يقول جورج حبش في حوار له حول تجربته النضالية: أعترف بأننا لم نعمل عقلنا كم يجب. كنا نقاتل بسواعدنا أولاً, وبقلوبنا ثانيا, لأننا على حق, أما العقل فلم نستعمله بما فيه الكفاية, نادينا بالوحدة, لكننا لم نقل كيف؟, ما هي العوائق؟. الأمر نفسه فيما يتعلق بفلسطين, وبكل القضايا الأخرى . في هذه الفترة من حواره المطول, يقدم لن جورج حبش خلاصة تجربته النضالية, وهي وان بدت شخصية في أحد وجوهها, فإنها أبعد من ذلك في البقية من وجوهها, حيث ان الرجل هو الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منذ أكثر من ثلاثين عاما, وهو إلى ذلك أحد رموز النخبة السياسية العربية التي برزت على السطح على مدار الخمسين عاما الماضية, فقد عرفته أكثر من تجربة سياسية, وتنقل بعمله السياسي في العديد من الساحات العربية, وترك بصماته على قطاع واسع من النخبة السياسية العربية منذ الستينات وحتى الآن. لقد بدأ حبش حياته مثل كثير من رموز النخبة العربية التي انتمى إليها, فجاء من عائلة متوسطة وتشبع بأحاسيس شعبه, وقد عاش فصولاً متتالية من المأساة الفلسطينية بخصوصيتها والعربية بعموميتها, فكان شاهدا على حال الأمة منذ طفولته الواعية في الثلاثينات وما تلاها, فاختار بتأثيرها طريقه في النضال من أجل فلسطين وبقدر أكبر من أجل العرب دون ان تتقدم واحدة على الأخرى, بل بتفاعل وتناغم الاثنين. وفي الحوار الذي أجراه الكاتب والصحافي محمود سويد مع جورج حبش قدم لنا حبش المحطات الأساسية في التجربة النضالية من بدايات التكوين السياسي إلى المحطة الأولى في حركة القوميين العرب وهي بين الأهم من الحركات القومية التي نشطت في الخمسينات والستينات, ثم استمرت تفرعاتها في العقود التالية في العديد من المواقع العربية: في الخليج العربي وفي اليمن, وفي سوريا ولبنان والعراق, والأهم منها والأكثر رسوخا كان في التجربة الفلسطينية, تجربة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والتي قادها جورج حبش نفسه. وعبر حوار بانورامي توقف محمود سويد مع حبش عند الأهم في محطات التجربة الفلسطينية والقضايا الأكثر حرارة في الثلاثين عاما الماضية (1967 ــ 1997) ليسأل حبش عن تجربة الكفاح المسلح الفلسطيني والعلاقة بين تنظيمات (م.ت.ف) بما هي وعاء للوطنية الفلسطينية, والانتفاضة كواحدة من أشكال النضال الوطني في وجه العدو الاسرائيلي, وقضية خطف الطائرات, وهي نهج ميز ـ إلى حد كبير ــ نشاط الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين, وتجربة المقاومة في كل من الأردن ولبنان وما رافقها من مشاكل وتطورات, وصولا إلى مرحلة مدريد واتفاق أوسلو بما يعنيه ذلك من توجه نحو التسوية السياسية وآفاق هذه التسوية. كما توقف الحوار عند ثلاث من النقاط التي تكتسب أهمية وحرارة في الموضوع الفلسطيني, النقطة الأولى هي دور فلسطينيي الشتات, ثم القضية الفلسطينية والعرب وفيها محطتان الأولى آثار حرب الخليج الثانية, والثانية العلاقة بالقوى الاسلامية, والنقطة الثالثة هي القضية الفلسطينية والعالم. وعبر الحوار الطويل بتعدد موضوعاته وتفرعاته, قدم حبش خلاصات التجربة مبرزاً ما حصل, وفي بعض الأحيان ما كان ينبغي ان يحصل ليخلص في النهاية إلى قول ما قدمنا به من نقد للتجربة يصل درجة الشعور بالاحباط , وهو ما يحاول حبش تجاوزه في خاتمة الحوار بالاشارة إلى تفاؤله المستقبلي, دون أن يغفل في نفس الوقت شعوره بالخيبة من الوضع القائم, وهو تشاؤم بالمعنى الدقيق للكلمة. إن ما يقدمه حبش في حواره, يعتبر نموذجا لخلاصات تجربة قطاع كبير من النخبة العربية, تلك التي تشابهت في أصولها وفي أسس نشأتها وفي ممارستها السياسية. وإذا أردنا الدخول أعمق في الموضوع فهو يقدم صورة لتطور معظم الشخصيات السياسية الفلسطينية, الذين وان لم يكشف أكثرهم عن تجربته سواء بالحوار معه, أو بالكتابة عنها, فإن بعض القليل ممن كتب أو كتب عنه, أو أجري حوار معه, قدموا خلاصات لتجاربهم تتشابه مع تجربة حبش. وإذا تجاوزنا الساحة الفلسطينية إلى الساحات العربية الأخرى, لأمكن القول انه ومع بعض التمايز في مسيرة أعضاء نادي النخبة العربية في هذا البلد أو ذاك, فإن المحصلة كانت متشابهة, حيث الخيبة والاحباط سمة الشعور العام لخلاصات التجارب السياسية للعقائديين العرب من البعثيين والقوميين العرب والناصريين, ولعل الأبرز في ذلك ما أصاب قادة البعث من ميشيل عفلق ومواطنه السوري صلاح الدين البيطار إلى البعثي الأردني منيف الرزاز صاحب الكتاب المشهور (التجربة المرة) ! وما طال هؤلاء طال أقرانهم من أعضاء النخبة السياسية من ذوي الاتجاهات الشيوعية والماركسية إلى أصحاب الانتماءات الاسلامية, ومنهم قادة الاخوان المسلمين الذي أحبطوا وفشلت جهودهم في كل البلدان العربية على مدى أكثر من خمسين عاما مضت. والاحساس بالاحباط والخيبة لم يطل فقط العقائديين, بل تجاوزهم إلى الليبراليين أيضا, وهو لم يقتصر على الذين بقوا منهم في ساحة المعارضة, بل انه وصل إلى صفوف من تبوأ منهم مراكز السلطة سواء في قمتها أو في المراتب الأخرى, وربما كان علينا ان نتذكر من الليبراليين السوريين بشير العظمة الذي عنون مذكراته بعنوان (جيل الهزيمة) , وقد كان رئيساً لوزراء سوريا, وقريبا من محتوى العنوان جاء مضمون كتابات رجل السياسة الفلسطينية الراحل أحمد الشقيري الذي أصدر ثلاثة من الكتب تناولت تجربته السياسية الفلسطينية, ومثل ذلك يمكن ان يقال عن تجربة سياسي لبناني معروف هو كريم بقرادوني, ولا يبعد ذلك عن خلاصة تجربة اثنين من رجالات النخبة العربية في العراق من جيل سابق هما طه الهاشمي وتوفيق السويدي وكلاهما قد اشتغل في الشأن العربي العام وفي القضية العراقية عشرات من السنين, كانت خلاصتها الاجمالية احساس بالخيبة , طبقا لما تشير إليه مذكراتهما المطبوعة. ترى ما الذي يقف وراء هذا الاحساس في صفوف النخبة العربية؟, هل هو كما قال جورج حبش في حواره المشار إليه؟, أم ان في الأمر أشياء أخرى؟ لاشك ان غياب العقل والعقلانية في الأداء السياسي للنخبة العربية هو أحد أهم عوامل احباطها , إذ هي لا تدرس الواقع بما فيه الكفاية, ولا تحدد عوامل القوة والضعف فيه, ولا تصنف القوى الفاعلة (سلبا وايجابا) وهي لا تنظم خطواتها وتبرمج خططها وأهدافها, فتأتي نتائج عملها مخيبة للآمال, وهذه عموما, تكشف غيابا أو ضعفا في التربية العقلية والمنهجية. لكن الأمر في أسباب خيبة النخبة يتجاوز موضوع العقل والعقلانية إلى الجانب الإيماني, حيث ان أغلبية النخبة ذات ايمانات اجتماعية ضعيفة, ومنها الإيمان بقدرات الشعب, وعلى النحو ذاته الإيمان بقدرات الوطن وامكانياته, والإيمان بالقدرة على التغيير والتبديل, وهذه أمور ثابتة في معطيات الممارسة والأداء السياسي للنخبة العربية في العقود الماضية, حيث العشرات من أعضاء نادي النخبة العربية تحولوا عن إيماناتهم الايديولوجية والسياسية عند أول هزات تعرضوا لها, وكثيرون ممن انتقلوا من صف المدافعين عن قضايا الوطن والشعب ــ كما هو مفترض ــ إلى الخندق الآخر, بحيث صاروا أسرى مصالحهم الضيقة بكل معنى الكلمة. وبالاجمال فإنه يمكن القول ان أسباب خيبة النخبة العربية متعددة متنوعة, لكنها جميعها تندرج في عاملين أولهما ضعف مستوى تكوين النخبة معرفيا وايمانيا, والثاني الظروف المحيطة التي عجزت النخبة عن معرفتها وادراكها وبالتالي تحديد أشكال ومستويات التعامل والتفاعل معها, مما خلف في الحالتين احساسا بالهزيمة أو الخيبة والاحباط في صفوف النخبة العربية, سواء من عاش منها في صفوف المعارضة, أو شارك في قيادة الدول والمجتمعات العربية. ويبدو ان إدراك بعض أعضاء نادي النخبة العربية لأسباب الاحباط والخيبة على نحو ما ذهب جورج حبش وآخرون أمر يكسر حاجز الخوف الذي طالما حاول النخبويون العرب عدم كسره بالامتناع عن الحديث عن تجاربهم بنجاحاتها وأخطائها, وهو يقدم نموذجا من هذه النخبة يسعى إلى الطهارة والخروج من اخطائه, بل وتجاوز ذلك في تقديم خلاصات لأجيال تأتي سيكون منها أعضاء في النخبة العربية, ربما يستفيدون من التجربة, ويتجاوزون تجربة من سبقهم. *تم نشر الحوار في كتاب صدر بعنوان (التجربة النضالية الفلسطينية) أصدرته مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت 1998.