ترى ما الذي ينتظره العرب من نتانياهو بعد كل هذه الضجة المشتعلة حول رفضه اعادة الانتشار وإصراره على تهويد القدس ؟ بمعنى آخر: هل ما يزال لدى العرب ثمة امل في رضوخه طوعا لمقتضيات العدل والسلام؟ العجيب حقا ان كافة الشواهد والممارسات توحي ان لم تكن تؤكد بما لا يدع مجالا للشك ان العرب باتوا وكأنهم ينتظرون مصادفات الاقدار الغيبية, فلعلها وعساها تحمل بشارات انفراج الازمة تلقائيا, وتأتي اليهم بحقوقهم السليبة على طبق من ذهب أو فضة وكفى الله المؤمنين شرور القتال وويلات المعاناة وكلفة النضال, ولا مانع من سداد فواتير الكرامة عبر تدبيج عرائض الاحتجاج وتظاهرات الشجب والاستنكار, وكذا التشبث بأذيال الشرعية الدولية, رغم معرفتهم سلفا بأن كم وألوان قرارات الامم المتحدة بإدانة اسرائيل لم تجد اي منها طريقا للتنفيذ بفضل الفيتو الامريكي! إذن هل اصبحت المواجهة العربية اشبه بطحن الهواء والأداء العربي كما لو انه اسطوانة مشروخة لا يطرب لها احد... وهل تحول العرب بتاريخهم ومقدراتهم الى امة مشلولة عاجزة عن الفكر والفعل؟ والا لماذا التعلق بالأوهام والمماطلات الاسرائيلية ومتى الافاقة من خدر الوعود الامريكية المزيفة؟ على ان واقع الحال يضمد هذا الاتهام, ويشهد للفكر العربي المعاصر بقدراته على تمحيص وتشخيص قضاياه القومية وتحليل عواملها واغوار مرتكزاتها السياسية والتاريخية والقانونية وتحديد اولوياتها والياتها على نحو علمي وموضوعي, وفي صراحة وتجرد لا تدع مجالا لخداع النفس, وذلك عبر تراكم خبرات الامة العربية النضالية في مواجهة مظالم وجور الحقب الاستعمارية والانظمة الاستبدادية فضلا عما تذخر به من العلماء والمفكرين والنخب السياسية والثقافية وكذا الكتاب والجامعات ومراكز الدراسات والبحث العلمي وذكاء ووعي الشارع العربي! لكن على ما يبدو ان قدرة الامة العربية على الفعل لا ترقى الى مستوى قدرتها على الفكر, وان ثمة حلقة او قناة مفقودة بين ما يصل اليه الفكر من رؤى واجتهادات لدرء المخاطر التي تتهددها والتغلب على مشكلاتها والاجتياز الامن لمأزقها, وبين بلوغها رحلة الفعل والتنفيذ عبر وضع الخطط الاستراتيجية القومية التي تضع في حسبانها تحقيق الاهداف عبر تعبئة موارد الامة وتوظيف امكاناتها تحت قيادة وادارة مؤهلة لادارة الصراع مع اسرائيل. وذلك على وجه التحديد كان نهج واسلوب الحركة الصهيونية في زرع اسرائيل كيانا سرطانيا قابل للبقاء والتوسع على حساب الارض والوجود العربي, اذ رغم ان الفكر العربي كان واعيا للمؤامرة في حينها او بعد حين, الا ان الفعل العربي ظل يعاني غياب الخطة العلمية والسياسية والحضارية والعقائدية المضادة الكفيلة بمواجهة الخطر واستفحاله من بعد! صحيح ان العرب بادروا الى نجدة الشعب الفلسطيني عام 1948 عندما اسفرت العصابات الصهيونية عن وجهها القبيح ونواياها التوسعية وشرعت السلاح لارتكاب المذابح الوحشية وممارسة التطهير العنصري لتفريغ فلسطين من شعبها الذي ولد وعاش على ارضها منذ فجر التاريخ, ايذانا بتوطين اليهود المهاجرين من شذاز الآفاق مكانهم, لكن علينا ان نعترف بأن الجيوش العربية دخلت فلسطين وهي تفتقر الى الخطة العسكرية والسياسية والتعبوية والقيادة الموحدة الكفيلة بأداء مهمتها القومية الملحة, وأن شعار نصرة الشعب الفلسطيني فحسب لم يكن يعني آنذاك ان الحركة الصهيونية وعقيدتها التوراتية إنما تستهدف التوسع على حساب الوجود العربي برمته عبر شعارها الاثير (من النيل الى الفرات) أو أن صراعها مع العرب ليس صراع حدود فحسب وإنما صراع, حول الوجود ذاته ووأد حركة التحرر العربي وشل ارادتها السياسية وقسمة وحدتها واستنزاف طاقاتها وامكانياتها عبر شغل العرب بتناقضاتهم وخلافاتهم وحروبهم العبثية المتبادلة! ومن هنا كان حرص الحركة الصهيونية وفق خطتها الاستراتيجية بعيدة المدى, ان تظل أقوى مع كل جيوش الدولة العربية مجتمعه بمعيار التوازن في الاسلحة التقليدية, وان لا تدع ثمة ثغرة أو مفاجأة قد تؤدي الى إنهيار الحلم الصهيوني وهزيمة اسرائيل واستسلامها للعرب أو التسليم بمطالبهم ورد حقوقهم المغتصبة, فكان حرصها مع مطلع الخمسينات على حيازة الرادع النووي, وفوق هذا وذاك كان إعتمادها على تحالفها العضوي مع الولايات المتحدة التي ما انفكت تعلن ضمان أمنها ورعاية مصالحها وتبرير تجاوزاتها تباعا ضد العرب.. و.. المرة الوحيدة التي سجل فيها التاريخ أول انتصار للعرب على اسرائيل, عندما توازى الفكر مع الفعل العربي في حرب اكتوبر ,1973 اذ مهما اختلفت التقديرات حول نصر اكتوبر سواء كان شاملا او محدودا واستراتيجيا ام تكتيكيا, الا ان المغزى والدرس المستفاد يكمن في تبني العرب لاول مرة خطة للهجوم وليس للدفاع, سبقتها دراسات علمية وعسكرية وتعبوية وسيكلوجية مستفيضة, وخوض المعركة من جبهتين في ساعة صفر معينه ووفق عقيدة قتالية واحد وتحت قيادة موحدة! ومن هنا نحسب ان تصحيح معادلة صراعنا مع اسرائيل في معالجة العرب لقضية السلام على مختلف المسارات, بالعودة الى الانطلاق لمجابهة التحدي من ثوابتهم القومية باعتبارها قضية واحدة وصفقة سياسية لا تقبل المساومة أو التجزئة!