يقدم الحصاد الفكري والسياسي لجولة الشيخ ياسين الاقليمية الموسعة بين مارس ويونيو ,1998 مدخلا لإعادة النظرفيما أعتقد كثيرون انه حقائق تتعلق بالدور السياسي للرجل في إطار حركة حماس ايضا, من يتدبر نتائج الجولة ومعطياتها قد تعتريه الدهشة من الطريقة التي طرح بها ياسين نفسه وحركته, ومن نوعية الاستقبال التي تلقت بها القوى المضيفة هذا الطرح . على امتداد عقد كامل, منذ نشأة حماس, نظر المتابعون إلى الشيخ ياسين باعتباره زعيما روحيا للحركة, ومفهوم الزعامة الروحية ينطوي أحيانا على تقليل من شأن ملكات صاحبه الحركية واللوجستية, بحيث يعد تعبيرا عن مجرد القدرة الرمزية والشكلية, وفي حقيقة الأمر, ينبغي الاعتراف بأن هذا المضمون سيطر على الأذهان لاسيما بين المراقبين عن بعد, الذين لم يقدر لهم الاحتكاك المباشر بالشيخ عن كثب. كان الاعتقاد الرائج قبل الجولة, ان مهمة الشيخ قد بلغت غايتها بقيام حماس وتجذرها في خارطة السياسة الفلسطينية, وأن جيلاً تالياً أكثر شبابا من الناحية العمرية, وأقوى على تحمل مشاق الحركة السياسية, هو الذي بات منوطا به التصدي لمرحلة ما بعد النشأة, وغالبا ما كانت تأتي الاشارة إلى دور الشيخ في سياق متحفظ, وأقصى ما بلغه البعض في تقييم هذا الدور, هو النظر إليه كمرجعية يمكن استبصار رأيها في المواقف الاستثنائية, بغير التزام صارم بهذا الرأي. وكان مما يشجع على مثل هذا التقييم, الحالة الصحية للشيخ أساسا والمرحلة السنية التي يمر بها نسبيا, فضلا عن تعرضه للابتعاد قسرا, بالسجن الممتد, عن مجريات العمل اليومي للقضايا بالغة التعقيد, التي يتعين على أي زعيم حركي مواجهتها في الإطار الفلسطيني. والحال كذلك, قيل ان ياسين ليس مثل حسن البنا سابقا بالنسبة للإخوان المسلمين, ولا مثل الخوميني بالنسبة للحالة الإيرانية, ولا يصل حتى إلى قامة المفتي أمين الحسيني ذات حين في فلسطين ذاتها, وقيل مطولاً انه ليس مُنظرا ولا يستحوذ على مزايا الزعماء المنظرين في الحركات الإسلامية أو القومية أو الاشتراكية أو الليبرالية, والثابت بالخبرة ان من كانت تنقصه هذه المزايا, لايمكنه تسيير تنظيم سياسي يبغي اقامة نظام للحكم في دول مستقرة, وفي الحالة الفلسطينية تصبح هذه التقصية بمثابة حكم بالاستحالة. على أن هذه الفكرة المسبقة, أضحت في ضوء الخطاب السياسي للشيخ, أثناء جولته الخارجية الأولى, بحاجة إلى تأمل قد يفضي إلى تحول في مضمونها. أولاً, أثبت الشيخ حضورا ذهنيا لا شائبة فيه, كانت لديه إجابات وافية ضافية وعاجلة عن كل التساؤلات, ومناسبة لمختلف المقامات, بحيث يصعب التشكيك في صحة تحليلاته بزعم وضعه الصحي, وقد يصل بنا الأمر الى القول بأن الشيخ ياسين عرض بهذه الخصائص لنموذج يحق القياس عليه مفاده ان الزعيم الحقيقي قد يكفيه امتلاك عقل متيقظ وقاد, كي يؤدي الغرض. ثانيا: طاف الشيخ بثماني دول مختلفة النظم والأهواء والأطر السياسية, وواحدة منها ليست من النظام العربي أصلاً (إيران) ومع ذلك كان الرجل موفقا في انتقاء مفردات خطابه في كل منها, حتى ليبدو وكأنه ترك انطباعا طيبا لديها جميعا, وبشيء من التحليل, ربما أدركنا ان هذه المفردات ركزت على القضية الفلسطينية بصبغتها التقليدية, كقضية جامعة, تجد كل الدول العربية والإسلامية ما يخصها منها, وهذه ميزة كادت القضية تفقدها في غمرة التركيز على بعدها الفلسطيني الذاتي بذريعة القرار الوطني المستقل, وليس هنا مكان التفصيل فيما آلت إليه هذه الذريعة, لكن الذي نفهمه مع كثيرين, ان إعادة شغل الأمة العربية والإسلامية بالقضية ووضعها على أجندتها مجددا هو مكسب يُعتد به. ثالثا: كان الشيخ حريصاً على المسافة بين تناقض حماس مع السلطة الفلسطينية والإنجرار الى معركة داخلية لحسم هذا الخلاف, وفي الوقت نفسه, أظهر وعيا بالغا بطبيعة الرحلة التي يخوضها الجانبان. فخطاب السلطة يواجه مأزقا حقيقيا, فيما يواجه خطاب حماس بصدقية اكبر, وليس ثمة وقت انسب من هذه المرحلة, كي يمد الشيخ وحركته الايدى الى السلطة لتضافر الجهود, ويعلم الشيخ تماما استحالة التوفيق بين بنية السلطة واهدافها وبنية حماس واهدافها في ظل اوسلو وقيوده, وهنا, يكسب الشيخ الشارع العربي والاسلامي, بلا ثمن يدفعه من مبادىء حركته, فمن يمكنه العزوف عن خطاب يقدم البديل من ورطة المرحلة ممثلا بالوحدة الجهادية بين اجنحة العمل الفلسطيني, بعد ان ثبت زيف الخطاب الآخر؟ رابعا: طرح الشيخ وساطته بين عرب وعرب وبين العرب والايرانيين وتحدث عن قوة الباكستان النووية, وعن مستقبل اسرائيل والصراع الممتد معها مع امكانية مهادنتها دون التنازل عن الحقوق التاريخية الفلسطينية, وتطرق الى النظام الدولي وقرارات الشرعية الدولية.. وهو في ذلك كله بدا كصاحب موقف متكامل اشبه بمواقف رجل الدولة, لا زعيم حركة صغيرة في محيط اقليمي ودولي متلاطم, وبذلك, قد يجدر بالمحللين اخذ اطروحات حماس الفلسطينية والاقليمية والدولية على محمل الجد, او بصفتها طرفا لن يتم تجاوزه بالسهولة المتصورة من جانب البعض, بصيغة اخرى, اراد الشيخ القول: ان حركته وجدت لتبقى ضمن المعادلة الفلسطينية والاقليمية والدولية في هذه المنطقة من العالم. خامسا: تتصاعد اهمية الملاحظة السابقة, بالنظر الى مستوى الاستقبال الذي حظي به الشيخ, هناك معان لاينبغي تجاهلها, تستقي من لقاءات الشيخ مع اصحاب القرار في كل الدول التي زارها, فبغض النظر عن الاسباب الحقيقية لهذا المستوى من الاستقبال, والتي قد تتفاوت بين النظم والقيادات العربية والاقليمية, فان ما يفهم للوهلة الاولى, هو وجود قدر من الرضا عن الحركة وزعميها, وبالتداعي عن خطابها السياسي. والتقدير العام, ان هذه الخصائص لا تصدر عن قيادة وحركة قليلتي الشأن, فان احسن الطرف الفلسطيني ضمهما الى ملفه وافسح لهما مكانا في تفاعلاته الداخلية والخارجية, فسوف يثريا الحقيقة السياسية الفلسطينية على هذين الصعيدين.