كدت اعنون مقالي بين هزل كرة القدم وجد السياسة, لكن من منا يزعم ان كرة القدم هزل؟ أليست تعبيرا لهذه الغريزة المودعة في نفوس البشرية من الرغبة في الغلب؟ أليست هي صورة لشيء اعتور الحياة الاجتماعية والعلاقات الدولية: الصراع الذي ينتهي بنصر طرف آخر؟ والا فلم هذا الهياج الذي تثيره هذه اللعبة السحرية؟ لم هذه النشوة العارمة التي تفقد الشعوب صوابها, او الحزن الثقيل الذي يرين عليها في حالة الهزيمة او الاقصاء كما لو انها شعوب على جهاز التلفزيون يكسره تكسيرا بعد هزيمة المنتخب المغربي امام البرازيل. اما شخص آخر فلم يقو على الصدمة ولفظ انفاسه الاخيرة نتيجة سكتة قلبية. ثم هبت الجماهير في الرباط تحيي لاعبيها تحية الابطال بعد العرض المشرف الذي قدموه كما لو انهم ابلوا البلاء الحسن في معترك الحرب وصانوا عرض الامة وكرامتها. ولعلكم تذكرون قصة اللاعب الكولمبي اسكوبار في مونديال 1994 الذي سجل على مرماه في مقابلة مع الفريق الامريكي. لقد اعتبر الشعب الكولمبي ان هزيمته تلك اكبر منحة لكولمبيا في تاريخها المعاصر وذهب الامر بأحد العشاق ان اطلق النار على اللاعب المسكين ليثأر لكرامة كولمبيا المهيضة كما لو كان متهما بالخيانة العظمى. واضطر رئيس الدولة الكولمبي ان يلقي خطابا الى شعبه ليذكرهم بأن كولمبيا خسرت مباراة وان هذا يدخل في منطق اللعب وليس يحسن ان تعتبر هزيمة رياضية كارثة لأمة. ولعل القراء من جيلي او من الجيل الذي سبقني يذكرون حرب الهوندراس والسلفادور التي كان مبعثها مباراة كرة قدم بين البلدين وسوء تحكيم واجتياح المشاهدين لأرضية الملعب. ولست اشك انكم شاهدتم مثلي مباراة ايران والولايات المتحدة وضربتم اخماسا في اسداس في الابعاد السياسية للمباراة رغم التحوطات التي دفع بها البعض من انها مباراة ككل المباريات. بل ان تلك التحوطات كانت اشبه بمن يسعى ان يحجب نور الشمس بالغربال! ألم يتحسر العراقيون متمنين لو كانوا مكان الايرانيين للقنوا الامريكيين درسا قاسيا. ثم انني لا اخفيكم كظمت غيظي حين اقصاء المنتخب المغربي رغم انتصاره على اسكتلندا بثلاثة اهداف نظيفة وكان قاب قوسين او ادنى من التأهل لولا احتساب الحكم لضربة جزاء لفائدة النرويج غيرت موازين القوى. كل ذلك تدركونه لكن ما الذي يجعل هذه الكرة السحرية تحرك الجماهير وتعبث بأحلامهم وأوهامهم؟ واود ان اقول انني من عشاق كرة القدم وان كنت لا ازعم اتقاني لهذه اللعبة رغم تعاطي لها فيما انسلخ من شبابي واود ان اقول ــ وهي ذاتيتي تتكلم ــ انها اجمل لعبة ابتدعها الانسان, ولا أزال اذكر في مونديال 1994 الذي اقيم بالولايات المتحدة وكنت آنذاك اقيم بالولايات المتحدة ملاحظة جاري الامريكي بوب لم اضيع وقتي امام الشاشة للعبة لا جاذبية لها, ليس ككرة القدم الامريكية, ولم تمض على جاري تمرين مباريات يشاهدها حتى تعلق بها وبخاصة لما كانت الولايات المتحدة تنازل البرازيل. هناك الذين يقولون ــ وهم قلة ـ ان كرة القدم افيون يدجن الشعوب ويصرفها عن قضاياها المصيرية. لكن الشعوب في كل زمان ومكان في حاجة الى لعبة لأن بعد التسلية لصيق بالفرد كما بالجماعات ولو لم تكن كرة القدم لاختلقت البشرية لعبة اخرى. تذكروا نداء الرومان لقيصر: خبر ولعب Panem ct circens وتذكروا تلك اللعبة الهمجية التي ينازل فيها السجين سبعا. او النزال الذي قد يؤدي بأحد المنازلين على مرأى من المتفرجين في روما. تذكروا التوريرو الاسباني او صراع الديكة الاندونيسي الا ترون ان كرة القدم اكثر تحضرا من هذه الالعاب. ثم ان كرة القدم وسيلة لتواصل الشعوب. صحيح ان هذا التواصل يتم عن طريق صراع رياضي. لكن الشعوب عبر التاريخ تواصلت من خلال اداتين: الحرب والتجارة اللتان مهدتا السبيل لأسباب التلاقي الحضاري والتلاقح. ثم مباراة كرة القدم حرب نظيفة لا ضحايا فيها ــ الا من شغب الهوليجان ـ ولا ارامل ولا عجزة ولا تهديم لبنيات ولا اهدار لكرامة ولا تعويضات حرب ولا مخلفات تدوم لعقود او قرون ولا احنا ولا احقادا. كرة القدم هي الشكل الذي تصوره الصيني سان تسو في كتابه المرجعي للاستراتيجية الحربية في الحرب تصور سان تسو قائدين يرأسان جيشهما ولكن عوض ان ينغمر الجيشان في حرب ضروس لا تبقي ولا تذر, يتبارز القائدان في لعبة ويعلن من بز صاحبه منتصرا بجيشه ويعود من حيث اتى من غير دماء تراق او كرامة تمتهن. اليست كرة القدم اذن تجسيدا لهذا الحلم الذي راود سان تسو بالاستعاضة بلعبة عن الحروب. ثم إني ارى في كرة القدم شيئا آخر. انها المعاقل الحصينة التي تثبت لمد العولمة الكاسح. فلا تزال الشعوب تلهج لفريق يمثلها ولا تزال تصدح لنشيدها ولا تزال تخفق لعملها ولا تزال امة ما تتماهى مع فريق يدافع عن قميصها ورايتها. رغم اني ادرك ان العولمة لم توفر كرة القدم كذلك. فأغلب لاعبي البرازيل يلعبون في فرق اوروبية. لكن اذا دقت ساعة المونديال نسوا انديتهم وارتدوا قمصانهم التي تعكس الوان علمهم. لكن هناك شيئا اهم في تصوري وهي ان كرة القدم معقل للاخلاق او على الاقل ينبغي ان تبقى كذلك. فهي لذلك نقيض لعالم الدسائس والحسابات الذي هو عالم السياسة, فاللاعبون قبل ان يبتدئوا اللعب يحيون بعضهم البعض. وحينما يرتكبون خطأ يمتثلون للحكم. واذا تجاوزوا حدودا معينة انذرهم الحكم او طردهم. وفور الانتهاء يتبادلون الاقمصة, وللحكم دور رائد. للحكم مسؤولية جسيمة. قد لا يغتفر خطأ. وهذا الجانب الاخلاقي هو الذي اشار اليه الفيلسوف والاديب الفرنسي والحائز على جائزة نوبل (البير كامو) حين قال كل ما تعلمته في الحياة عن الاخلاق وعن الواجبات انا مدين به لكرة القدم, كان فيلسوفا اديبا وعاشقا لكرة القدم. لكن أليس هذا الجانب ما قد يتعرض للتضحية بفعل المال والهوليكان والاتجار بالتذاكر وتلاعب اللاعبين واحيانا الحكام!