في اجواء المباريات المحمومة التي تشهدها مسابقة كأس العالم لكرة القدم, ووسط الاهتمام الكبير بحبوب الفياجرا وثورتها في (تفعيل) الفحولة لدى الرجال, بدا خبر العدوان على القرآن الكريم, اصل الثوابت لدى المسلمين, ضئيل في حجمه, غير مثير او لافت للنظر في حقيقته, وقبل ان ينسب هذا القول الى التشاؤم, او المبالغة في تقدير القضايا وحجمها تبدو ثمة ضرورة في الاشارة الى طبيعة ذلك العدوان وخطورة آثاره حيث تعد الغفلة الغريبة المشهودة خطرها على الاطلاق. مظاهر الانتهاك تجلى العدوان على القرآن الكريم في عدة صور, اهمها اختلاق (سور) ونسبتها الى القرآن الكريم على انه كلام الله, ومن الوحي المنزل على النبي محمد عليه الصلاة والسلام. فهناك (سورة) اطلق عليها (سورة التجسيد) , تشتمل على خمس عشرة, آية, و(سورة الوصايا) في ست عشرة آية, و(سورة المسلمون) في احدى عشرة آية, وسورة الايمان في عشر آيات, وهذه الاخيرة تتناول المسيح عليه السلام وحوارييه, ونص هذه السورة كما وردت في شبكة الانترنت: واذكر في الكتاب الحواريين اذ عصفت الرياح بهم ليلا وهم يبحرون (1) اذ تراءى على المياه لهم طيف المسيح يمشى, فقالوا: اهو ربنا يهزأ بنا ام قد مسنا ضرب من جنون (2) فجاءهم صوت المعلم ان لا تخافوا اني انا هو افلا تبصرون (3) فهتف هاتف منهم يقول: ربي مرني ان كنت حقا هو, آتي على المياه اليك, عسى ان يبدل الله شكي بيقين (4) قال فاسع الي ولتكن للناس آية لعلهم يتذكرون (5) واذ طفق الحواري يمشي رأى شدة الريح فخاف وبدأ يغرق فصاح بربه يستعين (6) فمد بيمينه له ناقذة بها وقال: يا قليل الايمان هذا جزاء الممترين (7) واذ ركب السفينة معه سكنت الرياح لتوها, فسبح الحواريون بحمده وهتفوا له قائلين (8) انت هو ابن الله حقا, بك نحن آمنا, وامامك نخر ساجدين (9) قال: طوبي للذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بشك فأولئك هم المفلحون (10). وللمتأمل في (السورة) السابقة المزعومة ان يتبين مدى ركاكة الفاظها ورداءتها, ويقف على المعاني والاهداف التي تقصدها وهي بالمناسبة ــ تتشابه مع (السور) الاخرى المختلقة والتي وردت في موقع (ياهو) في الشبكة. وتهدف جميعها الى اللبس على القارىء, وخلط مضامين فكر ثقافي معين معروف بنصوص القرآن الكريم المستهدفة (بفتح الدال). ويذكرنا هذا الاختلاق بمحاولات قديمة قام بها مسيلمة الكذاب وغيره من مدعي النبوة وتلقي الوحي, وهي محاولات بائسة, كانت حافلة بالعبارات السخيفة والمثيرة للضحك والسخرية والاستهجان سرعان ما كشفها اصحاب الطبائع السليمة ولفظتها. يضاف الى النماذج المتقدمة في العدوان على القرآن الكريم, النصوص الواردة في الشبكة للشركة ذاتها (امريكا اون لاين) في الاساءة الى النبي محمد عليه الصلاة والسلام, او تقديم معلومات خاطئة ومشوهة, من ذلك ما نسب اختلاقا الى النبي انه قال: ان الشيطان يقيم على طرف انفك في الليل, وعلى ذلك يجب طرد المخاط القذر ببعض الماء داخل الانف في الصباح. ازاء تلك الانتهاكات لصميم الاسلام ورموزه, يتبادر على الفور التساؤل التالي: ما الذي ينبغي فعله لصد ذلك العدوان وكشف زيفه وبطلان مظاهره؟ وقبل الاجابة على هذا التساؤل الذي احسبه مطلوبا ومشروعا يجب التأكيد على ضرورة اعلان الغضب العام تجاه هذا الانتهاك الخطير على ألا يتوقف الامر عند هذا الحد, بل يجب ان يستدعي معالجة شاملة, بحيث لا يقتصر على ردود الافعال الآنية, والتي تعودنا عليها في مثل هذه الاحوال. والمثير للدهشة والاستغراب ان مجرد اعلان الغضب تجاه العدوان على القرآن الكريم ورموز الاسلام قد غاب عن الساحة العربية والاسلامية في هذه المرة, ناهيك عن خطوات عملية تتناسب مع حجم الجرم المقترف. ولاشك ان هذا الموقف المخذل يشير الى وجود ازمة حضارية كبرى, حيث يعد غياب الوعي الفكري والغيرة على المقدسات ابرز مظاهرها. ومما يزيد الم المرء استرجاع ذاكرته لذلك التفاعل الذي كان يشهده الشارع العربي والاسلامي لحوادث ربما كانت تقل في خطورتها عن تلك التي نحن بصدد الحديث عنها, ويذكر الجميع الحريق الذي استهدف المسجد الاقصى في عام 1969, واستنفار العالم الاسلامي بأسره واجتماع قادته لبحث سبل مواجهة تلك الجريمة. وقد كان ذلك الحريق سببا في انشاء منظمة المؤتمر الاسلامي, وعقد القمم الاسلامية منذ ذلك الحين. واذا كانت الواقعة الاخيرة ــ على الرغم من خطورتها ــ لم تنل الحد الادنى من الاهتمام, فإن ذلك لايعني ان الساحة قد عدمت من اصوات محذرة ارتفعت هنا وهناك غير ان معظم هذه الاصوات قد حصرت دعوتها في مقاطعة مصدر نشر هذه المعلومات ومحاصرته, ولعل ذلك يدعونا الى البحث عن وسائل اخرى لمعالجة تلك المشكلة, ربما تكون اهم من دعوة المقاطعة. الاولى من المقاطعة مع التقدير للوجهة الداعية لمقاطعة الشركة التي سمحت ببث تلك المواد والنصوص المحرفة, المسيئة الى الاسلام ونبيه, الا ان اثر المقاطعة سيظل محدودا, وذلك بالنظر الى عالمية الشبكة وانتشارها الواسع, والتزايد الهائل في اعداد المشتركين فيها والمرتادين للمواقع المختلفة المتاحة بها بالاضافة الى الصعوبة الكبيرة في التحكم في الاطلاع على مثل تلك المعلومات. ولن يكون للمقاطعة وزن ذو قيمة اذا لم يكن هناك اجماع او شبه اتفاق على تبني هذا الموقف. ولاشك ان الواقع العربي والاسلامي يلقي بظلاله القاتمة على كافة الشؤون, مما يدفعنا الى عدم توقع استجابة حقيقية للازمات الثقافية التي نتعرض لها. بقي ان اشير الى انه على الرغم مما ذكرته في شأن المقاطعة, فإن ذلك لايعني ــ بطبيعة الحال ــ التهوين المطلق من شأنها او استبعادها, بل لعلها تكون مطلوبة ومشروعة, لكنها لا تمثل الاهمية التي تحققها فكرة المبادرة ببث مضامين ومواد ثقافية اسلامية صحيحة, تعبر بحق عن وجهة نظر الاسلام عقيدة وشريعة واخلاقا. ولاشك ان مستخدمي شبكة الانترنت, الباحثين عن المواد ذات الصلة بالاسلام, اذا عدموا المواد الاصيلة تهافتوا على المتاح منها, دون فرز بين الصحيح والعليل, خاصة اذا كان مرتادو الشبكة ومستخدموها ممن ضحلت لديهم المعلومات حول اصول الثقافة الاسلامية وقواعدها. او كانوا من غير المسلمين الراغبين في التعرف على هذا الدين وخصائصه ومصادره, فعند ذلك يكون الخطر اشد والاثر اعظم.