جزء كبير من ابنائنا وبناتنا الذين اجتازوا امتحانات الثانوية العامة بنجاح هذا العام يحلمون بالدراسة في مدن الغرب وتحديداً الولايات المتحدة الامريكية . فإذا كان الحلم مبنياً على وعي البحث عن الافضل والاكثر عراقة, فذلك حلم مشروع حتى المشهد الأخير منه, اما اذا كان حلماً تجميعياً لعدة مشاهد يختلط فيها العنف بالحرية والانفلات والبعد عن الضوابط وخاصة ضوابط الاخلاق والدين, فذلك هو الحلم الذي يقترب حد الجريمة, ونخشى ان نقول درجة الخطيئة. نعرف كثيراً من شباب هذا الوطن ممن جدف بعيداً إلى آخر المعمورة, ذهب بناءً متكاملاً خلقاً وديناً, وعاد كما ذهب مضيفاً الى ذلك البناء علماً عظيماً وسعة في الأفق ومنطقية في تناول كل أمور الحياة, وهذا هو السفر الجميل الذي نطلبه ونتمناه لشبابنا. عندما يغادر شاب او فتاة في العمر الغض البهي, محاضن طفولته وشبابه, حيث تفاصيل الحياة كلها مختلفة عما يرتسم في الأفق البعيد, فإننا يجب ان نعلم ــ أسراً ومجتمعاً ــ, بأن هؤلاء الصغار سيكونون قناعاتهم وتوجهاتهم ونظرتهم للحياة هناك بعيداً عنا, وعن رقابتنا الاسرية او الابوية. ولهذا فإن علينا ان نراجع أنماط تربيتنا لهؤلاء الصغار الذين سيطيرون يوماً خارج السرب, وسيهاجرون الديار طويلاً في رحلة قد يعودون منها في منتهى العافية, وقد يعودون بلا عافية اطلاقاً! وهذا ما لا نتمناه ابداً. نحن نعيب على الغرب انعدام الترابط, وضعف المنظومة الاجتماعية والاسرية تحديداً, نلعن اباحيتهم, ونشتم تفككهم وعدم التفاتهم للعلاقات الانسانية.. واظن بأننا نظلمهم بعض الشيء! ولنهدأ قليلاً, فلا نأخذ الأمور بظواهرها, خاصة ونحن اكثر من يعلم ان اطلاق صفة من صفات الجزء على الكل ظلم بعيد عن الحق والعدالة والموضوعية, ولنتأمل في واقع الحياة بعيداً عن بعض الكتابات والادبيات الموروثة التي كتبت بالتواتر او تحت تأثير المواقف العدائية للغرب. لنتأمل برنامج اي مرشح للانتخابات الامريكية, سنرى ان التركيز على برامج لرعاية الاسرة والمرأة وحقوق الاطفال وقوانين الاجهاض والرعاية الاجتماعية لكبار السن.. الخ, هذه المرتكزات تشكل محوراً او مفصلاً رئيسياً في اي برنامج رئاسي, ماذا يعني ذلك؟ لنتأمل برامج التلفزيون, عدد المجلات والمطبوعات التي تهتم بالاسرة والمرأة والطفل والوالدين.. الخ, لنتعمق في قضية التربية الغربية للفرد في الاسرة, وكيف يتم اعداده وتأهيله لمواجهة الحياة في سن مبكرة جداً, ولنحاول الاجابة على هذا السؤال: لماذا يترك الشاب منزل الأسرة في الغرب مبكراً ويذهب بعيداً يبحث عن نفسه ومستقبله بعيداً عن مصروف والده ووصايا والدته؟ لا أدعو للسير على اثرهم! لكنني اتمنى ان نستفيد من حسنات الآخرين, فالآخرون ليسوا جحيماً كاملاً على حد تعبير سارتر! علينا ان نعد ابناءنا للغد, للطيران بعيداً عن جدران البيت, بشخصيات لا تبحث عن الخطأ خلف الابواب المغلقة وفي الفضاءات البعيدة, لنعدهم لاشياء أجمل, ولنتصالح معهم ونحن نربيهم وقبلاً لنتصالح مع انفسنا ومع محيطنا.