ان صناعة القرار العربي تنطلق من قاعدة ضيقة لا تشارك فيها , في كثير من الأحيان, مؤسسات المجتمع المدني ومراكز البحث والفكر, كما تعتمد على أسس ومعايير ومصالح آنية أو أنانية وضيقة, لكن المتغيرات التي برزت منذ الحرب العالمية الثانية, السياسية منها والاقتصادية والعلمية, سوف تجعل من العالم عالما مختلفا إلى حد كبير في القرن المقبل. فما هي هذه المتغيرات؟ في ظني ان التغيير أصبح السمة الرئيسية لعالم اليوم, بمعنى أننا نشهد انتقال عالمنا المعاصر من حالة نوعية إلى حالة نوعية أخرى, قد تروق لبعضهم, وقد تغضب البعض الآخر, وقد تبعث الأمل في نفوس البعض الثالث أو تحبط غيرهم, وقد تحفز بعض الناس على التحرك, أو تشل غيرهم, وقد تسهم في اعمال الفكر لدى البعض وتحثهم على مراجعة الذات, واعادة النظر في المفاهيم والشعارات القديمة, وتدفع البعض الآخر إلى التشبث بالموروث من الأفكار والشعارات ووسائل العمل. وينسحب هذا البعد (التغيير) على جميع المستويات الخاصة بأبعاد الحضارة الانسانية: البعد المعرفي, وتلك الأبعاد المرتبطة بالقوة أو بالثروة, فالعلوم تتلاقح وتتقدم باستمرار, ومراكز القوة تتبادل المواقع, ومعايير الثروة تتجدد وتكتسب معاني جديدة. ــ 1 ــ العالم اليوم هو أحادي القطبية, فالولايات المتحدة لا تجد منافسة حقيقية من أية قوة أو تجمع دولي أو اقليم جغرافي. وأحادية الولايات المتحدة تنبع من امتلاكها عددا من عناصر القوة, يجعلها بالتالي تتمتع بتفوق نوعي في مجالات متعددة, فهي: القوة العسكرية الأولى في العالم, والقوة الاقتصادية الأولى فيه, وتقدمها العلمي والتقاني هو الأسرع والأحسن. ولديها جغرافيا هائلة, واكتفاء ذاتي في الكثير من المواد الأساسية. وسيّر حركتها نظام اداري فعال ومنتج. وقد انعكست عناصر القوة في تفوق أمريكا وثقلها باعتراف العالم به. نعم, قد تكون صفة من هذه الصفات أو أكثر متوفرة لدى دولة أو تجمع ما, لكنها مجتمعة لا تتوفر في غير الولايات المتحدة. والسؤال: إلى متى ستحتفظ أمريكا بهذا التفوق وتلك السيطرة؟ واضح لنا ان محاولات تجري في أقاليم أخرى من العالم تعمل نحو خلق نوع من التوازن. وأقدر انه في العقد الأول من القرن المقبل, سوف يصبح الاتحاد الأوروبي أكثر اتساعاً وتماسكا, وبالتالي سيكون منافسا حقيقيا ولا أقول معاديا للولايات المتحدة, في المجالات السياسية والاقتصادية, ومع ان مظاهر هذا التنافس الودي تظهر بشكل خجول إلا أنها ستؤدي عاجلا أم آجلا إلى استقلالية القرار أو التوجه الأوروبي. أما أول مظاهر هذا الاستقلال فظهور العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) في بداية العام المقبل, وسوف تكون عملة قوية تنافس الدولار بشكل حقيقي, وسوف يتزامن ذلك مع بروز الصين, أكثر من أي وقت مضى, كقوة لا يمكن تجاهلها. فالصين تتقدم بخطوات حثيثة نحو بناء قوة اقتصادية وعلمية كبيرة, ولابد من ان ينعكس هذا النمو ايجابا على دورها السياسي الذي سوف تلعبه على الساحة الدولية بشكل أكبر خلال الحقبة المقبلة. وسيكون أثر ذلك واضحا في آسيا أولا, وفي باقي أنحاء العالم ثانيا. ويتزامن ذلك مع نهوض الشعور الوطني الروسي, الذي سوف يعمل على اخراج روسيا من قلقها الحالي ومن حالة المهانة والذل التي تعانيها, واعادتها إلى دورها ووزنها الدوليين اللذين كانت تتمتع بهما قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها. إن روسيا تدرك الآن ان عليها ان تصبح كما كانت, قوة عالمية فعالة ومهابة. وما موقفها الحازم خلال الأزمة العراقية مؤخرا الا تعبيرا رمزيا عن ذلك , وسوف يتلو ذلك مواقف أخرى مماثلة في أحداث وأزمات مقبلة. ان بروز هذه القوى, ان تم سيكون على حساب قوة الولايات المتحدة السياسية والاقتصادية والعسكرية غير المنازعة الآن. وسوف تحاول كل من القوى الجديدة, لأسبابها الخاصة, وتبعا لظروف اقليمها وأوضاعها الداخلية وبدرجات متفاوتة, تغيير موازين القوى لتأخذ حصتها التي تستحق. وقد تقوم تحالفات معلنة أو غير معلنة بين بعض القوى لمواجهة التطورات العالمية. فروسيا تاريخيا, موزعة الرغبة والتوجه بين نصفا الأوروبي ونصفها الآسيوي, وقد تميل بثقلها إلى احدى هذه القوى الاقليمية أو تكون صلة الوصل بينها. والقمة الثلاثية الروسية ــ الفرنسية ــ الألمانية التي عقدت في موسكو الشهر الماضي تصب في هذا الاتجاه, وكذلك القمة الأوروبية الآسيوية التي عقدت في لندن في بداية الشهر الحالي. وفي جميع الأحوال سترى الولايات المتحدة في هذه التحولات تحديا لقوتها وسيطرتها, دونما تهديد عقائدي أو عسكري بعضها لبعض , وسيجري التنافس بينها بالوسائل الاقتصادية والسلمية وصولا إلى المكانة والثقل والتأثير السياسي. وهذا أمر يقرب جهود تلك القوى بعضها من بعض في مواجهة النفوذ الأمريكي. ولهذا, تقوم الولايات المتحدة باجراءات استباقية لمنع هذه التطورات أو تأخيرها أو تعطيلها, مستخدمة أدوات وأساليب مختلفة ومتعددة تناسب الحاجة, فتارة نراها تحاول احتواء الدور السياسي الأوروبي وتحجيمه وإلحاقه بها. وما زيارة بيل كلينتون الواسعة للقارة الأفريقية, التي تقع تقليديا في الخانة الأوروبية, إلا دليل صارخ على ذلك. وتسعى تارة أخرى لاضعاف اقتصاديات دول آسيا, خصوصا ما يسمى بالنمور الاقتصادية, مستغلة بذلك نقاط ضعف موجودة في بعض تلك البلدان كاندونيسيا, وتلوح مرة ثالثة بورقتها العسكرية في منطقة مهمة وحساسة من العالم هي منطقتنا لتجعل منها منطقة متجانسة أمنيا وسياسيا لصالحها. ولذلك كان لابد من ضرب العراق عسكريا لأنه أكثر الأنظمة والبلدان تمردا, ويقف عائقا أمام هذا المخطط. ولم تتم الضربة العسكرية للعراق, لأسباب خارجة عن ارادة الولايات المتحدة. وفي موضوع الشرق الأوسط بعامة والموضوع العراقي بخاصة, لا أنكر العنصر أو التأثير الاسرائيلي المتداخل في القرار الأمريكي, فالمصالح الأمريكية في منطقتنا يمكن اختزالها بكلمتي النفط واسرائيل, غير ان هذه المسألة ليست هي موضوع بحثنا في هذه الورقة. يتم التعامل مع هذه المحاولات والسياسات والتخطيط لها على مستوى الاقليم الجغرافي مع الدول, ومع هذا فالولايات المتحدة تملك من الأدوات ما تستطيع به اختراق الحدود, وتستعملها لابقاء نفوذها وتوسيعه واختراقها لاقتصادات الدول. ومبدأ العولمة هو أحد هذه الأدوات, الذي أصبح مقبولا وممارسا ومؤسسيا. ومما ساعد على تسويق العولمة ثورة التقانة (التكنولوجيا) والمعلومات والاتصالات التي جعلت الناس في العالم أقرب, بعضهم إلى بعض, ولكن العولمة تعمل بشكل أساسي لصالح القوى الكبرى سياسيا واقتصاديا. ان مبدأ العولمة يقفز فوق الحدود, بل يلغي جزئيا مبدأ سيادة الدولة, ويوفر للشركات الضخمة ورأس المال الاجنبي نفوذا في تلك الدولة لا يمكن تجاهله. ومثلما أصبحت مفاهيم الحفاظ على البيئة وحقوق الانسان عالمية تتجاوز حدود دولة بعينها, فإننا نستطيع الآن اضافة الاستثمار ورأس المال الأجنبي إليها. ولهذا فإنني أرى ان الصراع سوف يأخذ أشكالا غير معهودة وغير تقليدية في العقود الثلاثة المقبلة. وسوف يكون الاقتصاد هو السلاح الأهم والعنصر الأساسي في حلبة الصراع الجديدة. وللأسف فإن الاقليم العربي وسوف يكون هامشيا في التأثير في مجريات الحقبة المقبلة, لانشغاله بقضاياه اليومية والصغيرة. لقد آن الأوان لمراجعة الذات, واعمال الفكر النقدي في تجربتنا على امتداد القرن, لاستخلاص الدروس والعبر واعادة صياغة مشروع النهوض العربي والنظام العربي من جديد, وبناء نظام عربي متحرر من أخطاء الماضي, ومن الرومانسية والعاطفية, ومسلح بالعلم والموضوعية والواقعية, وقادر على بعث شعلة الأمل والحماس في الذات العربية. ويجب ان يقوم هذا النظام أو المشروع على ثلاثة عناصر هي: الديمقراطية, والوحدة العربية, والنمو الاقتصادي المتوازن. ويجب ان تعمل هذه العناصر الثلاثة معا وبتركيز متزامن ومتكامل, أي انه لا يصح التعامل مع أي منها دون الآخر, بل يجب ان تسير في مساربها المرسومة لها بسرعات متقاربة. لقد انطلقت الأقاليم كافة في العالم من هذه العناصر فتغيرت أوضاعها, وأصبحت مستعدة لدخول القرن المقبل بجاهزية لا سابق لها. الإقليم العربي وحده, وبعض أجزاء الاقليم الأفريقي, لا تزال تتعثر في خطواتها واصلاح شأنها وبنائها الداخلي. ــ 2ــ ابدأ بالقول ان الديمقراطية حق وليست منحة. ولكن الديمقراطية تقف عند أبواب الوطن العربي غير قادرة على دخولها. وتراكم التخلف من الحقبة العثمانية, مع آثار الاستعمار الأجنبي على معظم أجزاء الوطن العربي, ليسهم في جعل الأنظمة العربية تحكم سيطرتها على مقدرات الأقطار العربية, وحجب شعوبها عن المشاركة في صناعة القرار بحجج وتبريرات متعددة, وبخلق مراكز قوى ذات مصالح مرتبطة ببقاء ذلك النظام. لم تنشأ الدول العربية بمعناها الواسع إلا بعد الحرب العالمية الثانية. وكان استقلال هذه الدول منقوصا. ومنذ تلك الفترة ولغاية الآن, لم يتبلور لدى الحكومات العربية, وعند كثير من المواطنين, مفهوم الدولة. إن الدول القطرية العربية بمعناها الصحيح لم تصبح أمرا واقعا بعد, فالمواطن العربي مازال موزعا إلى حد كبير بين ملته وانتمائه العشائري, وبين جهويته وقوميته. أما الأنظمة العربية فهي أنظمة أبوية بدرجات متفاوتة بين بلد وآخر, والمفهوم الأبوي في الحكم يناقض المفهوم الديمقراطي. وقد اعتمد النظام الأبوي نفسه إما على الملة أو على العشيرة أو على كليهما. ان بناء النظام الديمقراطي الحقيقي هو طريقنا, ويجب ان نسارع إلى تشييد البناء , فالعالم الديمقراطي ينتقل من ديمقراطية التمثيل إلى ديمقراطية المشاركة. أما نحن, فلم نصل بعد إلى ديمقراطية التمثيل. ولعل الخطوة الأولى على طريق تحقيق البناء الديمقراطي السليم قيام تفاهم بين نظام الحكم والشعب على ضرورة ذلك. ويجب ان تتكامل هذه البداية مع تحقيق مبادئ سيادة القانون, وتكافؤ الفرص, والتعددية السياسية, وتوسيع قاعدة صناعة القرار. إن مجلس الأمة, والأحزاب, والصحافة والنقابات والبلديات, وغرف الصناعة والتجارة والفعاليات الاقتصادية, والجمعيات الخيرية والثقافية والأهلية, لبنات أساسية في المجتمع المدني يجب ان يسمح لكل منها بالقيام بواجبه المحدد لها, أي بخدمة قطاعها بخاصة, والمجتمع بعامة, ويجب ان ترتبط هذه الحلقات بعضها ببعض لتكون دائرة كاملة. المهم ان نبدأ السير, وان نبقى على الطريق الصحيح, وألا ننحرف فنعود إلى نقطة البداية. ــ 3 ــ وتظل قضية الوحدة العربية حلما يدغدغ مشاعر الانسان العربي بأجياله المتواصلة. وتبدو كأنها نمط من المفارقة بين النظرية المنطقية والواقع العربي المنكسر. وهذه المفارقة تقود بعضهم إلى الافتراض ان تحقيق الوحدة العربية يحتاج إلى معجزة, نظرا لما يحفل به الوضع العربي الراهن من نزاعات قطرية وتعقيدات وتباينات سياسية, واقتصادية, وقانونية, واجتماعية. لكن الحديث عن الخطوة الأولى ودورها في مسيرة الألف ميل , هو الحديث عن تقريب الحلم إلى الواقع. ان ما بين الواقع والحلم, وما بين الممكن والمحال مسافة زمنية كبيرة, ولكنها المسافة التي لا تبدأ إلا بالخطوة الأولى. والخطوة الأولى الحاسمة باتجاه تحويل الفكرة إلى واقع تتمثل في عودة التضامن العربي. هذه الخطوة تمكن من استعادة ثقة الجماهير العربية المهمشة والمفتقرة بامكانات الفعل التاريخي والعربي الجديد. ان حلمنا بالوحدة لا ينطلق من الوهم, بل ان مصدر هذا الحلم هو الوعي والفكر والتاريخ أيضا. ان واقع الحال يفرض علينا ان نعيد النظر في كيفية الوصول إلى الوحدة العربية المنشودة. الوطن العربي يتكون من أربعة أقاليم, هي: المشرق العربي أو الهلال الخصيب, والجزيرة العربية, والمغرب العربي, ووادي النيل. والمطلوب قيام علاقات وحدوية بين بلدان كل إقليم, أي أن تتفق سوريا ولبنان والأردن وفلسطين والعراق مثلا على اقامة علاقات اتحادية ما تبدأ أفقيا وتتدرج لتنضج الظروف والعوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويتخذ عندها قرار الوحدة المناسب, فأنا لا أؤمن الآن بأسلوب الطفرة أو الصدمة طريقا للوصول إلي الوحدة العربية, بل أؤمن بالتطور والتراكم, مما يجعل مفهوم الوحدة العربية وواقعها يتقدمان بثبات ووضوح. وهكذا يمكن ان تتم الأمور داخل الاقاليم العربية الثلاثة الباقية. لقد بدأت أوروبا طريق الاتحاد منذ الخمسينات, وأصبحت الآن بهذه الطريقة شبه دولة متحدة, وتسير بقوة على طريق كونها قوة عالمية سياسية واقتصادية وعسكرية حقيقية. ان البوادر العربية باتجاه هذه الفكرة قد بدأت عندما تم تأليف المجالس الاقليمية العربية مثل مجلس التعاون الخليجي, ومجلس التعاون العربي, ومجلس التعاون المغاربي, ولكن الأمل لم يكتمل وتجمد عند حدود ضيقة. وبعد نضوح هذه الخطوات الحيوية يتم التفاهم على خلق اتحاد فدرالي أو كنفدرالي بين الأقاليم العربية وأعتقد ان المشروع يأخذ في الاعتبار مشكلة نعانيها منذ الاستقلال, وهي الجدلية المزمنة بين الوطني والقومي. فالوحدة بين بلدان كل اقليم تجمع بين المشاعر الوطنية, والمطلب القومي. والاتحاد بين الأقاليم العربية, يلبي الأهداف الوحدوية والقومية. ان هذاالمشروع طموح وطويل الامد, وسيستغرق انجازه اجيالا عدة, ولكنه يضعنا على طريق انشاء النظام العربي السياسي والنظام العربي الاقليمي. ودولة الوحدة سواء أكانت ضمن بلدان الاقليم العربي ام بين الاقاليم العربية, هي الحل الامثل لمواجهة اسرائيل الكبرى. وهي التي ستضع العرب في سياق التطور, والتأثير العالمي. ــ 4 ــ أما العنصر الثالث فهو النمو الاقتصادي المتوازن, الذي لن اتوسع في الحديث فيه, لأن خبرتي قليلة فيه. وبالتأكيد, فإن التنمية الاقتصادية هي عنصر مهم من حياة الدول والامم, ويجب ان ترتكز التنمية على اسس محددة, وواضحة, مثل وجوب تحقيق العدالة الاجتماعية, وخلق توازن داخل المجتمع. كما يجب ان تتعامل مع المتغيرات العالمية التي اسلفنا ذكرها. فالقرن القادم هو قرن الاقتصاد المبني على ثورة المعلومات والاتصالات والتقانة. وأسارع هنا الى القول ان هذا الهدف الاقتصادي يجب ان يكون مشروعا مكيفا للأغراض والأهداف الوطنية والقومية, وليس مستوردا بقالب جامد يناسب القياس العالمي, ويتجاهل ــ عن قصد أو غير قصد ــ القياس الوطني. فالاختلالات في المجتمع العربي كبيرة وتتسع باستمرار. وغياب الديمقراطية والمساءلة والتخطيط يعطي الامتيازات لذوي أصحاب رؤوس الاموال, ويسلب باقي الفئات حقها في التطور والنمو. لقد صارت السلطة في بلادنا مصدر الثروة, والثروة مصدرا للسلطة. وتلك معادلة مختلة, والأصح ان تؤدي التنمية الاقتصادية الى خلق شريحة اقتصادية واجتماعية عريضة جدا نسميها الطبقة المتوسطة. فالطبقة المتوسطة عماد الاستقرار في اي مجتمع. وكلما كانت قاعدة هذه الطبقة اعرض وأكبر, ازداد رخاء المجتمع وازدهاره واستقراره, واتصف بالعقلانية والموضوعية والانتاجية والانضباط. وتبقى في نهاية طرفي المعادلة نسبة سكانية صغيرة تضم شريحة الفقراء والأغنياء. ومهمة خلق التوازن ملقاة أولا على عاتق الدولة القطرية وليس على عاتق دولة الوحدة. ولا يكتمل ذلك الا بالتخطيط الدقيق لتحقيق التكامل الاقتصادي بين بلدان كل اقليم عربي. ختاما اقول ان للاردن دورا مهما في رسم المشروع النهضوي العربي, وفي دفع مسيرة بناء نظام عربي جديد. فالظروف التاريخية التي نشأ فيها الاردن الحديث, والموقع الجغرافي, والتكوين السكاني, والمستوى الفكري والثقافي والتعليمي للمجتمع, والتجانس البشري, وقومية المواطن الاردني, وارتباط المصالح الاردنية الاساسية السياسية والاقتصادية مع محيطها العربي, وشرعية قيادتنا السياسية القائمة على المفهوم القومي وعلى تحقيق الوحدة العربية, كلها عوامل تدفع الى ان يكون للأردن هذا الدور المميز, وتؤيد ذلك. نحن يجب ان نكون القدوة لكل بلد عربي في تحقيق الوصول الى تلك العناصر الثلاثة. ووقفنا على بداية هذا الطريق عام 1989, وتطلع الى تجربتنا الخيرة كل شعب عربي, وتأمل خيرا. وازدادت القناعات العربية بالتجربة الاردنية الرائدة خلال حرب الخليج عندما التحم الموقف الرسمي بالموقف الشعبي, وأصبح المجتمع الاردني متماسكا لا تخترقه اشعة الليزر. هذا التماسك هو الذي حمى الاردن من العواصف الهائجة التي كانت تعصف به وبالمنطقة من حوله, فرص هذا الدور الريادي ومثال القدوة تتراجع يوميا. وسنكون كلنا في الاردن خاسرين, فندفع وأمتنا العربية ثمنا باهظا لركضنا وراء السراب. إيماننا بشعبنا وعروبتنا هو طريقنا, وهو خلاصنا.