بقلم:محمد زين، صحفي عربي يعمل بجريدة السياسة الكويتية حين نتخذ الكويت أنموذجا في الحضور العربي, فإنما لنؤكد على ان الارث السياسي, والأخلاقي, وكذلك التقاليد الحاكمة للعلاقات, والسائدة عليها, هو ارث لم يعد قابلا للحياة, ارث يترنح, إذا لم نقل انه ارث ساقط وأعمدته وهياكله أصبحت ركاما . والمسألة هنا بحاجة إلى نسبة ضئيلة من الشجاعة لمواجهة الذات العربية, كونها الوعاء الذي يختزن هذا الارث, وتعمل بموجبه, كما تعمل المحركات الميكانيكية تحت عوامل استهلاك الوقود. بادئ ذي بدء, واستنادا إلى هذه النسبة الضئيلة من الشجاعة لمواجهة الذات ومراجعتها, لا نحب أن نطرح أنفسنا من موقع راديكالي ارتدادي, يبحث دائما عن نقاط صفر جديدة يبدأ من عندها. نحن سننطلق من الارث النفسي المعاصر, الذي تراكم في ذواتنا منذ بدايات هذا القرن, دون أن نقترب من التراث كمقوم أساسي من مقومات الشخصية العربية. وحين أشرنا إلى الكويت كأنموذج, فإنما للتأكيد على ان الارث العروبوي ارث موهوم ووضعي, وتم اختراعه بدوافع سياسية, في بدايات هذا القرن, عندما قررت القوى العظمى آنذاك, وبالذات بريطانيا, وراثة الامبراطورية العثمانية, بعد ازالة حكم الخلافة. في قضية الكويت مع العراق نرى انها تمثل التجلي النهائي لتبدد الوهم العروبوي, الذي كان في قيد التداول النفسي والعاطفي برسم الاثبات اننا أمة عربية واحدة جرى تقسيمها بفعل فاعل. في قضية الكويت انفضح هذا الوهم, وان كان الغزو العراقي قد استند إليه كذريعة لتبرير جريمة العدوان والاجتياح. وإذا كانت هذه الفضيحة هي صاحبة الدوي الأكبر, إلا ان فضائح كثيرة مماثلة تم ارتكابها تحت شعار العروبوية, وأدت إلى عدوان عرب على عرب, بحسب تفاوت القوة فيما بينهم, وإلى مساواة مخزية في هذا اجانب مع العدوان الاسرائيلي اليهودي على العرب, بحيث أصبحت هناك حالة تماثلية في الشرق الأوسط لا تحصر العدوان بالدولة العبرية لوحدها. فهناك عرب معتدون على عرب, وهناك عرب يتدخلون في شؤون عرب, وهناك عرب ينتهكون سيادة عرب, وهناك عرب يستعمرون عربا ويصادرون ارادتهم السياسية, وقرارهم السيادي. ولا نحب في هذا السياق الموجع, سوى التحفيز على تجاوز الارث العروبوي, المنتهك بأفعال السياسيين, إلى صياغة مفاهيم جديدة, لنقل انها عربية, يبدأ العمل على وضعها, منذ الآن عن طريق تعزيز الاتصالات الثنائية على قاعدة التكامل المصلحي, ان لم نقل على قاعدة البناء الاقتصادي, المرتجى أن يكون بناء سليما قائما على التكامل. الخطاب المصلحي هو ما ندعو إلى أن يحل مكان الخطاب العروبوي التضليلي. وتشديدنا على تأسيس هذا خطاب يهدف إلى بناء اقتصاد عربي لا يزال حتى هذه اللحظة غير موجود. قد يرى التراثيون المعاصرون, من أصحاب الايديولوجيا, اننا ندعو إلى اشاعة شكل من أشكال الهرطقة, أو الكفر العربوي, إلا ان هذا ظن يتبدد من تلقاء ذاته, من خلال عملية سلام, والتي تحولت بعيدا عن التعثر وعن التقدم, إلى معادلة سياسية كشفت الكثير من عيوب المفاهيم, في الجانبين العربي والاسرائيلي, وان كان العيب تترجح كفته في جانب البعض الايديولوجي العربي, الذي يبدو الآن مصابا باختناق النطق, وتحديدا في ضوء عرض اسرائيل الانسحاب من جنوب لبنان دون قيد أو شرط, وبموجب القرار 425 وملحقه التنفيذي القرار 426. الخشية, ونحن نضغط في اتجاه سيادة مفهوم المصالح, ان نصطدم بمستحيلات وجود الايديولوجي الحاكم في بعض الأقطار العربية, وبالأشخاص الذين يتولون تحقيق هذا الوجود, كالعراق وغيره, والخشية من ان هذه المستحيلات قد تفرض ظروف عملية السلام ازاحتها, ولو بالقوة, بحكم افتقار أصحابها البدائل المطلوبة مقابل رفضهم. فنحن لا نستطيع أن نصنع سلاما من دون اسرائيل, حيث ان الخطاب الايديولوجي الموروث يرى ازالة الكيان العبري كشرط لتحقيق السلام, وهذا من الأحلام المستحيلة, على الأقل في الزمن المرحلي الراهن. وحتى لا نكتفي بالمقدمات, وهي ضرورية للتبشير بالمفاهيم الجديدة, فإننا نستعجل الاعلان عن بعض المقترحات, ونضعها قيد المجادلة والمناقشة, والتثاقف العام منها: إلغاء الجامعة العربية, لانتهاء صلاحيتها كمعادلة وحدوية, وبالتالي فشلها في اقامة اقتصاد عربي كبير (بالمناسبة الاقتصاد يتشكل من التجارة البينية, والتجارة البينية معدومة بين العرب, إذ ان احتياجاتهم كلها تتأمن عن طريق التعامل مع الأسواق الغربية أو الشرقية, أي الأسواق الأوروبية, الأمريكية, والآسيوية. تفعيل مجلس التعاون الخليجي كمنطقة أنموذج لنجاح العمل الوحدودي القائم على ربط المصالح, لا على الخطاب العروبوي. والتفعيل كما نراه, يكون ممكنا إذا تخلت كل دولة عضو عن جزء من سيادتها لبناء سيادة جماعية لهذه المنظومة الاقليمية. والتنازل عن أجزاء من السيادة لا يجب أن يكون مرهونا بمهل محددة, ويتم تحقيقه على غرار ما فعلته دول أوروبا من أجل تظهير الكيان الجامع للاتحاد الأوروبي... أي على مراحل. التشديد على حرية وسيادة, وكيان كل دولة عربية, والتنازل عن الادعاء بأن الحدود الفاصلة حدود مصطنعة صنعها (الاستعمار) . عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام خصوصيات كل مجتمع عربي, والتخلي عن الادعاء بأننا مجتمع واحد, فهذا كلام غير صحيح أثبتته تجارب هذا القرن, وأكبرها تجربة الوحدة السورية ــ المصرية في أواخر الخمسينات, والتي أوضحت ان المجتمعين المصري والسوري ليسا مجتمعا واحدا, وبخصوصية واحدة. إهالة التراب نهائيا على جثة الشعار القائل بأننا شعب واحد في دول متعددة. المسارعة إلى الاصلاحات الاقتصادية في بعض الدول العربية لأن العائد منها يفوق كثيرا العائد من الاستثمار السياسي, إذا لم نقل الابتزاز. الاستبعاد النهائي للارهاب وأعمال التخريب عن الحسابات السياسية, لأن هذه (العملة) الرديئة لم تعد قابلة للصرف في مجتمع السياسة الدولية. التفاهم على صيغ للتداول السلمي للسلطة, بمنع الاستيلاء عليها بالقوة, عن طريق الانقلاب العسكري, واستمرار مصادرتها من قبل حزب, أو طائفة, بحجة ضمان (استمرار الثورة) أو (حماية الثورة) , أو لضمان تنقية المجتمع مع (الرجعيين) أو (العملاء) أو (الامبرياليين) . وهدف هذا التفاهم هو الاكتساء بأثواب الحضارة المعاصرة التي لم تعد تعترف بأنظمة حكم تفرزها حركة المجتمعات الطبيعية, ووفق قانون تطلع هذه المجتمعات نحو التقدم, والارتقاء, والازدهار الاقتصادي. هذه بعض مقترحات نراها بديهية, إنما حجتنا في عرضها هي انها مفتقدة في كثير من البلدان العربية كالعراق وغيره. وعلى كل حال, فإن كل ما سبق وكتب أعلاه هو برسم المناقشة, وبرسم الحوار, ولا أظن ان أحدا يختلف معنا في انه حان الوقت أمام العرب ليعيدوا النظر في تركيب ذواتهم, والتوقف عن اعتناق الوهم, والتقدم نحو صياغة مفاهيم جديدة ترينا المصلحة مصلحة, ولا تطعمنا الهواء الفارغ الذي تقدمه لنا أطباق الشعارات والخطاب الايديولوجي العروبوي الذي أصبح مهلهلا.