في خطوة قد تبدو (خارج السياق) , أخذ مركز دراسات الوحدة العربية يتبنى منذ فترة مشروع انشاء (مؤسسة عربية للترجمة) . ولا شك في ان المركز قد حقق سبقا في طرح قضايا محددة ستفرض نفسها في المستقبل الآتي على العرب حكاما ومحكومين. كذلك كان المركز (رائدا) في ارتياد مجالات موضوعية ومعرفية متنوعة, ويرجع السبق والريادة الى جهود المركز في استشراف المستقبل العربي, مجال اختصاصه وخبرته, بعد عقدين من الزمان, انشغل فيهما بقضية العرب المستقبلية الاولى, وهي الوحدة العربية. ولكن ما علاقة الوحدة العربية بالترجمة؟ 1 ــ للاجابة على هذا السؤال, ورفع ما قد يبدو من التباس بشأن بؤرة الاهتمام وترتيب الاولويات, نظم المركز ندوة بعنوان: (انشاء مؤسسة عربية للترجمة) عقدت في مدينة بيروت ــ لبنان, في الفترة من 11 الى 13 مايو 1998. وقد شارك في اعمال هذه الندوة (59) من المثقفين والعلماء والمتخصصين والباحثين والناشرين ورجال الاعمال ومؤسسات التمويل والمهتمين بموضوع الترجمة عموما, وما يرتبط به من قضايا تقنية وقومية ومهنية, ينتمون الى 12 بلدا عربيا, بالاضافة الى احد المتخصصين من بريطانيا. ففي كلمته في افتتاح اعمال الندوة اكد الدكتور خير الدين حسيب ــ مدير عام مركز دراسات الوحدة العربية ــ ان اهتمام المركز بالموضوع يرد الى حقيقتين: الاولى ان العالم قد شهد في السنوات الاخيرة انفجارا غير مسبوق في كم المعلومات بمختلف اللغات, اقترن بتوافر اساليب جديدة لنقل هذه المعلومات من لغة الى اخرى بسرعات تكاد تسابق الزمن ذاته. والثانية ان الامة العربية ــ وهي احوج ما تكون لاستيعاب هذا الكم المتعاظم من المعارف بلغتها الام وتوظيفه في تنمية مجتمعاتها ــ تقف خارج هذا التيار, منعزلة عما يجري في العالم. وهو ما يقتضي جهدا قوميا في الترجمة والتعريب باستغلال ما توفره ثقافة المعلومات ذاتها من سبل لتدارك هذا النقص. وفي مواجهة هاتين الحقيقتين ــ كما اضاف الدكتور حسيب ــ تبين للمركز ان اية نهضة عربية شاملة, لابد من ان ترافقها حركة ترجمة واسعة النطاق, الامر الذي تؤكده التجربة الحضارية العربية الاسلامية, وكذلك التجربة الحضارية الغربية في عصري نهضتيهما. ومعنى ذلك اهتمام المركز بموضوع (انشاء مؤسسة عربية للترجمة) تلتزم بالمعايير القومية والعلمية معا ــ هو في صميم الاهتمام الاكبر للمركز بموضوع (المشروع الحضاري النهضوي العربي) بل انه يندرج بالدقة في صلب (آليات تنفيذ) هذا المشروع, ويمثل بالتالي مواجهة مباشرة للمعضلة الحقيقية التي تعترض طريق الكثير من المشروعات والنيات القومية (الطيبة) , والتي تتحصل في النواحي الاجرائية المرتبطة بالتنفيذ وآلياته. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف القومي والعلمي الكبير, اشار الدكتور حسيب الى ان المركز قام باتخاذ عدد من الخطوات: اولاها استقصاء ومسح (حال الترجمة في الوطن العربي) بما في ذلك امكانات الترجمة الآلية, وثانيتها الاتصال باعداد كبيرة من العاملين في هذا المجال, وحفز مشاركتهم في المؤسسة المنشودة, وثالثتهما تشكيل لجنة تحضيرية للاعداد لهذ الندوة, التي تمهد لاقامة (مؤسسة عربية للترجمة) ورابعتها اعداد دراسة جدوى اولية حول اقامة (مؤسسة عربية للترجمة) وخامستها انعقاد هذه الندوة لبلورة دراسة الجدوى, فضلا عن تنظيم (ورشة عمل) حول (الترجمة الآلية الى اللغة العربية) . كذلك فان الدكتور فيكتور بله ــ مدير مكتب اليونسكو الاقليمي للتربية في الدول العربية ــ اضاف في كلمته (اجابات) اخرى على شكل (اسئلة) : هل الترجمة ضرورية؟ وفي أي مجالات؟ وما الهدف من الترجمة؟ واين تقع الاولويات, ان من حيث الاهداف ام من حيث المضامين؟ وما هي العوائق التي تقف في وجه هذا الامر: الاشكاليات اللغوية ــ العناصر البشرية المتخصصة والمثقفة ـ التمويل؟ ومن ثم خلص الى القول: (لا شك في ان تبني اللغة العربية كلغة للتخاطب والتفاعل في وسائل الاتصال الحديثة, بما فيها الانترنت وكلغة للتدريس في المستويات التعليمية المختلفة, وللبحث العلمي في جميع ميادين المعرفة الانسانية, مشروع قومي حضاري من شأنه ان يرسخ الهوية العربية, ويؤدي الى نهضة علمية وفكرية, قائمة على انتاج المعرفة المتأصلة في المجتمع والمرتبطة بقضاياه وباحتياجات التنمية الشاملة والمتكاملة) . وفي السياق نفسه, جاءت كلمة الافتتاح الاخيرة, التي القاها الاستاذ ابراهيم عز الدين ــ مدير عام مؤسسة عبدالحميد شومان ــ حيث اشار الى ان (المحور الاساسي لهذه الندوة يدور حول اختيار افضل السبل لنقل ما امكن من نتاج الانسانية الى العربية, بصورة سريعة وفعالة تسهم في زيادة المعارف والعلوم وتوطينها بصورة تراكمية في مجتمعنا) . ثم طرح سؤالين: (هل رؤيتنا واضحة لكيفية الوصول الى هذا الهدف؟ وهل نملك الارادة التامة لتحقيق ذلك؟) وكانت الاجابة: (اما عن الرؤية, فنرجو ان تشكل هذه الندوة خطوة جادة لبلورتها. واما عن الارادة فأخشى اننا نحتاج الى جهد بالغ لتوسيع مفهومها واطارها لتصبح هما وطنيا وهدفا قوميا, لابد من السعي للوصول اليه) . ومن هذا المنطلق يضيف قائلا: (لعل التفكير في انشاء مؤسسة عربية للترجمة يعكس تطلعا مشروعا ويمثل اجابة لمن يسعى سعيا جادا للاسهام, ولو بقدر بسيط في ارساء قواعد النهضة وتحقيق شروطها: ــ فلا نهضة دون امتلاك اسباب المعرفة. ــ ولا نهضة دون التمكن من اقامة حالة تيسر نقل العلوم وتهيىء فرص هضمها واعادة انتاجها بالعربية منهجا ولغة. ومن هذا المنطلق فان مهمة انشاء هذه المؤسسة يجب ان ينظر اليها في اطار استئناف حركة النهضة وما تقتضيه من طروحات ابداعية ورؤى جديدة ومتجددة. وهكذا فقد تعددت الطرق, وتنوعت المداخل.. ولكن الرؤى توحدت, بشأن العلاقة بين الوحدة والترجمة طالما تعتبر الترجمة اساسا للنهضة من ناحية, وتعتبر الوحدة العربية اعلى مراحل النهضة القومية من ناحية اخرى. 2ــ ولقد عكست الدراسات التي قدمت الى الندوة هذه المعاني بمنتهى الوضوح. فالدراسة الاولى التي قدمها الدكتور يوسف زيدان, وعنوانها: الترجمة في التراث العربي: حركة الترجمة والنقل ـ دراسة تاريخية, اكدت ان (حركة الترجمة والنقل كانت واحدة من اللحظات الركيزية في بواكير الحضارة العربية الاسلامية) . وان (درس التاريخ) في هذا المجال يثبت انه لا غنى عن المؤسسة من ناحية, وانه لابد من حس حضاري واع من ناحية اخرى. ولذلك (فقد اثمرت حركة الترجمة والنقل, قديما, ثمارها المعرفية.. فجعلت العلوم تنطق بالعربية. ليس العلوم فحسب, وانما المفاهيم العلمية والعلماء! فقد تطورت الاصطلاحات العلمية واتسعت دلالتها مع انتقالها التدريجي من اللغات الاخرى الى اللغة العربية, واتشح العلماء والفلاسفة بثوب عربي.. بعبارة اخرى, تم ادخال التراث القديم الى المنظومة المعرفية العربية, فسهل على العرب والمسلمين تطويره وتحريره. بينما انتهى الامر بنا اليوم ــ بعد الترجمة الحديثة ـ الى تغريب العقل, ونطق العلوم بالانجليزية والفرنسية. ثم جاء تقرير المسح الميداني لوضع الترجمة الراهن في الوطن العربي, الذي اعده الاستاذ شوقي جلال, لكي يقدم صورة متكاملة, اكثر قتامة, عن حال الترجمة اليوم. ولنذكر بعد العناوين التي يسجلها في تقريره: ــ اكثر البلدان العربية حديثة العهد بنشاط اصدار الكتب.. ناهيك عن الترجمة وبعضها لا يوجد على خريطة صناعة الكتاب في الاحصاءات الدولية. ــ الترجمة ترف فردي في اغلب الاحيان, وجهد متباين التوجهات.. بعيدة عن مقتضيات العصر وتحدياته. ــ الكتاب المترجم لا يصل الى اكثر من 5% من اجمالي المنشور على المستوى العربي. ــ لا توجد محاولة مجتمعية منظمة لتضييق الفجوة المعرفية العلمية بيننا وبين العالم المتقدم. ــ ان القدر الاكبر من الترجمات يتم لحساب هيئات اجنبية, مما يعني غياب الرؤية والمصلحة القومية. ــ لا توجد احصاءات ببليوغرافية شاملة ودقيقة عن واقع الترجمة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. ــ غياب جيل جديد من المترجمين الخبراء المجيدين والمتخصصين. ــ الترجمات جلها في العلوم الانسانية بالمعنى التقليدي.. اما الترجمة العلمية فهي شبه غائبة. وبعد ان استعرض معوقات الترجمة في الوطن العربي, اشار الى نشاط الترجمة الذي تقوم به جامعة الدول العربية, وكذلك مجموعة من الدول العربية. وخلص الى ان (العولمة) تفرض (تعريب الترجمة) بمعنى ان تأتي الترجمة كنشاط اجتماعي مؤسسي انطلاقا من اهداف عربية وتأسيسا على اختيارات تنموية شاملة, بحيث تكون بحق تعبيرا عن الهم العربي واستجابة لقضايانا الاجتماعية واشباعات لقدرة المجتمع على النهوض. اما الدراسة التي قدمها الدكتور محمود اسماعيل صالح عن الاتجاهات المعاصرة في حركة الترجمة في العالم, فهي تعكس الصورة على الجانب الآخر من التل, كما تعرضها الدراسة: فمن حيث حجم الترجمة في العالم, تأتي اليابان في المقدمة, حيث اعتمد نموها الصناعي والتجاري على متابعة دقيقة وسريعة (بل وفورية احيانا), لكل ما يستجد من بحوث ودراسات في العالم, وهذه المتابعة لا تتأتى في صورة جماعية الا عن طريقين: الترجمة الى اليابانية من ناحية, وتدريس شتى العلوم باللغة اليابانية من ناحية اخرى. ويقدر ما قامت اليابان بترجمته في اواخر الثمانينيات بحوالي تسعة مليارات كلمة سنويا. اما في الولايات المتحدة فتكفي الاشارة الى ان دليلا لمجرد الهيئات التي توفر المواد العلمية والتقنية المترجمة الى الانجليزية, مولت اعداده وكالة الفضاء (ناسا) وصدر عام ,1978 يقع في 32 صفحة. اما من حيث (آلية الترجمة) فان جل المؤسسات الجادة التي تتعامل مع الترجمة قد لجأت الى الحاسوب تستفيد من امكانياته بصورة او بأخرى, ومن هذه الصور المباشرة: الترجمة الآلية ــ الترجمة بمعاونة الحاسوب ــ بنوك المصطلحات الآلية ــ قواعد النصوص المترجمة ــ المعاجم الالكترونية, بالاضافة الى الاستخدامات الاخرى غير المباشرة, مثل تنسيق النصوص والنشر الالكتروني والبريد الالكتروني. ومن ناحية اخرى, فان تقرير المسح عن الترجمة الآلية عربيا, الذي اعده الدكتور حسن الشريف تضمن املا وحلا, فاذا كانت النصوص المطلوب ترجمتها الى القارىء العربي, ليعيش العصر, هي في تزايد مستمر, في شكل متوالية هندسية فان اللجوء الى الحاسوب ــ كما في كافة المجلات الاخرى يضاعف القدرات البشرية ويسهل لها القيام بالمهام المطلوبة منها. ولهذا فقد اشار: اولا الى بعض المصاعب التي تواجه الترجمة الآلية الى اللغة العربية من نحو تعدد المعاني للالفاظ وبالعكس, والتعبيرات الاصطلاحية والمحلية, والبلاغة اللغوية, فضلا عن تنوع المناخ الحضاري والثقافي للغة. ثم انتقل ثانيا الى رصد بعض الادوات المساعدة في الترجمة, بمعنى (الترجمة المستعينة بالحاسوب, لا الترجمة الآلية الكاملة) حيث يمكن اللجوء الى واحدة او اكثر من الادوات الحاسوبية التي يتم تطويرها باستمرار ومن ذلك بنوك المصطلحات الآلية ــ بالمعاجم المطبوعة ــ ادوات التحليل اللغوي ــ قواعد معطيات النصوص المترجمة ــ برمجيات التحرير والتدقيق اللغوي ــ برمجيات التحرير والتدقيق اللغوي ــ برمجيات استرجاع النصوص ومقارنتها ــ برمجيات البحث في النص العربي. وعمد ثالثا الى استعراض موجز لبرمجيات الترجمة الآلية الى اللغة العربية في الاسواق, وهي عديدة كما تصعب المقارنة بينها, نظرا لتعدد معايير المقارنة, من نحو دقة الترجمة ــ سهولة تعديل النص المترجم ــ نوعية القواميس المرفقة ــ زمن الترجمة ــ كلفة البرنامج ــ الاتصالات الشبكية لتسهيل النقل والنشر الالكتروني ــ تعددية اللغات المستخدمة في النص المترجم ــ سهولة ادخال تعديلات الى النظام نفسه لتحسينه. ثم ادرج الدكتور الشريف البرمجيات والجهات الآتية: العالمية صخر ــ المعهد الاقليمي لعلوم الاعلامية والاتصالات عن بعد (تونس) ــ مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية/ مركز المعلومات ــ عربترانس ــ برنامج المترجم العربي ATA للترجمة من اللغة الانجليزية ــ برمجيات شركة سيموس (فرنسا) ــ برمجيات شركة سيستران للترجمة الآلية (الولايات المتحدة) ــ التكنولوجيات التطبيقية Apptek في واشنطن ــ معهد بحوث الالكترونيات: المجلس القومي للبحوث (القاهرة) ــ مركز القاهرة العلمي ــ شركة زيروكس ــ دار حوسبة النص العربي (الاردن) ميكروسوفت. واخيرا, اشار د. الشريف الى ان هناك ابحاثا عديدة ومتنوعة تجري في مجالات مختلفة, متعلقة باستخدام اللغة العربية في الحاسوب وبشكل خاص بالترجمة الآلية, وذلك في مختلف الجامعات ومراكز البحث وبيوت تطوير البرمجيات في المنطقة العربية وفي الخارج. وقدم تفصيلا لمحصلة زياراته الميدانية لكل من: معهد بحوث الالكترونيات والحاسبات/ مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية ــ معهد الدراسات والابحاث للتعريب, الرباط/ المغرب ــ مكتب تنسيق التعريب/ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ــ النشر الالكتروني العربي ــ الجامعة اللبنانية/ المجلس الوطني للبحوث العلمية ــ ابحاث تعريب الحاسوب في سوريا. وعلى طريق الامل والحل نفسه, فان دراسة الدكتور عبدالله القفاري بعنوان بناء قاعدة بيانات شاملة للكتاب العلمي العربي والمعجم المختص.. مقاربة ميدانية, قد استعرضت المشروع الذي تبنته مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية بالعنوان نفسه, بهدف بناء قاعدة معلومات شاملة عن الكتب العلمية المؤلفة والمترجمة باللغة العربية, والمعاجم المتخصصة والموسوعات المعربة, فضلا عن توثيق الكتاب العلمي العربي والمعجم المختص ليكون في متناول الدارسين والمهتمين والمشتغلين بالترجمة والتأليف باللغة العربية, ودعم حركة تعريب العلوم والكتابة العلمية بالعربية في المؤسسات العلمية والتعليمية العربية. كما يهدف هذا المشروع الى بلورة نواة لتوثيق مستقبلي شامل ـ وخصوصا في ضوء غياب اي توثيق شامل للاصدارات العربية ــ يشمل الدوريات العلمية العربية, وجهود المؤسسات المعنية بالتعريب, ودور النشر, والقوى البشرية المتخصصة في مجال التأليف والترجمة. وبعد استعراض (حال الترجمة) في الوطن العربي, اصبحت هناك (قاعدة معرفية) سواء من الناحية الفنية اللغوية او من الناحية التقنية الآلية, تسمح بانتقال اعمال الندوة الى التركيز على النواحي التطبيقية. وكانت البداية المنطقية لذلك دراسة الدكتور نبيل علي التي استعرضت موضوع (تكنولوجيا اللغة والترجمة) , على اساس ان اشكالية الترجمة هي اشكالية لغوية في المقام الاول, الا انها اشكالية باتت غاية في التعقيد, الامر الذي يستوجب التدخل الهندسي, اذا ما نظرنا الى الهندسة باعتبارها فن السيطرة على النظم المعقدة, ومن ثم استهدفت الدراسة (القاء الضوء على هذه العلاقة الهندسية, التكنولوجية ذات الطابع اللغوي) . ولذلك فقد بدأت الدراسة بتعريف المصطلحات: هندسة اللغة تكنولوجيا اللغة, تكنولوجيا الترجمة, هندسة الترجمة (التي ستمثل - حال اكتمالها - التطور الأرقى, لتقوم بدورها هي الأخرى في تأصيل انجازات تكنولوجيا الترجمة وخبراتها العملية ومؤازرة جوانبها النظرية, سعيا لظهور (علم منضبط) للترجمة, يرتقي بها من نطاق الحرفة الى مستوى الصياغة العلمية الدقيقة. ثم استعرض الدكتور نبيل علي جوانب العلاقة التبادلية بين هندسة اللغة وتكنولوجيا الترجمة, تارة بالنظر الى هندسة اللغة كأداة لتكنولوجيا الترجمة, وتارة أخرى بالنظر إلى الترجمة الآلية نفسها كأداة لهندسة اللغة, مع التركيز على الشق الأول من هذه العلاقة التبادلية, ومن ثم تقديم بعض التوصيات بشأن هندسة اللغة من منظور المؤسسات العربية للترجمة. وعلى الطريق نفسه جاءت دراسة الاستاذ جون هتشينز (John Hutchins) لتستعرض تطور واستخدام الترجمة الآلية وأدوات الترجمة بالاستعانة بالحاسوب في أوروبا وآسيا وشمال أمريكا, وقد بدأت الدراسة بتحديد (احتياجات الترجمة) وحصرتها في أربعة أنماط أساسية: أولها الترجمة بمعناها التقليدية للمواد المنشورة, وثانيها ترجمة وثائق معينة لمعرفة جوهر مضمونها, وأحيانا بأسرع ما يمكن, وثالثها ترجمة الاتصالات المباشرة (مثل المحادثات الهاتفية والاتصالات الدبلوماسية) ورابعها ترجمة نظم المعلومات المتعددة اللغات, وما يرتبط بذلك من استخراج المعلومات, والدخول إلى قواعد البيانات, ومن ثم عمدت الدراسة الى تحليل العلاقة بين كل نمط من هذه الأنماط الأربعة وامكانيات الترجمة الآلية. وفي هذا السياق استعرضت الخلفية التاريخية للموضوع, و استخدامات كل من الحكومات والنشاطات غير التجارية, وانتاج التوثيق الفني, وبعد ذلك جرى استعراض امكانيات ضبط اللغة, بالتطبيق على نظام (سيستران) الذي تستخدمه زيروكس, وغير ذلك من التطبيقات, وما يرتبط بذلك من (محطات الترجمة) ونظم الكمبيوتر الشخصي, وأخيرا جرى استعراض امكانيات الترجمة الآلية لشبكة الانترنت وتصور احتياجات المستقبل والتطورات المتوقعة في مجال الترجمة الآلية بشكل عام أما بالنسبة لورشة العمل بشأن الترجمة الآلية إلى اللغة العربية, فقد قدمت إلى الندوة ثلاثة عروض عملية تمثلت فيما يلي: العرض الأول قدمه الأستاذ عدنان عيدان بعنوان: (الترجمة الآلية من الانجليزية الى العربية - تجربة شركة (ATA) لتقنية البرامج) . والعرض الثاني, قدمه الاستاذ يوسف يغمور, بعنوان: (التكنولوجيا (التقانة) كأداة (Appteck) في واشنطن حول الترجمة الآلية إلى العربية) . والعرض الثالث قدمه الدكتور محمد عز الدين, بعنوان: (تجربة شركة سيموس: نظام الترجمة الآلية المتعدد اللغات من العربية إلى الانجليزية ومن الانجليزية إلى العربية) . وأخيرا انتقلت الندوة الى مناقشة مقترح مشروع انشاء مؤسسة عربية للترجمة, ودراسة الجدوى الأولية للمشروع, وقد شارك في إعدادهما: الدكتور أسامة الخولي والدكتور حسن الشريف والدكتور عبد الإله الديوه جي. وقد تضمن ذلك استعراض مبررات اقامة المشروع, وهي مشتقة من (حالة الترجمة في الوطن العربي) وامكانيات استخدام الترجمة الآلية لتعويض النقص وتدارك الفجوة في هذا المجال الحيوي والوطن العربي على مشارف القرن الواحد والعشرين. أما بالنسبة لانشاء المؤسسة المقترحة فقد أشارت الدراسة إلى النواحي المنهجية المرتبطة بمختلف أنشطتها, وبخاصة أنشطة: التخطيط - البحث والتطوير - الانتاج والتشغيل - التسويق والتوزيع - التنسيق - تنمية الموارد البشرية مع الإشارة الى امكانيات تكنولوجيا المعلومات في دعم انشطة المؤسسة. كذلك تضمنت الدراسة الهيكل التنظيمي المقترح للمؤسسة: مجلس أمناء, لجنة تنفيذية, مدير عام , شعب متخصصة, وكذلك نشاطات المؤسسة في المرحلة الأولى, وبخاصة النشاط العلمي والأدبي, والنشاط التجاري, وبالتالي تحددت احتياجات المؤسسة من الأجهزة والمعدات ومختلف المستلزمات الفنية. واختتمت الدراسة باستعراض مبنى المؤسسة وملحقاته, والبدائل المقترحة لمقر المؤسسة في ضوء معايير محددة تساعدها على أداء مهامها وفق أفضل الظروف. وفي ضوء كل ما تقدم من كلمات ودراسات, وما دار في الندوة من مناقشات ومداخلات, يمكن القول ان عملية انشاء مؤسسة عربية للترجمة قد وضعت على الطريق الصحيح, بل انها خطت أكثر من خطوة على ذلك الطريق .. حتى إذا كنا إزاء مسيرة ألف ميل!