المتابع للصحافة الاسرائيلية يعجب لمدى النقد اللاذع والحاد الذي يتعرض له بنيامين نتانياهو منذ صعوده الى السلطة في اسرائيل, وكيفية استمراره في السلطة رغم هذا الكم الكبير من النقد, فقد تم استخدام كل التعابير في وصفه , مخادع, كاذب, معتوه, مغرور, متطرف, لا يحترم تعهداته.. وترافق هذا العداء من الصحافة الاسرائيلية مع مجموعة من الازمات التي عانت منها حكومته خلال ولايتها, من فضيحة بارعون التي عرضت نتانياهو الى استجواب الشرطة, الى فضيحة الموساد في عمان ومؤخرا في سويسرا, مرورا بأزماته مع امراء الليكود على رأسهم بني بيغن, ومن ثم مع ديفيد ليفي الذي انسحب من حكومته.. وفي كل مرة كان يسود الاعتقاد بان حكومة نتانياهو وصلت الى نهاية عمرها الذي طال اكثر مما ينبغي, ولكن في كل مرة ايضا يتجاوز نتانياهو ازماته ويدهش الجميع. وبالعدوى بنى الكثير من المحللين والمراقبين العرب تحليلهم لاوضاع المفاوضات العربية ــ الاسرائيلية عموما, والفلسطينية ــ الاسرائيلية خصوصا, والاستعصاء الذي تعاني منه, على اساس من اداء نتانياهو التفاوضي الذي لايجد استجابة له في الشارع الاسرائيلي, لذلك يضعون هذا الاداء في مواجهة المجتمع الاسرائيلي, وحتى فى مواجهة اعضاء حكومته, وبناء على هذه المواجهة يعتبرون ان عمر حكومة نتانياهو في السلطة قصير, وهي ساقطة لا محالة, خاصة في ظل تتابع الازمات التي تعاني منها, والتي تعبر عن عدم الرضى الاسرائيلي الرسمي والشعبي عن نتانياهو, وما يستخلص من هذا التحليل تصريحا او تلميحا, هو ان سقوط نتانياهو يعيد مسيرة السلام الى سكتها الطبيعية, لتواصل سيرها الى نهايتها السعيدة, فهل من الصحيح ان مسيرة المفاوضات مرتبطة بشخص نتانياهو ليس الا؟ ان تحليل الاوضاع في اسرائيل ارتباطا بشخصية نتانياهو فيه الكثير من التعسف واسقاط الرغبات على الواقع الاسرائيلي, فعند كل ازمة صغيرة ام كبيرة تواجه حكومة نتانياهو نجد عشرات الاقلام التي تنبرى لتحليل الوضع الاسرائيلي على قاعدة ان هذه الازمة المسمار الاخير في نعش حكومة نتانياهو, او في احسن الحالات بداية النهاية لهذه الحكومة, وكأن الرغبة في سقوط حكومة نتانياهو يعمل على اسقاطها فعلا, وان سقوطها يزيل العقبات امام مسيرة السلام التي تلفظ انفاسها الاخيرة. لم يأت نتانياهو الى السلطة عبر مؤامرة, وانما عبر صناديق الاقتراع, وهذا ما يعرفه الجميع, لكن بعض المحللين لايرغبون بقراءة هذه الواقعة قراءة صحيحة, والتي لها دلالاتها ليس على مستوى ما يجري في سدة السلطة في اسرائيل فحسب, بل وعلى مستوى ما يجري في الشارع الاسرائيلي من تحولات, اي ان مجتمعا اسرائيليا قال كلمته في هذا الشأن, وهذه الكلمة لها دلالاتها في التحولات التي تعرض لها الشارع الاسرائيلي خلال السنوات الاخيرة, واختيار نتانياهو من الشارع الاسرائيلي لمنصب رئيس الوزراء يعبر عن هذه التحولات, دون ان يعني ذلك الغاء الانقسام القائم في اسرائيل منذ ايام حزب العمل حول خيارات اسرائيل المستقبلية في المنطقة, لكن هذا الاختيار يعني ان هناك ميل في الشارع الاسرائيلي نحو خيار الليكود في مواجهة خيار حزب العمل, ففي الوقت الذي عبر حزب العمل عن توجهاته المستقبلية على قاعدة التحول الى الشرق الاوسط على اسس تفوقية, مما جعل شمعون بيريز رئيس الوزراء السابق يصيغ فكرة (الشرق اوسطية) التي تعمل على اعادة انتاج دور اسرائيل المحوري في المنطقة على اسس تفوقية اقتصادية وسياسية وامنية.. لكن هذا الخيار ليس الخيار المستقبلي الوحيد المطروح على اسرائيل, فهناك خيار الليكود الذي يتمثل في الحفاظ على السور الحديدي الذي يطوق اسرائيل في مواجهة المنطقة, من اجل ربط اسرائيل بالعالم الاول من خلال توقعات الليكود لانجازات اقتصادية ترفع من مستوى الدخل في اسرائيل لدرجة تجعلها حسب منطق الليكود تستحق ان تدرج في قائمة الدول الاكثر تقدما, وهذا ما عبر عنه نتانياهو في اكثر من مناسبة وخيار نتانياهو بالنسبة للشارع الاسرائيلي كان خيار العزلة, وهو التفكير السائد في الشارع الاسرائيلي, وبالعودة الى نتائج انتخابات رئاسة الوزراء في اسرائيل, فإن الفارق بين شمعون بيريز ونتانياهو كان 0.5 في المائة ولكن اذا استثنينا الصوت العربي في الانتخابات, واخذنا الفارق في الاصوات بين اليهود فقط فإن الفارق بينهما يرتفع الى 10 في المائة, وهو فارق كبير له دلالاته في الشارع الاسرائيلي, ان جنوح المجتمع الاسرائيلي نحو اليمين هو ما يفسر ظاهرة نتانياهو, وهذا الجنوح يأتي في مواجهة فكرة (الشرق اوسطية) التي طرحها شمعون بيريز, على اعتبار ان هذه الفكرة من وجهة نظر الليكود تشكل خطرا على اسرائيل بتحويلها الى دولة شرق اوسطية, وان يكن من مواقع تفوقية, وهذا الطرح يستجيب لرغبة الشارع الاسرائيلي بعدم الاندماج في المنطقة, والذي لا يرى نفسه ينتمي اليها, وانما يعتبر نفسه امتدادا لاوروبا في المنطقة, لذلك, لا يمكن تفسير ظاهرة نتانياهو بمجموعة العمليات الانتحارية التي حصلت قبل الانتخابات الاسرائيلية, وبطبيعة الحال فإن المجتمع الاسرائيلي الذي لا يعتبر نفسه ينتمي الى المنطقة, يرى في طروحات الليكود الداعية الى تطوير اوضاع اسرائيل, وتحديدا الاقتصادية, لتحويلها الى جزء من العالم الاول, لا الى بلد شرق اوسطى, استجابة وملامسة لرغباته, وبمعنى آخر يجد الليكود بيئته الملائمة في دغدغة طموحات الاسرائيليين بتوجههم الى الغرب, ان هذا يعكس نفسه. في سياسية استعلائية تستند الى القوة في تعاملها مع العرب, على قاعدة ان قوة اسرائيل وازديادها يعملان على فرض الحلول التي تناسبها. لم يقتصر تأثير جنوح المجتمع الاسرائيلي نحو اليمين على صعود الليكود الى السلطة وتدعيم مواقع اليمين, بل اثر ذلك على حزب العمل, حيث تراجعت قوة الحمائم لصالح الصقور, وتربع على رأس الحزب ايهود باراك الذي كانت خياراته بين انضمامه الى حزب العمل او الليكود متساوية, واقترابا من ميول الشارع الاسرائيلي اليمينية تجد في البرنامج الانتخابي الذي خاض به شمعون بيريز الحمائمي الانتخابات الاخيرة في اسرائيل كان اقرب الى برنامج حزب الليكود. ان تفسير استعصاء المفاوضات بشخص نتانياهو, لا بعدم جاهزية المجتمع الاسرائيلي للسلام, فيه الكثير من الرغبات غير المبنية على وقائع اسرائيلية, فسواء بقي نتانياهو ام سقط فإن جنوح المجتمع الاسرائيلي نحو اليمين, سيعيد انتاج ظاهرة شبيهة, حتى من حزب العمل مع خلاف في التفاصيل ليس الا, فقضايا الحل الانتقالي التي يختلف الحزبان عليها لم تعد مطروحة الا استكمالا, ومفاوضات الحل النهائي يتطابق موقف العمل والليكود منها الى حد كبير, ودون جاهزية المجتمع الاسرائيلي للسلام فإن اي قادم الى السلطة في اسرائيل سيعيد انتاج جوهر سياسة نتانياهو وان اختلفت التفاصيل.