اغتيال فنان بسبب ما يقدمه من إبداع او ما يعتنقه من افكار هو فاجعة انسانية أليمة, لكن اغتيال المطرب الجزائري (معطوب الوناس) يبدو اكثر من فاجعة . فقد تم في ظروف مريبة, وفي توقيت بالغ الحساسية, ولتكون الجريمة الوحشية وما تبعها من احداث وتداعيات... باباً لفتنة جديدة قد تفوق في اثارها كل ما شهدناه من فصول المأساة في هذا الوطن المنكوب. حتى الآن كانت المعركة في الجزائر بين ارهاب وحشي فقد عقله, وبين شعب اتحدت صفوفه في مواجهة الارهاب وفي ضرب جذوره وفي ضرب الفساد واقرار الديمقراطية... حتى وان تعددت السبل واختلفت الآراء في هذا السبيل. الآن... يراد للجزائر ان تغرق في مستنقع حرب اهلية بين أبنائها من العرب والبربر. وهنا يجب ان تدق كل الاجراس , فالخطر ليس محصورا في الجزائر, والمؤامرة اوسع من هذا القطر الشقيق الذي يعيش المأساة منذ سنوات, والهدف هو (تفكيك) العالم العربي كله الى شظايا يسهل اخضاعها او تطويعها او حتى الخلاص منها. لقد تم الاغتيال البشع للمطرب الجزائري قبل ايام من موعد تطبيق قانون التعريب في الجزائر, ليثير احداثا دامية في المناطق التي تسكنها اغلبية من (البربر) الذين نمت بينهم في السنوات الاخيرة حركات سياسية تعارض التعريب وتطالب بالاعتراف بثقافة (البربر) كثقافة متميزة, والاقرار باللغة الامازيجية وليست العربية لغة رسمية لهم. وكان معطوب الوناس من بين اقلية اكثر تطرفا في هذا الاتجاه, وكان قد سبق اختطافه قبل اربع سنوات, ثم اطلق سراحه في سابقة لا تتكرر من الارهابيين لكي يكتسب شعبية كبيرة , وليصبح اغتياله قبل ايام هو القنبلة التي اريد بها تفجير المعركة ضد التعريب, وتحويلها الى حرب اهلية ستكون كارثة على الجزائر وعلى الامة العربية كلها. وقضية التعريب في الجزائر ليست جديدة. انها جزء من معركة الاستقلال التي راح ضحيتها مليون شهيد من العرب والبربر الذين خاضوا المعركة معا ضد الاستعمار, ومن اجل جزائر عربية مسلمة. ومنذ عام 1965 والجزائر تخوض معركة التعريب. ولم تكن المعركة موجهة ضد البربر وانما ضد الفرانكفونية التي كانت نتاج سنوات طويلة من استعمار قاس حاول محو شخصية الشعب الجزائري وفرض اللغة والثقافة الفرنسيتين عليه. ولقد تعثرت محاولات التعريب بسبب اخطاء الحكومات الفرنسية من جانب, وبسبب ندرة المعونات العربية التي تلقتها من الدول الشقيقة, وبسبب الحرب الضروس التي خاضها الفرانكفونيون من اعداء عروبة الجزائر بدعم من فرنسا. والمهم هنا ان (التعريب) لم يكن يعني إهدار أي تميز ثقافي لأي اقلية, بل كان ببساطة ان تحل اللغة العربية محل الفرنسية كلغة رسمية. وكان هذا قرار الدولة بكل مؤسساتها التي كانت تضم العرب والبربر جنبا الى جنب كما هو الحال في دول مجاورة مثل المغرب. ولم يكن الهدف قتل اللغة الامازيجية كما يردد البعض اليوم, لانه حتى سنوات قليلة لم تكن هناك لغة امازيجية مكتوبة, ولكنهم (اخترعوها) في فرنسا, ولذلك مازالوا يختلفون حتى الآن حول طريقة كتابتها... فالبعض يريد كتابتها بالحروف اللاتينية, والبعض يريد كتابتها بالحروف العربية لأنها الحروف التي يعرفها البربر ويتعايشون معها على مدى تاريخ طويل. وقد توقفت محاولات التعريب مع اندلاع الصراع الدامي في الجزائر, ثم قررت السلطات الجزائرية تطبيق القانون في الخامس من يوليو الحالي, ولكن الاغتيال المشبوه للمطرب معطوب الوناس يجيء ليفجر القضية بين العرب والبربر هناك, ولنجد انفسنا امام فصل جديد من مأساة الجزائر, وامام اشارة واضحة الى ان ما قيل عن (تفكيك) الوطن العربي قبل سنوات لم يكن هزلاً, بل كان خطا اساسيا من خطوط الخريطة الجديدة التي يراد فرضها على المنطقة, ولتتحول القضية من اغتيال مطرب... الى محاولة مستمرة لاغتيال شعب! وما يهمنا هنا ان يدرك الجميع في الوطن العربي ان المؤامرة اوسع من الجزائر, وان مشاكل الاقليات في الوطن العربي كله يجري تفجيرها عمدا... ليس بهدف المساعدة في حلها, وانما من اجل انهاك الوطن العربي في مشاكله الداخلية, وجره الى دوامة الصراعات الطائفية او العرقية أو حتى الحروب الاهلية! ان ذلك لا يعني انه لا توجد مشاكل من هذا النوع في الوطن العربي, ولا ينفي وجود تقصير في معالجتها في بعض الاحيان, ولا يستبعد مسؤليتنا في تهيئة الفرصة لاعداء الامة ليستغلوا هذه المشاكل... وذلك بتجاهلنا لضرورة حل هذه المشاكل قبل ان تستفحل وبالحوار الديمقراطي واحترام كل الآراء وتفاعل كل الثقافات. ولعل ما يحدث في الجزائر ان ينبه كل القوى القومية في الوطن العربي الى المخاطر الجديدة, فتقدم كل المساعدة للجزائر للخروج من محنتها, وفي نفس الوقت تتعلم الدرس وتفتح ابواب الحوار, وتدق اجراس الخطر امام محاولات مشبوهة لضرب الوحدة الوطنية في الاقطار العربية, خاصة اذا جاءت هذه المحاولات من قوى سمح لها ضميرها ونظامها العالمي الجديد بأن تتستر على ذبح المسلمين في البوسنة ثم في كوسوفو, وان تؤيد علانية جهود الحكومة التركية في إبادة الاكراد على ارضها وعلى ارض العراق, بينما تردد ــ دون خجل ــ مزاعمها الموتورة عن اضطهاد الاقباط في مصر, وتقوم بتمويل ودعم المحاولات المشبوهة لتحويل اقباط مصر من جزء اصيل من النسيج الوطني في مصر الى اقلية تبحث عن العدل عند حامية الحريات وراعية حقوق الانسان ... ماما امريكا! وما دمنا نتحدث عن (التعريب) فدعونا ننبه ــ مرة اخرى ــ الى خطورة ما يحدث مع الاجيال الجديدة والمخاطر التي تتعرض لها في ظل انظمة تعليم وثقافة تقسم المجتمع وتغتال جزءا عزيزا من مستقبل الامة. ان ابناء الاكابر عندنا يتعلمون الآن بالانجليزية ويرطنون بها, وابناء الغلابة يتعلمون بالعربية ان استطاعوا الى ذلك سبيلا, والفرنسيون في الطريق بجامعاتهم ومعاهدهم, فاذا نبهنا الى خطورة ذلك في سنوات التكوين التي ينبغي ان يكون هدفها تحقيق الانسجام والتآلف بين ابناء الجيل جميعا, قيل لنا اننا لا نفهم في اقتصاديات السوق! واذا قلنا اننا نقتل بذلك اللغة العربية, وهي ليست مجرد اداة للتخاطب وإنما جزء عزيز من شخصيتنا القومية... قيل لنا ان النظام العالمي الجديد له أصوله واحكامه, وعلينا ان نرضخ له... وإلا !! واخشى ما اخشاه ان نترك الحبل على الغارب في هذه القضية الخطيرة, ثم نأتي بعد عشرين سنة لنجد انفسنا مضطرين لأن نخوض جميعا معركة التعريب, وندفع مثل الجزائر تكلفتها الفادحة!!