منذ بدأ الخلاف حول التحالف الدولي للسلام , المعروف باسم (تحالف كوبنهاجن والعياذ بالله) , وأنا أحاول في كل ما كتبته ــ وما قلته ــ عنه, ان أحصر نقاط الخلاف, بيننا ــ نحن المعارضين له ــ وبين أصحاب التحالف, في النقطة المحورية, التي توصف في المصطلح الاستراتيجي, بأضعف حلقات السلسلة, وان أبحث عن (حجر سنمار) , الذي إذا سحبته من الجدار, ينهار البناء كله, ويفقد (تحالف كوبنهاجن والعياذ بالله) مبرر وجوده, ليجلس بناته العظام بين أنقاضه, فيتاح لنا نحن الذين يسمينا الأستاذ (لطفي الخولي) بـ (القاعدين على رصيف الأحداث) ان نشد عليهم المسخرة, بحكم ان الجلوس على رصيف الأحداث, أرحم ــ بكثير ــ من القعود تحت أنقاض التحالفات. لكن الاعلان عن تأسيس التحالف, قبل عام ونصف العام, بشكل مفاجئ, وفي أقل الأوقات ملاءمة, أثار أعصاب المعارضين, فالتقط كل منهم, أقرب شيء وجده إلى جواره, وقذفهم به, ليلتقطه أنصار كوبنهاجن فيردونه إليه, واندفع الجميع يتكلمون في وقت واحد, وبصوت يبدو ــ على كل جانب من الجانبين ــ كما لو كان صوتا واحدا, لكنه في الواقع ليس كذلك, فلا جماعة كوبنهاجن يتكلمون اللغة نفسها, ولا المعارضين لهم, يرددون نفس الحجج, وبذلك أصبح (الحوار) حول الموضوع, أشبه بحوار الطرشان, وجمع بين فرش الملاءة والضرب تحت الأحزمة, وبين السباب والسياسة, وبين الأحذية والأفكار, وبين تنوع الاجتهادات السياسية, وتصفية الحسابات الشخصية, وبين الكلام العاقل الموزون, والعصاب الأهوج المجنون. وهكذا حشد المعارضون لتحالف كوبنهاجن, مجموعة من الأسلحة الايديولوجية والسياسية الفاسدة, ودفعوا بها إلى ساحة المعركة, ليواجهوا بها تحالفا دوليا مزودا بأسلحة اليكترونية, من دون تنسيق مسبق فيما بينهم, يتفقون فيه على المفاهيم التي تحكم حركتهم, وتضمن لهم أن يكسبوا معركتهم, وان يحشدوا الرأي العام حول موقفهم, ومن دون خطة للعمليات تحدد التوقيت الملائم لدخول كل سلاح إلى ساحة المعركة, وتحسن توزيعها على مسرح العمليات, بحيث تضمن ألا يرتد سلاح منها إلى صدور الذين يطلقونه, وألا تضرب مدفعيتهم مشاتهم, أو تسقط قوات الدفاع الجوي التابعة لهم طائراتهم, حتى أوشكت المباراة, أن تنتهي بانتصار فريق كوبنهاجن, ليس بسبب مهارته في اللعب, ولكن لأن الفريق الآخر, يسجل الأهداف في نفسه!. وكان أول الأهداف التي سجلها فريق المعارضين في مرماه, هو الاعتراض على تحالف كوبنهاجن لانه يسعى لاستئناف مسيرة السلام ــ وخاصة على المسار الفلسطيني ــ في حين ان الصراع مع اسرائيل ــ في رأي هؤلاء ــ (صراع وجود لا صراع حدود) , وهو كلام كان يمكن أن يقال منذ أربعين عاما, وسلاح يمكن أن يستخدم بعد خمسين عاما, أما إذاعته الآن, فقد أعطت مجموعة كوبنهاجن, فرصة عمرها, لكي تصور معارضيها ــ أمام الرأي العام العربي ــ في صورة فريق من الحمقى الذين يسعون للزج بالأمة العربية في حرب جديدة مع اسرائيل, في ظل أسوأ الظروف الدولية والاقليمية ملاءمة, فلا حليف دولي: يمدهم بالسلاح, أو حتى يتقدم نيابة عنهم بطلبات وقف اطلاق النار, كما كان يفعل المرحوم الاتحاد السوفييتي, ولا حد أدنى من العلاقات العربية, تكفي لمجرد عقد اجتماع للقمة العربية, بعد أن انفض سامر العرب, وانهارت نظرية الأمن القومي العربي المشترك, وأغلق كل منهم حدوده على نفسه, بحيث لم تعد هناك حكومة عربية ــ أو شعب عربي ــ مستعد لأن يضحي بجندي واحد, أو بدينار واحد, الا حين يتعلق الأمر بخطر يتهدده هو نفسه, أو بمصلحة تعود عليه مباشرة.. ولا معنى لرفع هذا الشعار الآن ــ في رأي جماعة كوبنهاجن ــ الا ان الذين يرفعونه, مغامرون, يذيعون كلاما غير جدي وغير مسؤول, ويخططون لنكسة جديدة, تدمر ما تبقى في الأمة من قوة عسكرية واقتصادية, وتوقف مشروعات التنمية, وتكبد شعوبها مزيدا من الفقر والمعاناة, وتعطي (نتانياهو) ذريعة لكي يتملص من استحقاقات السلام, وتدعم سياسته التي تفضل الأمن على السلام, بدعوى ان النخبة العربية, تضم من يطالبون بالقاء اسرائيل في البحر. أما الهدف الثاني الذي سجله فريق المعارضين في مرماه, فتمثل في اصرارهم على انه لا يوجد شيء اسمه قوة السلام في اسرائيل, لكي تسعى جماعة كوبنهاجن للحوار, بل والتحالف ــ معهم, فالجميع صهاينة أولاد صهاينة, لا فرق بين الذين يقبلون بدولة في حدود 1948 فقط, والذين يطالبون بتوسيع نطاقها لتضم الأراضي التي احتلت عام ,1967 أو معظمها.. وهو كلام استغلته جماعة كوبنهاجن, لكي تتهم معارضيها بأنهم يعيشون خارج الزمان والمكان, ويتجاهلون حقائق التاريخ, ولا يقرأون حتى الصحف, فإذا كنا ــ نحن العرب ــ قد اختلفنا على كل شيء يتعلق بالصراع العربي الاسرائيلي, على الأقل منذ كامب ديفيد, فلماذا نتصور ان الاسرائيليين لا يختلفون فيما بينهم... وإذا كان بعضنا ــ ولا أقول معظمنا ــ قد قبل بوجود اسرائيل على خريطة المنطقة, فلماذا نستبعد أن يكون في اسرائيل بعض من يقبلون بوجود دولة فلسطينية! وحتى لو كان هذا المنطق صحيحا, فإن استخدامه في هذا التوقيت بالذات لا يفيد قضية المعارضين لتحالف كوبنهاجن, إذ هو لا يوسع فحسب, من جبهة القوى التي يتحتم عليهم مواجهتها, لتضم حكومات وشعوب عربية, ومثقفين عرب, قبلوا ــ من حيث المبدأ ــ التعامل مع الصراع العربي الاسرائيلي باعتباره صراع حدود لا صراع وجود, بما في ذلك الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية والقسم الأعظم من مثقفيه, بل انه ــ وهذا المهم ــ يعذلهم عن التأثير في الرأي العام العربي, الذي لا يجد في هذا الواقع, ما يدفعه للتحمس, أو حتى تصديق, أية شعارات تصل في تشددها إلى هذا الحد, وربما يجد البعض فيها, ما يدعوهم للاستمرارية وللخوف, وما قد يدفعه للتسليم بمنطق (جماعة (كوبنهاجن) ! وليست المشكلة مع جماعة كوبنهاجن, هي انها ــ كما قال بعض المعارضين ــ تخلط بين (الحوار) الذي هو دور المثقفين, وبين (التفاوض) الذي هو دور الحكومات, فقد كان واردا دائما, ان يقوم بعض المثقفين العرب, بمهام شبه تفاوضية مع اسرائيليين, فيما يعرف بدبلوماسية القنوات غير الرسمية, لجس نبض الطرف الآخر, أو لمعرفة الطريقة التي يفكر بها, وهي مهام, قام بها كثيرون, لحساب أنظمة عربية عديدة, أو لحساب منظمة التحرير الفلسطينية, حتى حين كانت السياسات الرسمية العربية, تنظر للصراع مع اسرائيل, باعتباره صراع وجود لا صراع حدود. ولو كانت جماعة كوبنهاجن, مجموعة محدودة العدد, تقوم بمهمة معينة لمساعدة المفاوض الفلسطيني, بالحوار مع القوى المعارضة لسياسة (نتانياهو) كوسيلة للضغط عليه, لكان الأمر مفهوما, وإلى حد ما مقبولا, لكن المشكلة تكمن في انها جماعة نشأت منذ الأساس, لكي تكون منظمة اقليمية ــ مدعومة من الاتحاد الأوروبي ــ تتبعها فروع في الدول العربية ــ أنشئ منها واحد بالفعل في مصر, هو (جمعية القاهرة للسلام) , ويجري تأسيس الثاني في الأردن, والبقية تأتي) ... ومعنى الكلام, هو ان (تحالف كوبنهاجن) وفروعه... ليس سوى منظمة لتطبيع العلاقات الشعبية بين العرب والاسرائيليين, قبل التوصل الى سلام شامل وعادل, لا يتحقق الا بالجلاء عن كل الاراضي العربية المحتلة, واقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. تلك هي نقطة الضعف الاساسية في بنيان تحالف كوبنهاجن الهش, و ذلك هو (حجر سنمار) الذي لو سحبناه لانهار البناء على مؤسسيه, اذ الحقيقة ان المفاوضات الراهنة, لا تدور حول مبادلة الارض بالسلام, لأن العرب ــ باعترافهم هم انفسهم ــ لم يعودوا قادرين على تهديد سلام اسرائيل, بما يدفعها لاعادة ارضهم اليهم, مقابل هذا السلام, ولكنها تدور حول (مبادلة الارض بالتطبيع) . ولو ان العرب دفعوا الثمن قبل الحصول على البضاعة, وطبعوا العلاقات قبل اعادة الارض, لما حصلوا على شيء منها. والمنطق الذي تستند اليه (جماعة كوبنهاجن) ليس جديدا, ونتائجه السلبية ليست مجهولة, فهو لا يختلف كثيرا عن منطق الرئيس الراحل (انور السادات) الذي كان يرى ان 99% من مشكلة الشرق الاوسط نفسي, يعود الى ان الاسرائيليين لا يثقون في نوايا العرب السلامية, وان على العرب ان يقوموا بمبادرات تطمئنهم الى انهم جادون في السلام, وهو نفس المنطق الذي استندت اليه الادارة الامريكية, حين نصحت بعض الحكومات العربية, باقامة اشكال من تطبيع العلاقات مع اسرائيل في اعقاب مؤتمر مدريد, وفي الحالتين, اعتبر المفاوض الاسرائيلي ما حصل عليه منحة, وليس ثمنا للارض, فوضعه في جيبه, وبدأ يطالب بثمن آخر للارض. واسوأ ما فعلته جماعة كوبنهاجن, هو انها شرعت في اقامة منظمة لتطبيع العلاقات مع اسرائيل على الصعيد الشعبي, في الوقت الذي تنبهت فيه الحكومات العربية, الى الاضرار البالغة, التي لحقت بالحقوق العربية, وبالقوة التفاوضية للعرب, نتيجة للافراط في التطبيع على الصعيد الرسمي, قبل ان تنفذ اسرائيل تعهداتها, فاعادت شهر سلاح المقاطعة كأحد اسلحة التفاوض, وطرح شعار تجميد العلاقات نفسه, على جدول أعمال القمة العربية, التي انعقدت, والتي بسبيلها الى الانعقاد. وربما لهذه الاسباب جميعها, حرصت جماعة كوبنهاجن, منذ البداية على نفي شبهة التطبيع عنها, مؤكدة بجسارة تحسد عليها, انها ضد التطبيع, وبأن بيانها التأسيسي قد خلا من أية اشارة اليه, وان التطبيع والعياذ بالله, هو التجارة والأخذ والعطاء, في حين ان ما يقوم به التحالف هو مجرد حوار شريف عفيف نظيف, وتعود الاستاذ (لطفي الخولي) ان يرد على المعارضين الذين يتهمون التحالف بالتورط في أنشطة تطبيعية, بتكرار اسطوانة الحوار الذي لا تجارة فيه ولا شطارة, ثم ضاق ذرعا بهم, فأصبح يكتفي ــ في الرد عليهم ــ بترديد المثل الشعبي الشهير (نقول تور... يقولوا احلبوه) . وحتى لو افترضنا جدلا, ان الحوار لا يعد تطبيعا, فليس منطقيا ان تتأسس منظمة طويلة عريضة تحمل اسما اطول وافخم من اسم الامم المتحدة هو (التحالف الدولي الشعبي من اجل السلام في الشرق الاوسط) , وان تؤسس لها فرعا في مصر, تدعي انه يضم حتى الآن 00H عضو, فضلا عما يستجد من اعضاء ومن فروع, لمجرد الحوار الشريف العفيف, فالحوار ــ وخاصة اذا كان من النوع الشريف العفيف ــ قد يدور بين عشرة او عشرين من المؤهلين لذلك, ولا تفسير لهذا التوسع, ولهذا التلهف على حشد الاعضاء واقامة الفروع, ولا دور يمكن ان يلعبه هذا الحشد, الا الاشتراك في انشطة تطبيعية. ويبدو ان اصحاب كوبنهاجن, قد أدركوا عدم منطقية ادعائهم بأن ما يفعلونه ليس تطبيعا, فاذا بهم يقلبون الاسطوانة على الوجه الآخر, ليقولوا بأن سلاح المقاطعة, ينبغي ان يستخدم بمرونة تفيد المفاوض العربي, حتى لا يصدأ او يفقد فاعليته, وانه لا مانع من تطبيع العلاقات مع قوى السلام الاسرائيلية, لتقتصر المقاطعة على (نتانياهو) وعصابته, وهو موقف مضحك, ليس فقط لانه يستحيل عمليا ان نطبع العلاقات مع قسم من الاسرائيليين ونقاطع القسم الآخر والاثنان يعيشان في مجتمع واحد, او لأن قوى السلام الاسرائيلية يفترض انها تنشط انطلاقا من ايمانها بأن (السلام العادل الشامل هو لمصلحة اسرائيل, فلا مبرر لأن نكافئها على ذلك بتطبيع العلاقات, ولكن ــ كذلك ــ لأن الوحيد الذي سوف يستفيد من هذا التطبيع, سواء جاء عن طريقه, او طريق خصومه, هو (نتانياهو) , وبذلك تخسر قوى السلام الاسرائيلية, ويخسر العرب... ويعرف الجميع, من هو (الثور) ومن هم الذين يحلبونه!