يوهم البعض نفسه بأنه (حامل) في قضية حيوية.. فتظهر عليه أعراض (الطلق) و(المخاض) .. ويستدعي (الداية) التي تمسح عرقه.. وتكتم صراخه.. وهو يعرف مسبقا أن رأس الطفل لن يخرج أبدا.. فالحمل كاذب.. والقضية التي دخلت معه حجرة الولادة على قدمين خرجت منها على (نقالة) والقضية التي تصور انها (مهمة) كانت في الحقيقية (وهمية) . وأخر قضية نتوحم عليها ــ من هذا الطراز هي قضية فيلم (عبد الناصر) لصانعه المخرج السوري أنور قوادري الذي أصبح فيلمه مولودا من ضوء وظلال بعد 8 سنوات من الكلام والآحلام. لكن.. قبل أن تدور الكاميرات امتص الفيلم كل كمية الاوكسجين الموجود في الهواء.. وتدحرجت كرات من النار لتحرق الفيلم ومخرجه وأبطاله.. والسبب ان (سيرة) جمال عبد الناصر لا تزال تثير العواصف والعواطف رغم رحيله الذي يقترب من 28 سنة جرى خلالها نسف ودك وسحق تجربته الوطنية وتعليق صورته أمام جميع محاكم الجنايات الامريكية والاسرائيلية. ما أن يطبع كتاب او مقال او فيلم عنه حتى تخرج البلدوزرات المضادة من مواقعها لتسحق عظام من تجرأ وفعل ذلك ولا تتردد في تفتيش ملابسه وأوراقه ودماغه وتضعها في الغسالة (الفول أتوماتيك) التي تغسل اكثر بياضا.. فالمطلوب دائما ان تكون عقولنا على (الزيرو) او مثل (التيفال) لا تلتصق بها تجارب الماضي بحلوها ومرها. لكن.. الذين يفعلون ذلك لا يعرفون ان تجارب الوطن تنتقل في دم الناس وفي خلاياهم وفي أنفاسهم وليس ثمة جهاز مهما بلغت قدرته وحساسيته يستطيع اكتشاف خبرات الشعوب وهي تترسب وتتراكم في الشرايين. على ان الهجوم هذه المرة بدأ من أهل البيت.. فقد أعلنت هدى عبد الناصر احتجاجها على صورة أبيها في سيناريو فيلم أنور قوادري.. واعترضت على دخول الكاميرا غرفة نومه لتصويره في مشاهد انسانية وعاطفية بينه وبين زوجته وأولاده.. وقلدها أبناء عبد الحكيم عامر وزوجته الثانية الفنانة برلنتي عبد الحميد.. وهؤلاء احتجوا على صورته في الفيلم التي كانت لشخص سريع الانهيار عصبيا في الاحداث السياسية والعسكرية وسهل الوقوع عاطفيا في المواقف الغرامية.. وهي مشاهد منقولة من عشرات الكتب المتداولة.. ولكن تجسيدها على الشاشة أثار الفزع.. واعاد فتح الجراح.. فالفيلم اخطر من الكتب.. وجمهور السينما اكبر من جمهور القراءة.. وتأثير الشاشة اشد من تأثير المطبعة. والأهم اننا نتعامل مع حكامنا معاملة (فرعونية) .. نسحب منهم صفاتهم الانسانية ونلقي عليهم بأجنحة الملائكة.. ثم بعد أن يذهبوا نحاسبهم محاسبة الشياطين.. نصنع منهم آلهة من (عجوة) وهم في السلطة.. وبعد الغروب نأكلها.. ان هذا الخلل التاريخي هو سبب الهجوم المبكر على فيلم (عبد الناصر) وسبب نداءات المطاردة والمصادرة التي لاحقته وهو جنين في البلاتوهات والمعامل وغرفة المونتاج. وما ان استعد الفيلم للخروج الى الجمهور وبدأت عروضه الخاصة حتى بدأ الهجوم عليه في خصوم عبد الناصر.. فما دام الفيلم خاليا من التعذيب والمعتقلات فهو تمجيد في عبد الناصر حسب النغمة المزمنة والمعتادة من د. عبد العظيم رمضان.. ومع ان الفيلم افرط في الغوص في جراح هزيمة يونيو ــ وهي النتيجة المؤلمة والمؤسفة للتجربة الناصرية ــ فان خلوه من الجلد وزوار الفجر جعله دعاية ملونة لعبد الناصر حسب (الاكلشيهات) المحفوظة في (جوقة) الخصوم. وهكذا.. نحن امام عمل فني سياسي مكروه من الاصدقاء قبل الأعداء.. والجميع على استعداد ان يغرسوا الاسياخ في عينيه ويتركوه اعمى. وقد شاهدت الفيلم في عرض خاص للجنة العليا للرقابة بعد ان انضم اليها بعض المؤرخين والسياسيين وضباط ثورة يوليو.. واعترف ان الفيلم جسد بالصوت والصورة والالوان الطبيعية ذاكرتنا.. والذاكرة جواز سفر الى الماضي قابل للتجديد ويسمح لنا أن نقوم برحلة حول التاريخ.. والتاريخ هنا زعيم عرف كيف يتعامل مع أمته.. فأحبته.. ان جمال عبد الناصر لم يجد شعبا جاهزا يهواه لم يشتر هذا الشعب من (السوبر ماركت) ولكنه اقترب منه خطوة خطوة.. ودمعة دمعة.. انه لم يأت من فراغ ولم يهبط من السماء وانما انحاز الى الناس الذين يأكلون الفول ويلبسون الكستور ويطلبون العون والستر والمدد من أولياء الله الصالحين.. وقد أحبه هؤلاء البسطاء.. أما الذين كفروا به وهاجموه.. فقد فعلوا ذلك بعد رحيله.. وكانوا كمن يذهبون الى مكه لأداء فريضه الحج بعد ان عاد الناس منها.. وهو ما فعله د. عبد العظيم رمضان بعد ان غادر اليسار وبعد ان منح عبد الناصر نصيبه من الاطراء والاعجاب. الفيلم تفوح منه رائحة الحب والفانيليا لعبد الناصر وان لم يستسلم للوثنية الدعائية التي تشبه في كثير الاحيان البالونات الملونة التي يطلقها الاطفال في الاعياد ثم ما تلبث ان تنفجر من تلقاء نفسها.. فهناك لحظات الانتصار ولحظات الانكسار.. وهناك أيام العنفوان وأيام الاحزان.. وهناك جسد الوطن الذي تحرر من العبودية الاجنبية ليقع في العبودية الوطنية. ولم ينس الفيلم العلاقات العفوية بين الفساد السياسي والفساد العاطفي وهي علاقة ــ عند قسمة السلطة ــ لا تحتاج الى شطب او رتوش او تجميل.. فأبطال التاريخ في البداية وفي النهاية هم كتلة من الأعصاب والانسجة واللحم البشري المحترق.. وليسوا بلاطا في مخزن سيراميك.. لذلك لامبرر للغضب من الفيلم لأنه اظهر عبد الناصر بالبيجاما او جعله يمسك بيد زوجته في فترة الخطوبة او اظهر عبد الحكيم عامر في مشاهد سهر ورقص مع برلنتي عبد الحميد وهي في فستان مثير.. فهذه صورتها الشهيرة على أغلفة مجلات الفن والنجوم في ذلك الوقت.. وان ازعجني ان يقصر الفيلم دور صلاح نصر على تزيين الانحرافات للمشير عامر.. فهذا ظلم لرجل أسس مدرسة المخابرات المصرية. انني ضد زعماء الأنابيب وأفلام الانابيب وكتابات الأنابيب.. وافضل الولادة الطبيعية من رحم الأعمال البشرية المكتظة بالحلم والمرض والنجاح والتوتر والفوز والضعف والغضب.. فالزعماء ليسوا أنبياء ولا أولياء واي محاولة لتقديسهم هي محاولة فاشلة يدفع الناس ثمنها والحكام في السلطة ويدفع الزعماء ثمنها وهم في رحاب الله. على ان صناع الفيلم كانوا مجانين في طموحهم.. فقد أرادوا تمرير الفيلم من ثقب ابرة.. وحاولوا وضع 35 سنة من الاحداث التاريخية الخطيرة التي مرت بمصر وعبد الناصر في ساعتين من العرض السينمائي.. ان هذه الاحداث تبدأ بمعاهدة 1936 وتنتهي برحيل عبد الناصر.. وبينها حرب فلسطين.. وتكوين خلايا الضباط الاحرار.. وحريق القاهرة.. وقيام الثورة.. وطرد الملك.. وتأميم القناة.. وحرب السويس.. والوحدة مع سوريا والانفصال.. وحرب اليمن وهزيمة يونيو.. وعملية الاطاحة بالمشير عامر والتنحي.. وحرب الاستنزاف.. وايلول الاسود.. ومرض عبد الناصر.. ثم رحيله في المشهد الشعبي المذهل الذي أعاد الدموع الى عيوننا.. أنا وجاري في عرض الفيلم د. أسامة الغزالي حرب الذي كان مجندا في ذلك الوقت بينما كنت أنا طالبا في الجامعة غير قادر على ابتلاع الهزيمة. ان كل محطة من هذه المحطات التاريخية تستحق التوقف عندها حتى الأشباع وهو مالم يسمح به الفيلم الذي بدأ كوليمة متنوعة الاطباق كلما مددت يدك لتناول طبق سارعوا بسحبه ليضعوا أمامك طبقا آخر لا تستطيع ايضا ــ من السرعة او السربعة ــ ان تتناوله.. وهكذا.. كان الطعام شهيا مغريا لكننا خرجنا جائعين وبدا الفيلم مجموعة مشاهد متلاحقة اقرب للتسجيلية وان قام بتجسيدها ممثلون كانوا على درجة عالية من الاتقان مثل خالد الصاوي (عبد الناصر) وهشام سليم (عبدالحكم عامر) وجميل راتب (محمد نجيب) وعبلة كامل (تحية كاظم) وغيرهم وكان اداؤهم هو اكبرحسنات الفيلم فقد بذلوا مجهودا هائلا في التقمص. ان العمل الفني اذا لم يدخل في دم الناس ويبدأ في التوالد والتناسخ يصبح عملا مدرسيا يشبه كتابه شهادات الميلاد او الكتابة على شواهد القبور. كذلك فان النيات الطيبة المفروش بها الطريق الى جهنم لايبرر الاخطاء التاريخية المؤلمة التي وقع فيها الفيلم ان مثل هذه الافلام تحتاج الى مراجعة صارمة والا وقعت في خلط بين ما تقوله الوثائق وما يتردد من انحرافات السياسة (فليس صحيحا ان عبد الناصر فاوض اليهود في حرب فلسطين بعد حصار الفالوجا. ان الاسرائيليين يعترفون بهذه الحقيقة في روايتهم الرسمية عن حرب فلسطين وعنوانها العبري (قولدوت ميلحيممت هكوميميوت) الصادرة عن جيش الدفاع الاسرائيلي والتي ترجمتها الى العربية مؤسسة الدراسات الفلسطينية واصبحت متاحة للجميع. وفي الرواية الاسرائيلية ان المفاوضات جرت بين ايجال الون وقائد القوة المحاصرة في الفالوجا الاميرالاى (عميد) سيد طه الذي اشتهر بلقب (الضبع الاسود) ولم يشر سيد طه او ايجال الون اوالوثائق الاسرائيلية الى عبدالناصر الذي كان رئيس اركان الكتيبه السادسة,, واستغرق اللقاء نصف ساعة وجرى في كيبوتس اسمه جات يقع على بعد 5 كيلومترات في الفالوجا وعرض آلون على طه علاج المصريين في المستشفيات اليهودية وعرض عليه الاستسلام لكن طه رفض عروضه واعلن انه سيموت هو وجنوده ولن يستسلم واثناء ذلك كان عبدالناصر صامتا ولم ينطق بكلمة واحدة. وقد عهد لهذه المفاوضات ضابط الاتصال الاسرائيلي بروهام كوهين الذي نشر روايته في صحيفة (جويش اويزرفر) اند ميدل ايست ريفيو) في سنة 1953 وترجمتها مجلة (التحرير) المعبرة عن الثورة وفيها ان مهمته كانت الترتيب للقاء ايجال آلون وسيد طه .. ومن جانبه بدأ جمال عبدالناصر غير مرحب بمهمتي وكان صارما متحفظا متشككا كثيرا في مهمتي وكل ما كان عليه هو ان ينقل رسالتي الى القائد سيد طه.. وكان على سيد طه الحصول على موافقة قيادته العامة التي قبلت الامر على انه اجراء ضروري لاتساع المجال لرجال الصليب الاحمر لاخلاء الجرحى. وفي (ملفات السويس) يقول محمد حسنين هيكل ان عبد الناصر وكوهين التقيا بعد ذلك في سنة 1950 بعد ان كلفت قيادة الجيش المصري عبدالناصر بدخول الارض المحتلة في صحبة كوهين, ليرشد عن موقع مقبرة كانت قواته قد دفنت فيها 450 جثة من جثث القتلى الاسرائيليين وقضى عبد الناصر 24 ساعة في صحراء النقب ارشد فيها الى موقع المقبرة وشهد بداية ظهور الجثث. ان تنوع هذه المصادر وتوافرها لايجعل لصناع الفليلم عذرا في هذه القضية الحساسة التي يمكن اساءة استعمالها الان من انصار التطبيع مع اسرائيل الذين يرتدون قميص السلام, ولا مانع من ان يرتدوا فوقه قميص عبدالناصر في محالة (فاشلة) للبحث عن ادلة تاريخية واهية تدعم اندفاعهم للهاوية. وهناك خطأ تاريخي في الفيلم يرقى الى مستوى الفضيحة هو وجود بن جوريون في السلطة في اسرائيل بعد هزيمة يونيو 1967 فالمعروف ان رئيس الوزراء الاسرائيلي في ذلك الوقت كان ليفي اشكول والمعروف ان بن جوريون اعتزل الحياة العامة بعد كشف دوره الخفي في فضيحة لاغون وكان ذلك في مايو 1964 وقضى ماتبقى من عمره وحيدا في كيبوتس متواضع في صحراء النقب اسمه (سدي بوكر) وفي الفيلم ان الناس هتفت (ناصر.. ناصر) عند توزيع الاراضي على الفلاحين المعدومين بعد الاصلاح الزراعي وهذا خطأ والصح ان هذا الهتاف جاء من السوريين بعد الوحدة في فبراير 1958. وفي الفيلم اخطاء في الاكسسوار والديكور لامبرر لها سوى السربعة وعدم الاتقان فالدبلة التي يضعها عبدالناصر في يده فضية.. وهذا غير صحيح والقلم الذي ظهر به وهو يكتب (فلسفة الثورة) في بداية الخمسينات هو نفسه القلم الذي ظل على مكتبه حتى منتصف الستينات ناهيك ان محمد حسنين هيكل الذي لم يشر الفيلم اليه تماما هو المؤلمف الحقيقي لكتاب (فلسفة الثورة) وظهر عبد الناصر في الفليم وهو يشرب الشاي في (مج) من الصيني وهو مالايعرفه الناس الا مؤخرا وكانت هناك اخطاء كثيرة من هذه العينات وهو مايعني ان اهم شخص في الافلام التاريخية كان غائبا عن الفيلم وهو المؤرخ ودارس العصر الذي تدور فيه الاحداث وهي سذاجة من صناع الفيلم كان عليهم تجاوزها والا احتفظوا بالتاريخ في ثلاجة. ولاجدال انني احترم حماس انور قوادري للفيلم واعرف عن قرب حبه لعبد الناصر وتابعت العقبات التي واجهها وضعف الامكانيات التي استخدمها لكن الجمهور لاذنب له والنقاد وظيفتهم المحاسبة لا التبرير ثم انه من لايقدر على مثل هذه الافلام لماذا يصنعها؟ ان صانع الفيلم الموهوب تكبر احداث الفيلم على يديه.. وعبد الناصر على اهميته ودوره لايكفي لاطلاق مخرج تنقصه الدقة وتنقصه السيطرة على التاريخ وعلى ادواته الا التصوير والمونتاج. هذه هي القضية الحقيقية في فيلم (عبدالناصر) اما قضايا الاعداء الخاصة بتشويه صوره عبد الناصر الى حد السواد والهباب وقضية الاصدقاء الخاصة بتبيض صورته الى حد الشحوب والضباب فهي قضايا وهمية نتوحم عليها مع اننا نعرف انها مثل الحمل الكاذب. ان قوانين الطبيعة لا تسمح لاحد ان يبقى خالدا في الزمان والمكان لا الشمس تستمر طوال اليوم ولا القمر يبقى مضيئا طوال الشهر ولا الشجر يثمر في كل المواسم, والزعماء وعلى رأسهم جمال عبدالناصر هو جزء من هذا النظام الدقيق الذي يحكم العالم والكائنات ولا يمكننا ان ندعي انه شمشون الجبار او انه الشيطان.. لذلك لانقبل بما يقوله خصومه وبما يقوله مريديه ونصبح في حاجة لمن يقول لنا الحق والحقيقة وهي مهمة ستتكفل بها الايام وحتى تتحقق لابد ان نعترف بأننا لانزال في حاجة الى فيلم عن جمال عبدالناصر.