بيانات الشجب والاستنكار لم تعد كافية لمواجهة الممارسات الاسرائيلية لتهويد القدس العربية, ولكن كان لابد من اتخاذ اجراءات أخرى تعبر عن الغضب العربي ليس ضد اسرائيل وحدها ولكن ضد أمريكا والأمم المتحدة أيضا . لأن ما قامت به اسرائيل مؤخرا هو ضد كل الاتفاقيات الدولية وضد قرارات الأمم المتحدة التي تنص على عدم اجراء أي تغييرات على الأرض المحتلة إلا باتفاق جميع الأطراف, أما أمريكا راعية السلام والتي تملك 99% من أوراق اللعبة, فقد اكتفت بالفرجة ودعوة العرب إلى ضبط النفس, ثم كشفت عن تحيزها عندما لوحت باستخدام الفيتو ضد أي قرار يدين اسرائيل في مجلس الأمن. وقد يسأل سائل.. وما هي هذه الاجراءات التي كان على العرب اتخاذها لمواجهة هذا الموقف؟ والعبد لله ليس من حزب شمشون الجبار ولست عضوا في حزب النشامى, كما انني لست مؤمنا بحكمة فهد بلان الخالدة... حنا للضيف حنا للسيف, حنا لليل حنا للخيل إيمانا مني بأننا أضعف من ركوب الخيل أو استخدام السيف, لان الأمة كلها في حالة ضعف بين على وزن حالة سكربين. ومع ذلك فلدينا فرصة لاتخاذ اجراءات نحن قادرون عليها بالرغم من الحالة السيئة التي تخيم على العرب مثلا... ما دامت الأمم المتحدة في حالة طناش أمام ما هو حق للعرب, فمن حق العرب ان يمارسوا الطناش مع قرارات الأمم المتحدة: وأمام موقف الأمم المتحدة المتخاذل أمام تجاوزات اسرائيل. كان ينبغي أن تقوم الجامعة العربية باصدار قرار ملزم لجميع الدول العربية برفض قراري الامم المتحدة بشأن تجميع أموال العراق وفرض الحصار على ليبيا. فتقوم جميع شركات الطيران العربية باستئناف رحلاتها إلى طرابلس في وقت واحد, وأقول جميع الشركات من شركة طيران الامارات الى الكويتية والسعودية الى مصر للطيران الى المغربية والتونسية والجزائرية الى اليمنية والسودانية. وبالنسبة للعراق كان ينبغي صدور قرار بالافراج عن الارصدة العراقية المجمدة في البنوك العربية. فاذا قيل لنا كيف تخرقون قرارات الامم المتحدة, فيكون جوابنا عفوا.. لقد تصورنا انه صار من حقنا ان نفعل ذلك, بعد ان رأينا نتانياهو يخرق كل القرارات وكل التوصيات ويضرب عرض الحائط بكل الاتفاقيات الدولية, ومع ذلك لم يحدث اي رد فعل من جانب الأمم المتحدة أو مجلس الامن او الولايات المتحدة باعتبارها عمدة كفر الكرة الارضية والمكلفة بفرض الاحكام الدولية على المتمردين والمشاغبين والمسجلين خطر على الامن العالمي! والحقيقة التي يجب ان يعرفها الجميع هي ان موقف الامم المتحدة هو صدى لموقف الولايات المتحدة, وموقف الولايات المتحدة مريبا وغريبا ويثير غضب الحليم. نصحت بعدم اثارة موضوع عضوية فلسطين في المنظمة الدولية, وبررت موقفها بأن هذا الطلب سيؤدي الى موقف اخطر. ويتساءل العبدلله: وهل هناك اخطر مما نتعرض له الآن؟ يذكرني موقف الولايات المتحدة بموقف فتوة الجيزة الشرير, وكان الفتوة يتخذ له مساعدا نكرة بين الناس اسمه الجنايني, وكان الجنايني لا يقوم بأي خطوة الا بمساندة الفتوة وموافقته. وكان الفتوة الشرير يستنكر ممارسات صبيه اذا ذهب اليه أحد يشكو له ممارسات الولد الجنايني, ثم ينصحه بالهدوء وضبط النفس لأن الولد في حالة هياج وجنون, ثم يعد بأنه سينتهز فرصة لتأديبه عندما يحين الوقت المناسب, ولكن هذا الوقت المناسب لم يأت على الاطلاق. ولكن موقف مصطفى لطفي الفتوة كان مبررا, فقد كان يسلط الجنايني على من يريد منهم اتاوة او خدمة. فاذا أدوها له منع الجنايني من التعرض لهم والتحرش بهم. فما الذي تريده امريكا منا؟ هل تريد إتاوة؟ لا اعتقد اننا نحن العرب قصرنا مع امريكا في اي وقت حتى تطلق يد صبيها الاسرائيلي يفعل بنا كل هذا الذي فعله بنا من اعتداءات واهانات لا يمكن بلعها او السكوت عنها حتى لو كانت مدننا لا تتجاوز عدد قبيلة صغيرة مختبئة داخل غابة من غابات افريقيا! هل انقطع بترول العرب عنها؟ مبلغ علم العبد لله ان الطريق سالكة والبترول لم يتوقف لحظة عن خزانات امريكا وحلفائها. هل انقطعت تجارتنا معهم؟ هل توقفت تجارتهم معنا؟ مبلغ علم العبدلله ان التجارة شغالة والارباح على ودنه. والميزان التجاري ليس في صالحنا طبعا ولكن في صالح الامريكان. وفي المسألة السياسية نحن الحمد لله على الخط الامريكي, لم يدخل بعضنا في حلف استراتيجي مع الصين, لم يعقد بعضنا معاهدة صداقة وعدم اعتداء مع ايران, ولكن العكس هو الذي حدث. خاصمنا ايران وتعاملنا بحذر مع الصين. فماهي الاسباب التي تدعو الشريك الكامل الى هذا الموقف المعادي لنا؟ الى درجة ان رئيس الكونجرس المدعو جنجريتش يقف في القدس ويعلن بكل صفاقة ان القدس هي العاصمة الابدية لاسرائيل, ليست الآن فقط ولكنها كانت ومنذ ثلاثة الاف سنة, ومع ذلك تدعوه السلطة الفلسطينية لزيارة الضفة الغربية ويصافحه عرفات ويلتقط معه الصور التذكارية. وكان يجب على عرفات عدم دعوته وعدم مصافحته واحتقاره واعلان ذلك على الملأ. والحقيقة ان العرب اثبتوا للصديق الامريكي انهم طوع ارادته فنحن لا ندير خدنا الايسر لمن ضربنا على خدنا الايمن فقط, ولكننا ندير له خدنا الايسر وقفانا ايضا ليضربنا عليه ويستريح! قال لي صحفي انجليزي مشغول ومهتم بمباريات كأس العالم. والدنيا كلها تدرك عدالة قضيتكم ولكنها لا تعطف عليكم لانكم لا تقاومون, لقد نجح رجل واحد في تنفيذ كل أحلام اسرائيل دون حركة واحدة من جانبكم لردعه, مع ان هذا الرجل الواحد - نتانياهو - يقف ضده نصف شعبه ولايوافق على سياسته رجال من أمثال شيراك الفرنسي وبلير الانجليزي وأغلب زعماء أوروبا وآسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية, وقال لي سفير عربي سابق كان مندوب بلاده في الأمم المتحدة : وجهة نظر نتانياهو التي يروجها في سوق السياسة الأمريكية هي: (دعوني أنفذ مشروعي في فلسطين وتأكدوا أنه لن تكون له عواقب سيئة فلا الشرق الأوسط سينفجر ولا الحريق سيشب في أرجائه, ولا الحرب ستشتعل ولا البترول سينقطع, وكل الذي سيحدث مجرد اجتماعات وبيانات ولا شيء آخر) , وعلى مدى سنتين كاملتين تحققت نظرية نتانياهو, وبالرغم من كل شيء لم يحدث سوى الاجتماعات والبيانات ولا شيء آخر, واضاف محدثي: هل لاحظت شيئًا .. في عهد نتانياهو لم يحدث حادث فدائي داخل اسرائيل, مع ان مثل هذه الحوادث تكررت كثيرا في عهد رابين, ثم قال: هل أقول لك شيئًا آخر, بعض الدول العربية على اتصال دائم بحكومة رابين في الخفاء, ولقد شهدت ذلك بعيني رأسي, وهناك وزير خارجية عربي جاء الى نيويورك منذ نحو عامين, والتقى أكثر من مرة بمسؤولين كبار في حكومة نتانياهو, قلت وماذا كان الهدف؟ قال مزيدا من التطبيع والتدليع! واسمحوا لي أيها السادة أن أقول لكم الصورة الآن واضحة للجميع حتى لهؤلاء الذين لايبصرون, والهدف الذي يسعى نتانياهو لتحقيقه, ليس ابتلاع القدس فقط واجزاء اخرى من الضفة الغربية, ولكنه يتطلع الى تحويل السلطة الفلسطينية الى لاشيء. وتحويل عرفات نفسه الى خيال مآته, واجباره على قبول منصب مدير بلدية غزة وبعض المدن الفلسطينية التي تتمتع بكثافة سكانية عربية ووضع النظم العربية موضع السخرية وهو وضع يسمح بسحب البساط من تحت اقدامها, مما يفتح الطريق الى مزيد من الانقسام والتمزق, ويتيح فرصة بتعميم النظام الافغانستاني على الارض العربية كلها. هذا هو الهدف الحقيقي الذي لو تحقق لضمن الاستقرار والامان لدولة اسرائيل الكبرى. فهل نصمت ونسكت ونلتزم بضبط النفس؟ ثم نهدد بين الحين والآخر بان صبرنا نفد ومنطقتنا على وشك الانفجار وعلى ابواب صيف حار, ثم لا عمل ولاحركة ولاردع من اي نوع على الاطلاق. لو فعلنا ذلك سيكون امرنا كأمر الرجل الذي فقد حذاءه في المسجد فوقف يهدد جميع المصلين بأنه اذا لم يجد حذاءه خلال ساعة واحدة فسيفعل مثلما فعل ابوه عندما فقد حذاءه في المسجد ذات نهار. وهرع المصلون جميعا للبحث عن حذاء الرجل حتى عثروا عليه وسلموه لصاحبه. فلما وضعه في قدميه واطمأن قلبه, سأله المصلون, لم تقل لنا ماذا فعل ابوك عندما ضاع حذاؤه ولم يعثر له على أثر؟ واجابهم الرجل: لاشيء.. سار حافيا وعاد الى البيت في أمان الله!! وأخشى ان يكون هذا الكلام هو لسان حال احفادنا من الازمة القادمة!