دار حديث طويل عن التغيير والارتحال والتنقل والهجرة, بين الكاتب أنيس منصور, وأحد المهاجرين المصريين إلى أمريكا, ومن بين تفاصيل ذلك الحوار بقيت في ذاكرتي هذه الجملة: (انهم هناك في أمريكا يفكرون بمنطق الطيور, والناس في العالم العربي تعيش بعقلية الأشجار) ! وقفت كثيرا عند هذه الجملة, وراجعت كل القناعات والمعتقدات المرتبطة بقضية التنقل والارتحال عند العربي المعاصر فوجدت كلام المغترب المصري سليما إلى حد بعيد. وحينما قلبت ديوان الامام الشافعي عثرت على هذين البيتين: إني رأيت وقوف الماء يفسده ان ساح طاب وإن لم يجرِ لم يطب والشمس لو وقفت في الفلك دائمة لملها الناس من عجم ومن عرب وصيفنا في كل عام ساخن, لكنه يزداد سخونة هذا العام بسبب ظاهرة (النينيو) الطبيعية التي ترفع درجة حرارة الكرة الأرضية في كل مكان. لكن الأكثر حرارة هو ما يدور في كواليس التربية, فالدكتور علي عبدالعزيز الشرهان قد عزم وتوكل وباشر عزمه في إصلاح ما أفسده الدهر بالتعاون مع البيروقراطية الداخلية في دهاليز التربية والتعليم. وبما ان الأمور رهن بمقدماتها ــ كما يقولون ــ فإن أعدادا كبيرة من جمهور (التربية والتعليم) توجه كل حواسها يوميا إلى مؤشر الوزارة, تماما كما يضع المتعاملون في (وول ستريت) كل حواسهم على مؤشرات (داو جونز) و(نيكي) قلقا وانتظارا وأملا! لقد بدأ الدكتور علي الشرهان باكرا, وكانت خطوات التغيير والإحلال في مكانها حتى الآن, ومازالت أماكن كثيرة تنتظر دورها تغييرا وإحلالا سواء في الوزارة أو المناطق التعليمية أو المدارس التابعة لها. وعودا إلى حديث المهاجر فهناك الكثير ممن يفكر بعقلية الأشجار التي تبذر وتنمو وتكبر وتشيخ ثم تموت في التربة والمكان نفسه, فإذا كانت الأشجار تثمر وتعطي حتى الرمق الأخير, فهذه موهبة من اختصاص الأشجار فقط, لكن الانسان الذي يتمسك بمكانه ووظيفته حتى يفارق الحياة أو تقوم الساعة فلا يشبه الأشجار إلا في منطق البقاء ــ عنادا ــ وعدم الرغبة في الرحيل, وهنا لابد من أيد شجاعة تستطيع توجيه هؤلاء إلى أماكنهم الصحيحة. من كل قلبي أتمنى ان يضع الدكتور الشرهان وزير التربية والتعليم عينيه اليقظتين على إدارات المدارس وبلا استثناء, ذلك ان بقاء الماء راكدا في مكانه كل هذه السنوات يفسده بلاشك, ويفسد البيئة المحيطة به, الادارة ماء الحياة لكل المحيط المدرسي, فإذا فسدت فسد كل شيء حولها. هذه حقيقة. هناك إدارات مدرسية أفسدها طول بقائها في المكان ذاته, بلا تحريك, بلا رقابة, بلا تقييم أداء, بلا تنشيط, بلا قياسات دقيقة وإحصاءات نزيهة. فدبّ فيها الوهن, وتلون الفساد واستشرى حتى وصل إلى درجة الظلم! واستغلال المنصب, وتأخير مسيرة التعليم في المدرسة, وتعطيل الأهداف, فانقسمت بعض المدارس إلى حزبين, حزب خائف وحزب ناقم على الادارة وبينهما فئة لامبالية تصلح ان تدرب لتكون طابورا خامسا لمدير أو مديرة المدرسة. العجيب ليس الفساد فهذا سمة عالمية, العجيب ان يتصالح الانسان معه وأن يبرره أحيانا! فنتمنى ان يكون عند الوزير حل لهؤلاء, فالبناء لا يستقيم اذا كنت تبنيه وغيرك يهدم.