العالم يعيش أحلى أيامه في ظلال صاحبة الحظوة ومعشوقة الملايين: كرة القدم, والقلوب والعيون تهفو في كل لحظة للمستطيلات الخضراء في مونبيلييه ومارسيليا وتولوز وغيرها من مدن فرنسا, حيث تجرى أشهر وأهم مباريات كرة القدم ضمن مونديال القرن في باريس . العالم يعيش حالة حذر لذيذة بسبب تعاطيه جرعات عالية ومكثفة من هذا الأفيون الممتع الذي جعل الكثيرين يستاءون بشكل واضح لاحتجاب المباريات المونديالية لمدة يومين نهاية الاسبوع الماضي. العالم لايتابع سوى حوار الأقدام المتفوق على كل حوارات الفكر والسياسة والثقافة وحتى الفن, المنافس الأخطر للمعشوقة كرة القدم. حوار الأقدام في باريس هو الحوار الأشهى والأكثر قدرة على جذب الشباب من الجنسين وكبار السن وحتى الأطفال, فحمى المونديال اجتاحت في طريقها تحصينات أعتى المثقفين راديكالية وحساسية ضد كل نشاط لايقع تحت مظلة حوارات الفكر والثقافة. ولم يعد الوقت متاحا أو مناسبا لتسأل عن سبب الادمان الكروي ولا عن سيطرته على أعلى مستويات القيادات السياسية التي حرصت على حضور مباريات بلادها كتعويذة حظ وفأل حسن, تماما كما فعل هيلموت كول الذي حرص على حضور مباراة بلاده ضد كرواتيا تيمنا بوجوده فكان ان خسرت ألمانيا كما لم تخسر يوماً! وفي المقابل حضر الرئيس الكرواتي المباراة ليباهي أوروبا بحصان المونديال الأسود كرواتيا. جاك شيراك مهووس كرة قدم, وقد حوَّل قصر الاليزيه إلى مكان يتوجب على كل من فيه ان يتابع المباريات أو يحترم مواعيدها وجلسات بثها وفي البيت تضيق مدام شيراك بهوس زوجها لكنها لاتستطيع أن تفعل شيئا ازاء ديكتاتورية تحيكها اقدام شباب أصبحوا معبودي الجماهير. وفي عالمنا العربي يهرب الناس من السياسة, وقضية الشرق الأوسط, ومباحثات السلام, ووجه نتانياهو الرمادي الكئيب, وبقية وجوه عشاق طاولات المفاوضات والمباحثات, وعادة ما يهرب أناسنا الطيبون إلى وجهتين لا ثالث لهما: الفن وأخبار أهله, أو الرياضة ومباريات كرة القدم تحديدا, وكم يكون الهروب فعلا لذيذا إذا كان باتجاه مباريات مونديالية باريسية, تتعطر بايف سان لوران, وترقص السامبا البرازيلية. لكن وبرغم اعتقادنا وقناعتنا وتسليمنا - القهري - بسيطرة هذه المستديرة الصغيرة, المتقاذفة بين الأرجل والأقدام, إلا اننا نقذف بهذا السؤال في أجواء الجميع الحارة: ماذا بعد أن ينفض سامر المونديال الباريسي الباذخ, وتذهب الكأس الذهبية إلى الأقوى كرويا؟ هل سيعود الناس الى سابق هواياتهم, ويعود نمط الحياة رتيبا كما كان, التسكع في المقاهي, والمراكز, وسباقات السيارات في شوارع المدينة, والتسوق اللاضروري, والجلوس إلى جهاز المصادرة العقلية: التلفزيون؟! هل ستيمم الجماهير إلى الضفة الثانية من عالم التيه والهروب, وهل بعد باريس, سيكون الخيار الوحيد المتاح: أخبار الفن والفنانين, ومجلات العقم المعرفي ومسلسلات التخلف المركب والسمج؟ اعلامنا سيكون - بعد المونديال - في أقوى حالات تورطه الاعلامي غير القادر على الجذب الجماهيري, وصيفنا لايطاق مهما حاولنا تجميله بالكلمات, والانسان عجول ونافد الصبر, وعليه فلا حل سوى الرحيل شمالا بحثا عن نسمة هواء باردة اصبحت عزيزة حتى في ربوع أهل الشمال! فما الحل اذن؟ يبقى العالم كبيرا, ومليئًا بالخيارات الجميلة, وما علينا سوى البحث في كل الجهات.