق الامريكي سيمون هيرش وقد اصدره عام 1991 واكد فيه ان اسرائيل, مع فاتح عقد التسعينات, تمتلك مئات من الأسلحة النووية, التكتيكية والاستراتيجية على السواء, بما في ذلك اكثر من 100 قذيفة مدفعية نووية ثم مئات من رؤوس القذائف الحربية ذات المحتوى النيوتروني المنخفض, والأهم من ذلك ان سيمون هيرش يذكر في كتابه ان اسرائيل قد استطاعت أن تطور قدراتها النووية مستفيدة من عوامل شتى داخلية وخارجية يأتي على قمتها - كما يقول الكاتب الامريكي - ان الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين ما بين الجنرال دوايت ايزنهاور طبعا حتى بيل كلينتون - ومع استثناء وحيد هو الرئيس جون كيندي, كانوا يغمضون العين ويديرون وجههم نحو الجانب الآخر تسترا من جانبهم وإغضاء ازاء تطورات البرنامج النووي الاسرائيلي ولأسباب سياسية منها عزوف هؤلاء الرؤساء عن المواجهة مع اللوبي اليهودي في أمريكا ثم هناك تقرير مؤسسة (جينز) البريطانية للدراسات العسكرية (وقد ألمحنا اليه في الجزء الأول من هذا الحديث) ويشير التقرير الصادر في شهر سبتمبر من العام الماضي الى ان اسرائيل يمكن أن يكون في حوزتها نحو 400 سلاح نووي بطاقة تصل الى 50 ميجا طن من مواد الفتك والدمار الشامل. وثمة دراسة موجزة مكثفة ومعنية في الوقت نفسه نشرها بالانجليزية الدكتور تيسير الناشف الأستاذ بالجامعات الامريكية (وهو من كتاب هذه الصفحة في (البيان) ) وعنوانها: (الأسلحة النووية في إسرائيل) والدراسة المذكورة تتقصى تاريخ وتطورات البرنامج النووي الصهيوني الذي بدأ بالتحديد في عام 1953 بمفاعل ذري تسلمته اسرائيل من أمريكا في اطار برنامج الرئيس ايزنهاور الذي حمل عنوان (الذرة من أجل السلام) وبعدها برزت فرنسا بالذات - كما يقول تيسير الناشف - بوصفها أكبر الدول المسؤولة عن مساعدة اسرائيل لكي تصبح دولة نووية, وكانت الخطوة الأولى في هذا الصدد هي توقيع فرنسا وإسرائيل اتفاقا في عام 1953 ايضا للتعاون العلمي والنووي على وجه الخصوص وكان أبرز القائمين عليه من الجانب الصهيوني هو شيمون بيريز اذ كان يتولى منصب المدير العام لوزارة الدفاع الاسرائيلية. حقيقة الدوافع الصهيونية ماهي دوافع اسرائيل لامتلاك وتطوير قدرة نووية؟ تلخصها دراسة الباحث العربي في النقاط الموجزة التالية: مفهوم الكيان الصهيوني للأمن وهو الهاجس الذي يؤرق باستمرار, ورغم كل شىء اعتمد المسؤولون الاسرائيليون منطق (ان العرب لايفهمون سوى لغة القوة) على حد تعبير موشيه شاريت رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق. ان القدرة النووية تصلح دوما, سواء تم استخدامها أو التلويح - دع عنك التهديد باستخدامها - كورقة مفاوضة ومساومة وأداة ضغط لتحقيق مكاسب اقليمية يعتمد عليها كيان اسرائيل ومستقبلها في المنطقة. ان القدرة النووية كفيلة بإمداد اسرائيل بقدرات الاعتماد على النفس ازاء حاضناتها التقليديات ما بين فرنسا إلى أمريكا, من جهة وازاء الخصم العربي الذي ما برح يطالب بحقوقه المسلوبة من جهة أخرى. ان تطوير الاسلحة التقليدية ثبت انه باهظ التكاليف, وخاصة من حيث الخامات الأساسية والأحجام المطلوبة من أجل الوصول الى (الكتلة الحرجة) التي تشكل محور التفوق في السلاح التقليدي, ومن هنا فقد ثبت ان التركيز على تطوير قدرة نووية يمكن أن يكون أقل كلفة فيما يظل اشد ردعاً. ثم كان هناك العامل السوفييتي - وقد ألمحنا اليه في الجزء الأول من هذا الموضوع, بمعنى ان المخطط الاسرائيلي كان يضع في اعتباره دوما احتمالات ان تتصاعد المواجهة الى حد نشوب مواجهة من نوع ما بين اسرائيل والاتحاد السوفييتي الذي كان يمثل الحليف الأكبر للعرب, وخاصة في الحقبة الناصرية وحتى حرب أكتوبر 1973. ويأتي على قمة هذه المصادر من المعلومات حول القدرة النووية الاسرائيلية الكتاب الخطير الذي اصدره البروفيسور (إسرائيل شاحاك) في العام الماضي بعنوانه الشهير (أسرار مكشوفة) ويتناول كما يقول عنوانه الفرعي (سياسات اسرائيل النووية والخارجية) والأستاذ شاحاك يهودي شريف وعالم نزيه وهو في طليعة الدعاة الناشطين من أجل حقوق الانسان وقد وصفه المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد في كلمات تقول: ان شاحاك رجل في غاية الشجاعة وهو أهل للتكريم بفضل خدماته للانسانية. ورغم اننا سنقدّم - إن شاء الله - عرضا تحليليا وافيا فيما نرجو لكتاب البروفيسور شاحاك على صفحات (البيان) يكفي ان نشير في لمحات اكثر من موجزة الى ان افكار الباحث اليهودي, وخاصة في المضمار النووي تدور حول المحاور الاساسية التالية: ان دوائر صنع القرار في إسرائيل باتت (تتعمد) تسريب معلومات, لا عن النشاط النووي الاسرائيلي فحسب, بل عن امكانية استخدام اسرائيل السلاح النووي في معركة تخوضها مع خصومها, وليس صدفة مثلاً ان يشهد يوم واحد هو 17 ابريل 1992 تصريحين أدلى بهما اثنان من كبار المسؤولين الاسرائيليين, أولهما نائب رئيس الأركان والثاني أكبر خبير نووي في إسرائيل ومؤدى تصريحاتهما هو تنبيه من لم ينتبه ومن له أذنان فليسمع, الى المركز المحوري الذي يحتله العامل النووي في الاستراتيجية الاقليمية لتل أبيب. ان هذه الاستراتيجية الاقليمية - في رأي الدكتور شاحاك - لاتعني بالدرجة الأولى ما يمكن أن يوصف بأنه (حل المشكلة الفلسطينية بل هي استراتيجية أشمل وأوسع نطاقا عبر الزمان والمكان, ذلك لان المسؤولين الاسرائيليين ومنهم شاحاك نفسه (يهدفون الى اقرار وترسيخ هيمنة (اسرائيلية) على منطقة الشرق الأوسط بأكملها ومن منطلق المفهوم الذي يقول بأن الشرق الأوسط هو المنطقة التي تمتد من الهند (شرقا) وحتى موريتانيا (غربا على المحيط الأطلسي). ان خبراء الاستراتيجية في إسرائيل يحسبون حسابا لعامل يمكن أن يستجد على معادلة القوى في المنطقة ويتمثل هذا العامل في رأيهم في قيام تحالف عسكري بين ايران وسوريا حيث يمكن لهذا التحالف في رأي الاسرائيليين ايضا ان يصل الى حيث تخوم التعاون في المجال النووي, خاصة بعد ان تكون ايران قد استكملت تطوير قدراتها النووية حيث سوف يتسع بذلك نطاق امتلاك (المسلمين) بعد باكستان للسلاح النووي. وليس العامل الاسلامي مجرد وهم او مجرد هاجس يثير قلق زعماء اسرائيل لقد طوروا هذا (الهاجس الاسلامي) كما قد نسميه الى حيث جعلوه كما يوضح الدكتور شاحاك في كتابه واحدا من مرتكزات السياسة الخارجية لاسرائيل. وها هو الكاتب (يوآف كارني) الذي يصفه شاحاك بانه واحد من اكبر المعلقين الاسرائيليين في مجالات الفكر والاستراتيجية يكتب مطالبا (امريكا) بأن تتسامح مع تصرفات حكومة تل ابيب من منطلق اعتراف البيت الابيض بان اسرائيل تمثل رصيدا لا يقدر بثمن ولا يعوضه اي رصيد آخر بالنسبة لحماية مصالح امريكا لماذا؟ يجيب الخبير الاستراتيجي الاسرائيلي قائلا: لان الجمهوريات الاسلامية الجديدة في آسيا الوسطى, التي نشأت بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق, سوف تصبح بالتأكيد بؤرا للتطرف الاصولي الاسلامي وبالتالي تشمل عناصر مسلمة معادية للغرب ومن ثم تشكل خطرا ارهابيا يروع الشرق الاوسط, تماما كما روعه الاتحاد السوفييتي من قبل) ! ان على مسؤولي منطقة الشرق الاوسط (بل وجماهيرها) ان يحسبوا حساب يوم قد يتحول فيه مفاعل ديمونة الاسرائيلي النووي الى تشرنوبيل آخر بمعنى ان يتسرب منه الاشعاع الذري فيشكل كارثة لا حدود لها بالنسبة للحياة والبيئة والبشر في اكثر من دائرة تحيط بهذا المفاعل القائم في صحراء النقب وفي هذا الصدد بالذات, يرفع البروفيسور شاحاك اصبعه بالنذير الى اولي الالباب على صعيد المنطقة والعالم منبها الى ان هناك جماعات في اسرائيل بلغ بها التعصب العقائدي الى درجة تقرب من الجنون, منها مثلا كما يقول شاحاك (كتلة المؤمنين) غوش امونيم كما يعرفونها في اسرائيل. فضلا عن فصائل اليمين الصهيوني العنصري البالغ التعصب ناهيك كما يضيف الاستاذ شاحاك عن طغمة جنرالات ملتاثين ومنفلتين الى حد التدمير في صفوف جيش الدفاع الاسرائيلي ذاته كل هذه العناصر قد تأتي عليها لحظة ما من زماننا فاذا بها وقد سيطرت في انقضاض مجنون على تقاليد السيطرة على ترسانة الاسلحة النووية ومقدارتها في اسرائيل ومن ثم يعمد هذا الفريق او ذاك الى استخدام محتويات هذه الترسانة من اسلحة الدمار الشامل سواء لتحقيق بنود الطموحات في اجندة الجنرالات السياسية او بمقتضى اوامرا تستقيها جماعات التعصب الديني من لدن السماء. الخطر مدمر وحقيقي ومتزايد وفي كل حال فالبروفيسور شاحاك ينبه اكثر واكثر الى ان مثل هذا الخطر يزداد احتمالا يوما بعد يوم وفي هذا المضمار يقول: ــ علينا الا ننسى ان المجتمع الاسرائيلي الراهن وخاصة في ظل قيادة نتانياهو وتحالف الليكود اليميني الشديد التعصب هذا المجتمع يتعرض باضطراد الى ظاهرة الاستقطاب السياسي ومن ثم فالنظام الامني الاسرائيلي بات اعتماده متزايدا على تجنيد عناصر يستقيها من صفوف هذا اليمين المتطرف الذي تقوى شوكته يوما بعد يوم. ومن عجيب ان الدول الشرق اوسطية المتهمة باحتمال تطوير قدرة نووية او المؤهلة موضوعيا وعلميا وتقنيا لمثل هذا التطوير, هذه الدول وليس غيرها هي التي سبقت تاريخيا الى الدعوة لتحرير منطقة الشرق الاوسط من غائلة هذا الخطر النووي الذي تمثله اسرائيل الصهيونية بالدرجة الاولى. تقول وثائق الامم المتحدة ان اول دولة دعت الى انشاء منطقة خالية من الاسلحة النووية في الشرق الاوسط هي ايران. وكان ذلك في عام 1974 ثم انضمت الى هذه الدعوة مصر ومارست في اطارها نشاطا حثيثا ومشهودا. ماذا فعلت الامم المتحدة؟ ومن ناحيتها فلم تأل الامم المتحدة بهذا في الدعوة الى عقد ترتيبات دولية (على شكل اتفاقيات او معاهدات) لاعطاء الدول غير الحائزة على اسلحة نووية ضمانات ازاء خطر استعمال تلك الاسلحة او التهديد باستعمالها على نحو ما تنص عليه جداول اعمالها. بل يسجل للعراق انه تقدم في عام 1979 الى الدورة الرابعة والثلاثين للجمعية العامة للامم المتحدة يطلب ادراج بند في جدول اعمالها تحت عنوان (التسلح النووي الاسرائيلي) . وبعد ان مرت مياه كثيرة تحت كل الجسور, عادت الجمعية العامة في دورتها الثانية والخمسين المقصودة في خريف العام الماضي كي تطلب الى (الدولة الوحيدة) في منطقة الشرق الاوسط, التي ليست طرفا في معاهدة عدم الانتشار, ان تنضم الى تلك المعاهدة, والا تقوم باستحداث اسلحة نووية او بانتاجها او تجريبها او الحصول عليها, وان تخضع للضمانات الشاملة التي تطبقها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. والدولة الوحيدة في الشرق الاوسط التي ما برحت تتأبى على نظام الضمانات النووية ليست بالطبع (جزر القمر) ولكنها اسرائيل,. ومازال رفضها وتجاهلها للمطالبات الدولية مستمرا ومن ثم فالخطر ما برح ماثلا وهو لا يستثنى احدا في المنطقة التي نسكنها من هذا العالم. صحيح ان مثل هذا الخطر النووي يمكن ان يدهم اسرائيل ذاتها بحكم الرقعة الاقليمية الضيقة التي تسيطر عليها فضلا عن حقيقة التداخل الاقليمي مع الارض العربية لكن جنون التعصب لا يعرف مثل هذه الحسابات المتحوطة او الرشيدة. انه ليحذر بثلاث (علي وعلى اعدائي) المنسوب في اوهامهم الى خيار شمشون.. وهو خيار احمق ومدمر. والمشكلة ان حماقته لا تستبعد سائر الاطراف ودماره قد يشمل الجميع.