انعقد بين الحادي عشر والرابع عشر من شهر يونيو المنصرم , المؤتمر الخامس عشر لـ (اللجنة العربية الأمريكية لمكافحة التمييز العنصري, وذلك في (كريستال سيتي) من ولاية فرجينيا, على مقربة من العاصمة واشنطن. ولقد سعدت بالدعوة الكريمة التي تلقيتها من رئيسة اللجنة, الدكتورة هالة سلام مقصود, للمشاركة في أعمال هذا المؤتمر, وتقديم صورة, عن أوضاع الفلسطينيين المقيمين في الشتات, والقلق الذي يستبد بهم حول مستقبل مصائرهم بعد انكشاف حقائق (اتفاقية أوسلو) وما آلت إليه مسيرة التسوية من اخفاق وفشل. ليس من المهم, هنا, تسجيل ما قلته أنا في هذا المؤتمر الذي حضره ما يزيد عن الألف مشترك من أبناء أمتنا المغتربين في تلك الديار, بقدر أهمية تسجيل ما سمعته من هؤلاء وما خرجت به من انطباعات حول العلاقات بين عرب المهجر وعرب الوطن, وامكانية تطوير هذه العلاقات لما فيه خير المصالح العربية الأمريكية المشتركة وخدمة قضايانا الوطنية والقومية وفي مقدمتها قضية فلسطين. ان أول وأهم انطباع خرجت به, هو التأكد من تعددية المجتمع الأمريكي وبالتالي تعدد البوابات التي يمكن لنا النفاذ منها لإيصال قضايانا إلى صلب هذا المجتمع. ولعل البوابة الرسمية المعتمدة لدينا منذ عشرات السنين هي أضيق هذه البوابات وأقلها وعدا بالوصول إلى نتائج إيجابية. البوابات الأكثر اتساعاً والأشد تأثيرًا هي تلك التي توصل العربي إلى هذه الشريحة أو تلك من الأمريكيين الذين يعانون بدورهم من مشاكل مع النظام ويبحثون عمن يؤيدهم في نضالاتهم المطلبية المختلفة. واضرب مثلاً, ان مؤسس (اللجنة العربية الأمريكية لمكافحة التمييز) هو السناتور السابق لولاية (ساوث داكوثا) اللبناني الأصل السيد جيمس أبو رزق الذي شاءت أقداره ونشأته ان يكون على تماس مستمر بقضية (الهنود الحمر) وملف القهر الذي يتعرضون إليه منذ ان فتح كولومبوس تلك القارة الغنية, ولا شك في ان الربط بين ما تعرض له هؤلاء المواطنون الأمريكيون الشرعيون وبين ما يتعرض له الفلسطينيون هذه الأيام, مسألة تثير الاهتمام والتعاطف, وتفيد الفريقين في نضالاتهما المشروعة من أجل حقوقهما. على هامش هذا الانطباع, أذكر ما قاله لي السيناتور الصديق بعد ان استمع إلى كلمتي في المؤتمر, عن مدى التشابه في السيناريو الذي اعتمده الأمريكي الأبيض في اضطهاده واقتلاعه للهنود, والسيناريو الذي يعتمده بعد أكثر من مائة سنة اليهود الصهاينة في فلسطين. وأضاف: ان أكثر ما أخشاه, هو ان تنتهي بكم عملية التسوية الراهنة ومفاوضاتها واتفاقاتها بما انتهى إليه الهنود الحمر. ثم سألني ان كنت أعلم ان الحكومات الامريكية المتعاقبة قد عقدت مع الهنود أكثر من ثلاثمائة اتفاقية, دون ان تحترم التزاماتها, حتى انتهى الأمر بتشكيل ما يسمى (الدائرة الأمريكية لشؤون الهنود الحمر) ! وتساءل بصوت عال, كمن لا يريد ان يصدق: وهل من المعقول ان تنتهي (اتفاقية أوسلو) إلى انشاء دائرة اسرائيلية لشؤون الفلسطينيين على غرار ما هو قائم هنا بالنسبة للهنود؟! وتذكرت وهو يطرح هذا السؤال ما كان يسمى بـمنسق الأنشطة الاسرائيلية في لبنان أثناء الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982, والذي أصبح اليوم يعرف بـ (منسق الشؤون اللبنانية الاسرائيلية) وهو حاليا المدعو أوري لوبران المقيم في الشريط الحدودي! ووجدت نفسي أتساءل بنفس الهلع: هل من المعقول ان ينتهي حال شعب فلسطين في أرضنا المحتلة إلى هذا الدرك , ويتحول ملف القضية, قضية فلسطين, قضية العرب المركزية إلى موظف ملحق بوزارة الداخلية الاسرائيلية يسمى (المنسق) للشؤون الفلسطينية؟ من يدري؟ أما الانطباع الثاني الذي خرجت به من هذا المؤتمر, هو القناعة الأكيدة بأن (المواطنية) أي الوثيقة الرسمية المحددة لانتماء الانسان لا تستطيع الحلول مكان (الهوية الوطنية) أو ان تلغيها, ففي الولايات المتحدة لم يعد هناك من يشبه تلك البلاد بـ (القدر الذي يصهر ويُذيب) وحل محله تشبيه آخر لها هو (طبق السلطة المخلوطة) وبين انصار التشبيهين تدور معركة محترمة تحت ألوية حقوق الانسان ومكافحة التمييز العنصري بكل أشكاله وألوانه, وهي معركة لم تحسم بعد, وستكون طويلة, ودائمة التهديد بالانفجار كما تشهد أحداث لوس أنجلوس الشهيرة قبل سنوات , وأحداث تكساس الراهنة. وكما للسود قضيتهم المستمرة, تبرز اليوم قضية المنحدرين من أصل أسباني الذين يطالب بعضهم باعتماد لغتهم إلى جانب اللغة الانجليزية, اذن أمام العرب المقيمين هناك بوابات متعددة لقضايا داخلية محضة ولكن يمكن ربطها بقضية فلسطين وما يشابهها من قضايا. ولم يتورع نائب أمريكي أسود شارك في المؤتمر عن الأعراب الصريح بدعوة العرب إلى تأييد قضايا السود المحضة ليجدوا السود, عندئذ, يهبون بدورهم لتأييد قضايا العرب. لقد قال ذلك داخل مبنى (الكابتيول هيل) صراحة وعلنا, لأن سياسة (الربط) بين القضايا تعتبر من أبجديات العمل السياسي الداخلي في الولايات المتحدة, وهذا ما تفعله الجالية اليهودية بالضبط, فهي لا تترك شريحة أو فئة أو مجموعة من المجتمع الأمريكي دون ان تقيم معه علاقة على هذا الأساس, مقابل الاستمرار في دعم اسرائيل. أما ثالث هذه الانطباعات, وهي تشرح الصدر فعلاً, هو ما لاحظته من ارتقاء الوعي الفردي لدى عرب المهجر بالنسبة لحقوقهم كأفراد واصرارهم على التمتع بكل ما أباحه لهم دستور (وطنهم) الجديد. لا ريب ان الجيل الشاب من عرب المهجر قد تجاوز إلى غير رجعة عقدة (الأصل) الذي ينتمي إليه. وهذه قفزة نوعية نفسية تميز هذا الجيل عمن سبقه, ممن كان يخشى الجهر بهويته القومية ويتوسل شتى الطرق لكي لا تنكشف هذه الهوية. طبعا لا يزال هناك بقايا من هؤلاء الذين يحوّرون في أسمائهم, ويسعون جهدهم (لتصحيح) لهجاتهم, ويرفضون الافصاح عن هوياتهم حتى عندما يقدمون على فعل الخير لذويهم أو لبني وطنهم الأصلي. الجيل الغربي الشاب لم يخرج من هذه العقدة وحسب, بل يتباهى في تقديم ذاته كصاحب ثقافة وتاريخ وحضارة. والأهم من هذا انه بات يفكر ويعمل كواحد من أبناء النظام وليس كمهاجر كتب عليه ان يحيا على شفير المجتمع والنظام. ولا شك في ان هذه النقلة كانت المقدمة التي لابد منها قبل التقدم إلى مرحلة النضال عبر الوسائل المعروفة والمؤثرة في الساحة هناك, ابتداء من التعامل مع الصحافة ووسائل الاعلام المرئية, وصولاً إلى معرفة الطرق الكفيلة باستثمار أصواتهم وأموالهم في الانتخابات المحلية من أضيق دائرة حتى انتخابات الرئاسة. من المؤكد ان للدستور هناك فضله على (المهاجر) الوافد ـ في معظم الأحيان ــ من بلا تفتقر دساتيرها إلى ما يصون الانسان وحريته, كما هو الحال في معظم ديارنا العربية , ولكن الوعي على أهمية هذه الحريات من شأنه ان يتسع ويترك أثره على الأوطان الأصلية لهؤلاء المهاجرين. وأضرب مثلا للتوضيح في احدى ندوات المؤتمر كان الضيف المتحدث وزيرة العدل في الادارة الحالية السيدة جانيت رينو, التي اتسع صدرها بعد القاء كلمتها إلى سماع العديد من الشكاوى والأسئلة. كنت وأنا أتأمل هؤلاء الشباب والشابات العرب الأمريكيين, وهم يطرحون ما لديهم أمام وزيرة العدل, وبلغة لا نفاق فيها ولا تمويه, وإنما بصراحة مباشرة, أتساءل متى سيتمكن أقران هؤلاء في الوطن الأصيل ان يقفوا مثل هذه المواقف وان يتحدثوا بمثل هذه الصراحة دون ان يخشوا العودة إلى بيتهم من دون أن يمسهم أي ضرر!! ترى, ألسنا بحاجة, هنا في دنيا العرب, إلى (لجنة عربية ضد التمييز العنصري؟) ضد التمييز بين العربي والغربي, بل ضد التمييز بين المواطن والآخر في القطر الواحد؟ اذهب أيها العربي, إلى أي قطر عربي شقيق, وأرصد في المطار كيف تعامل أنت, وكيف يعامل الأجنبي؟ كم يتمنى العربي أحيانا ان يكون (أجنبيا) في بلاده, هذه وحدها بحاجة إلى ألف لجنة ولجنة لمكافحة التمييز العنصري , أليس كذلك؟