بقلم: الدكتور محمد الرميحي، رئيس تحرير مجلة (العربي) الكويتية في هذا العالم الذي لايكاد يخلو ركن منه مهما قصي, من مؤسسات قضائية تفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه , تبين للدارسين في محتوى كثير من القضايا التي تنظرها المحاكم ان معظم هذه الخلافات ما كان لها ان تصل الى القضاء لولا سوء فهم للمقاصد المحكية بين الأطراف المتنازعة, وزادت الحياة المدنية بمؤسساتها الحديثة - في كثير من الأحيان - سوء الفهم هذا بوجود الكلمة المكتوبة في الصحافة, والكلمة التي اعنيها بالطبع هي الكلمة المؤججة للصراع والخلاف. والصحافة هي مؤسسة حديثة في عالمنا العربي, وهي في الغرب رغم سني الممارسة الطويلة - ما زالت محل تساؤل فيما يحق لها وفيما لايحق لها أن تتناول من قضايا, خاصة تلك التي لها علاقة بخصوصيات الأفراد, أو التي لها علاقة إما بالأمن الوطني أو الاقتصاد الوطني, ولعل قضية حياة وموت الأميرة ديانا هي احدى القمم الحديثة للممارسة الصحفية التي وضعت الصحافة, والصحافة المصورة بالذات, محل التساؤل القلق. وفي عالمنا العربي لايزال دور الصحافة من حيث هي رقابة على مؤسسات المجتمع الأخرى يطرح التساؤل: ترى من يراقب الصحافة نفسها, ما يحق لها وما لايحق؟ لقد شغلنا في الكويت مؤخرا بقضية صحفية ساخنة هي حكم محكمة ابتدائية على صحيفتي القبس والسياسة بالتعطيل وحكم مبدئي بسجن رئيس تحرير القبس الزميل محمد الصقر ستة أشهر, وكان هذا الانشغال في فورته مؤقتا جزئيا إلى ان حكمت محكمة أخرى بوقف عقوبة السجن حتى يستقر القضاء على حكم, ولا أريد هنا أن أبحث في الموضوع الفني القانوني, ولكنني سأعود إلى جوهر القضية - من منظور الاحتراف - بعد قليل. من ناحية أخرى شغل إخوة لنا في لبنان بقضية سياسية صحفية أيضا هي الصفعة التي وجهها رئيس الجمهورية اللبنانية للزميل حسن صبرا رئيس تحرير مجلة الشراع, والقضية كما عرفت - ربما دوليا اليوم - هي أن حسن صبرا وقد وجد رئيس الجمهورية في مجلس عزاء مد يده مصاحفا, فلم يستجب الرئيس للمبادرة, بل أشار الى عدم رغبته في ذلك, فكانت هنا كلمة وهناك كلمة إلى أن وصلت الى الصفعة التي اعتقد أنها سوف تدخل تاريخ الصحافة اللبنانية والعربية. خلفية الحدثين هي الكلمات سواء كانت مكتوبة أو ملفوظة, فالكلمة كما يقال كالرصاصة إن انطلقت من فمك أو قلمك لايمكن اعادتها الى هذا الفم أو ذاك القلم, وقد تصيب أو تخيب, فالنكتة - موضوع القضية - التي ربما أريد بها الطرفة ونشرت في زاوية صغيرة من صفحة القبس الداخلية منذ أشهر, والتي يعرف أي عامل بالصحافة أنها لايمكن أن تمر على رئيس التحرير أو ما دونه إن لم ينتبه لها محرر الصفحة نفسه, احدثت ضجة واسعة في بلد ديمقراطي كالكويت تنتشر فيه الأخبار بسرعة البرق, ولو تم الاعتذار عن الخطأ في وقته, لما اخذ كل هذه الضجة, حيث ان الوقوع في الخطأ عمل انساني, ولم تكن تلك هي السابقة الوحيدة في ان ينظر بعضنا الى بعض ما ينشر ــ بحسن نية ودون قصد ــ على انه متعمد ويصيب الثوابت المستقرة في ضمير المجتمع, فقد كان هناك أكثر من موضوع في تاريخ الصحافة المحلية الكويتية ثارت حوله ضجة, فقد قامت مثل هذه الضجة لما نشرته الوطن في السبعينات وكان يرأس تحريرها آنذاك الزميل محمد مساعد الصالح, وقد نشرت نكتة اقتبست في تعليقها نصا قرآنيا, وقامت الضجة وقتها في منابر عديدة, واستدعت إصدار فتاوى وفتاوى مضادة حتى تجاوز الموضوع سببه السياسي فنسي. أما موضوع مجلة الشراع ورئيس الجمهورية اللبنانية, فقد عدت شخصيا الى المقالات التي نشرت في الشراع وتناولت فيها المجلة مواقف وسلوكيات رئيس الجمهورية اللبنانية, ومما قرأت وصلت الى نتيجة أنه لو كان الزميل حسن صبرا قد استشارني قبل النشر ــ وهو افتراض بعيد جدا ــ لنصحته بتخفيف الكلمات المستعملة في تلك المقالات, ولكن الأمر في نهايته هو تقدير من الكاتب والناشر لما تحتمله البيئة السياسية والاجتماعية من مقاصد الكلمات وما لا تحتمله, ومدى تأثيرها على من توجه اليه, خاصة انني عرفت من الزميل صبرا ان هناك تاريخا من القضايا المرفوعة بين مجلة الشراع, ورئيس الجمهورية. القصاص في الحالتين اختلفت توجهاته, ففي احدى الحالتين لجئ الى القضاء, بينما في الحالة الأخرى اقتص المعني بالكلمات بيده جزاءً لما اعتبره تعديا على شخصه, وحتى في هذه الحالة الأخيرة نجد أن الكلمات ومعانيها المتبادلة والمفهومة خطأ من جانب أو آخر كما نشرتها الصحف أدت الى سوء فهم عميق قاد الى صفعة رئيس الجمهورية لرئيس التحرير, فقد توقع السيد صبرا أن يفرق الرئيس بين نقد صحافي ومجاملة اجتماعية, كما توقع الرئيس ان نقدا شخصيا بتلك الحدة لن يجرؤ بعده كاتبه على أن يصر على مصافحة ولو اجتماعية, لأن ذلك يعني أنه يسحب نقده المعلن سرا, أو هكذا فسرالحادث المؤسف بملابساته. لا يستطيع منصف أن يقر الصفعة حيث ان مجموع الخطأين لايساوي صحيحا واحدا, ولكنها حدثت نتيجة سوء تفسير في فهم للمواقف والإشارات والكلمات, وكما قلت فإن أروقة المحاكم في العالم تعج بقضايا أساسها سوء تفسير. والسؤال الآن هو: من يكون المرجعية في التفسير لما ينشر, وهل يخضع التفسير لمواقف سياسية, بمعنى أنه صدر من سين من الناس أو الصحف تعبير أو خبر أو ما شابه يمكن تجاوزه, أو صدر من صاد من الناس أو الصحف - وهو التعبير نفسه - لكن لابد من مقاضاته؟ في الواقع العلمي ليس السؤال السابق سؤالا اكاديميا, بل هو واقعي ومعيش, فقد حاولت خلال الأسبوعين الماضيين أن استمع لبعض الأغاني العربية, واقرأ بشكل عشوائي ما تكتبه الصحافة العربية, وهي والحمد لله متنوعة ومتعددة, فوجدت أنه إذا أردنا محاسبة ما ينشر أو يذاع من ذلك المنظور الضيق - في رأيي - للنوايا, فإن المحاكم سوف تعجز عن قبول مثل هذه الموضوعات فقط بسبب ضخامتها, وفي تاريخنا الثقافي العربي البالغ الثراء هناك تعبيرات لو نظر اليها اليوم بمنظار بعضنا لبلغت الحدة من الرفض ليس صفعا فقط بل أكثر من ذلك, ولدي العديد من الشواهد القريبة والبعيدة. وان جلنا بنظرنا في موضوع آخر طرح في الكويت ايضا وهو حق المرأة في الانتخاب والترشيح لوجدنا ان الخلاف بين ضفتي الموافقين والمخالفين ليس كما يريد البعض أن يظهره كخلاف في الأصول بل هو خلاف في الفروع, بدليل ان هناك فتاوى قدمت من بلدان اسلامية ومؤسسات اسلامية تقول بإباحته وإمكانية ممارسته, بل ان هناك دولا عديدة إسلامية تقوم بالممارسة دون أدنى اعتراض من أي مؤسسة أو جماعة. هنا بيت القصيد الذي أريد أن أصل اليه و هو إجابة السؤال عمن يقوم بالمرجعية في التفسير, وهل هذه المرجعية مطلقة أم نسبية؟ في المجتمع الديمقراطي هناك مؤسسات تقوم بالتفسير, وحتى هذه المؤسسات قد لاتتطابق اجتهاداتها, لأن من يقومون عليها هم من البشر الذين قد تختلف اجتهاداتهم بين الإباحة والمنع بتغير الظروف والملابسات, فالأمور الاجتماعية والسياسية هي نسبية وتقديرية, وتؤخذ بمظهرها وتطبيقها في الجانب السمح, مع المواءمة بين متطلبات المجتمع وحاجاته من جهة, وإعمال مبدأ نسبية الأمور تبعا لتغير الظروف هو نوع من الفطنة والكياسة المطلوبين دينيا ودنيويا, ولعل المثل التراثي المعروف فيما حدث للامام الشافعي يعطينا تصورا مجسدا لروح التسامح لدى الائمة الكبار وفهمهم لتغيرات العصر, فعندما كان في المدينة المنورة كانت له آراء عدل عنها عندما انتقل الى بغداد, ثم عدل عنها ايضا عندما ذهب الى مصر, كل ذلك كان مواءمة للظروف الاجتماعية المحيطة في البلد الذي انتقل اليه وكانت محل الفتوى, كما اخبرتنا بذلك الكتب التراثية ووثق الامر استاذ الفقه المرحوم مصطفى احمد الزرقاء في مؤلفه (المدخل الفقهي العام) الذي يدرسه طلابنا في السنة الاولى في كليات الحقوق, لذلك اصطلح اهل الذكر على ان يشار الى شريعتنا الاسلامية بـ (السمحة) كناية عن تلمسها البشرى والانساني لما يحيط بالمخلوق من بيئة متغيرة, ولقد نقل عن ابي حنيفة رحمه الله انه كان يقول بعد ان يفتي في مسألة ما: هذا ما اتينا به وقد يأتي غيرنا بأفضل منه, وكما اصطلح المتقدمون عليه يشار الى مثل هذا الامر على انه (اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان). اذن حسن النية في القراءة مطلوب لا للتهاون في حق ولكن لتحاشي الوقوع في التأويل المتعسف. هذا من جهة المتلقي للكلمة الصحفية, اما من جهة المرسل فمراعاة الحساسيات المحتملة دون انتقاص من واجب رصد الحقيقة هو نوع من الفطنة المهنية. اما الشق الغائب حقيقة ـ بين المرسل والمتلقي للكلمة الصحفية ــ فهو اعتماد آليات مقبولة من طرفي المعادلة الصحفية ــ الصحفي والجمهور ــ لتصحيح الاخطاء المهنية او حتى المتجاوزة لحدود التقنيات المهنية. هذه الآليات مستقرة في الممارسات الصحفية الدولية ذات التاريخ المهني الاطول والاعمق. وليس ادل على ذلك مما حدث في الايام الاخيرة من اظهار آليات التصحيح للاخطاء الصحفية بشكل عام ومفتوح فمحطة (سي.ان.ان) ومعها مجلة (تايم) اعتذرتا للقراء ولوزارة الدفاع والقوات المسلحة الامريكية عن تقرير خاطىء اذاعته يتهم القوات الامريكية بقصف موقع امريكي في لاوس بغاز الاعصاب مما ادى لقتل عدد من الجنود الامريكيين. اعتذرت الشبكة التلفزيونية والمجلة الشهيرتان علنا عن الخطأ وفصلت محرريها المسؤولين عن هذا الخطأ. الشيء نفسه حدث من قبل عندما اعتذرت الصحيفة الامريكية الشهيرة (بوسطن جلوب) عن اخطاء لكاتبة صحفية شهيرة وكبيرة بها كانت (تفبرك) مقابلات لم تحدث. الاعتذار عن الخطأ فضيلة كما يذهب القول العربي المأثور, ورغم انه يشكل انتقاصا لمصداقية الوسيلة الاعلامية المعتذرة على المدى القصير, إلا أنه يمثل تعزيزا اكيدا للمصداقية على المدى البعيد وفي مجمل تاريخ اي وسيلة اعلامية, واذا كانت آلية تصحيح الاخطاء واجبة على الاعلام, فان ترسيخ آلية لقبول هذا التصحيح لدى الجمهور ــ او الاطراف المعنية ــ هي من الامور الهامة في جعل الصحافة تؤدي دورها باستمرارية مطلوبة. اذن العناصر المطلوبة لممارسة صحفية بلا تعسف ولا تربص ولا استباحة للحقوق هي واضحة اشد الوضوح: جودة التحري, وحسن التأويل, وواجب الاعتذار والاعتراف بالخطأ عند وقوعه, وفضل قبول الاعتذار. شروط قليلة بسيطة وواضحة عند الرصد اما في خضم الممارسة في مجتمعاتنا العربية بشكل عام, فان البسيط الواضح كثيرا ما يتحول الى سهل ممتنع, بل عسير المنال, ومع ذلك لابد ان نحددها ونعود اليها لعلها تستقر يوما كاشارات مرشدة عند المفارق لعلنا لا نضل الطريق طويلا.