وقف العرب ممثلون في الشريف حسين بن علي مع بريطانيا ضد الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الاولى, ومع ذلك حل بهم ما حل . ترى لو كانوا وقفوا ضدها ما الذي كان سيصيبهم؟ وهل كان وضعهم سيصبح افضل ام أسوأ؟ اعترف بأن هذا السؤال يراودني دائما, في كل مرة تقع عيناي فيها على معلومات تخص تلك المرحلة. طبعا الاجابة عليه لن تغير مما حدث شيئا, لكن من شأنها ان تضييء أمامنا الطريق للتعامل مع الحالات المماثلة, والتي للأسف لا تزال تطرح اليوم كما كانت تطرح بالأمس. لقد صدق العرب الوعود البريطانية, أولا في نيل الاستقلال وتحقيق الوحدة العربية, وثانيا في الموقف الحيادي من فلسطين. وفي كلتا الحالتين خدعتهم بريطانيا ونكثت بوعودها لهم في الاولى سارعت ما أن انتهت الحرب العالمية الاولى الى تقاسم المنطقة العربية بينها وبين فرنسا فيما عرف باتفاقية سايكس ــ بيكو. حيث أخضعت سوريا ولبنان للاستعمار الفرنسي, بينما أخضعت فلسطين والمناطق الواقعة شرقي نهر الاردن تحت الانتداب البريطاني. أما في الثانية فقد كانت الخديعة والغش مضاعفا. فبينما كانت بريطانيا تعمل على كسب ود العرب وتطمئنهم بأنها تقف الى جانبهم وأنها لن تسمح لليهود باحتلال الوطن الفلسطيني عبر الهجرة, فقد كانت في الوقت نفسه تهيىء لوعد بلفور حول الوطن اليهودي في فلسطين, بالرسائل والتطمينات لقادة الحركة الصهيونية وقد اتضح فيما بعد أن التطمينات الأخيرة كانت هي الحقيقية والمعبرة فعلا عن الموقف البريطاني, أما تلك التي كانت تعطى للعرب فهي مزيفة, هدفها هو التضليل والمناورة وكسب الوقت. والمؤلم ان الساسة البريطانيين كانوا يمارسون ذلك عن عمد وقصد, لم يكونوا مضطرين اليه. نعود الى سؤالنا السابق حول ما إذا كان العرب وقتها يملكون خيارا آخر غير تصديق وعود بريطانيا وأكاذيبها. اذا نظرنا الى السياق العام للظروف في تلك الفترة, فانه لم يكن ممكنا للعرب أن يراهنوا مثلا على الدولة العثمانية. خاصة بعد تزايد المؤشرات على قرب انهيارها وسقوطها المحتم. وبالتالي لم يكن لهم أن يضعوا بيضهم في سلة لا قعر لها. غير أنهم أيضا لم يكونوا مضطرين للسير خلف بريطانيا ومساندتها في الحرب فعبء التخلص من الهيمنة العثمانية عليهم كان سيسقط من تلقاء نفسه مع سقوط الامبراطورية العثمانية. اضف الى ذلك ان مجالات التفاوض والمساومة كانت متوافرة الى حد كبير. ومن ثم فان العرب كانوا قادرين على صياغة خياراتهم المستقلة, وان بصعوبة ولكن الامكانية لم تكن معومة. وقد لا يكون من الممكن رد الاستعمار البريطاني او الفرنسي عن المنطقة. فالدولتان وقد خرجتا من الحرب منتصرتين, فأنهما كانتا تملكان القوة الكافية لممارسة الاستعمار واستعباد الشعوب الاخرى في ذلك الوقت. لكن الأمر سيكون مختلفا لو أن العرب بدلا من أن يذهبوا الى مصيرهم وهم مخدوعون ومضللون وفوق ذلك مطمئنين, قد انخرطوا في البحث الواعي عن كيفية التخلص من هذا المصير. او على الاقل فضحه وتكوين موقف سياسي وثقافي مضاد له. طبعا مثل هذه القراءة ربما لم تكن متوافرة في ذلك الوقت بالنظر الى الامكانيات والظروف السائدة حينها, لكنها ليست غير ذات جدوى, طالما أن هدفها هو انتزاع الدلالة والمغزى وفهمهما. فالأوضاع العربية الراهنة من وجوه عديدة لا تختلف كثيرا عن الحالة خلال سنوات الحرب العالمية الاولى. فلا تزال أهم قضايانا معلقة على حبل الوعود الأجنبية ورسائل التطمينات وتطبيق القرارات (الدولية).