هناك مثل شعبي اسباني معروف يقول: كثير من الضوضاء قليل من الجوز) والترجمة الحرفية لهذا المثل الشعبي ربما لا تكون مفهومة بالنسبة لنا نحن العرب, انها تعبر عن (حبات الجوز التي تتطلب قوة في كسرها, وتصدر اصواتا لا تدل على حجم الجوز الحقيقي الذي يمكن الحصول عليه بعد كسر تلك الحبات) , ولكن المقصود من هذه المثل يمكن ترجمته على انه (كثير من الكلام قليل من الفعل) او بمعنى اصح يصور (التصريحات العاجزة في مواجهة الفعل) وسرد هذا المثل الشعبي ليس من قبيل التفكه او التندر, ولكنه مثل يصور الى حد كبير ما يجري بالنسبة للوضع في منطقة البلقان مجددا, وهو امر يهمنا نحن العرب والمسلمين على وجه الخصوص, لانه بعد لانتهاء من تحجيم المسلمين في البوسنة والهرسك, واجبارهم على الخضوع لطلبات الصرب والكروات, والتنازل عن هويتهم ودولتهم مطلوب الآن من المسلمين في كوسوفو ايضا ان يسيروا على طريق اقاربهم في البلقان لانه غير مسموح مطلقا ان تقوم دولة اسلامية في اوروبا حتى لو كان اسلامها مجرد شعار. مسلمو كوسوفو تماما مثل مسلمي البوسنة والهرسك يؤمنون بوجود الله الواحد الاحد, ولكنهم يؤمنون بالتعددية الدينية اي متسامحون تجاه الاديان السماوية الاخرى والدليل على ذلك وجود الكثير من العائلات المختلطة بين المسلمين والصرب, اذن هم ليسو متطرفين في العقيدة او حتى عرقيا كما يحاول الصرب تصويرهم في اوروبا, ويدفعون اوروبا الى قتالهم هذه المساندة التي يتلقاها الصرب حاليا كما تلقوها من قبل في حربهم ضد مسلمي البوسنة والهرسك من خلال الشعارات الكثيرة التي ترفعها دول الاتحاد الاوروبي وحلف الاطلسي, دون تحرك حقيقي يحمي المسلمين الذين يتعرضون بالفعل لحرب ابادة وتطهير عرقي ليس لها مثيل, ولم تحدث من قبل سوى على ايدي محاكم التفتيش التي اجتاحت اسبانيا بعد سقوط غرناطة, املا في القضاء على كل اثر للاسلام في الاندلس, وهو الامر الذي نجحت فيه تلك الحرب الصليبية. العرب والمسلمون رغم التجارب المريرة المتكررة التي حدثت في تاريخهم في الاندلس والبوسنة والهرسك, وتحدث اليوم في كوسوفو وفلسطين, فانهم لايزالون يصدقون الغرب ووعوده, ومازالوا يأملون في ان يقوم حلف الاطلسي بحماية هؤلاء المسلمين العزل من السلاح, الذين تركوا بيوتهم ومزارعهم وحيواناتهم, وهاموا في الجبال بحثا عن مأوى, فيما نسمع الوعود من كل الافواه, فيما القتل والتصفية العرقية يحدثان على أرض الواقع. من خلال التصريحات التي تنطلق يميناً ويساراً, سواء من زعماء دول أوروبية, او من سكرتير عام حلف الاطلسي خافيير سولانا, او من زعماء البيت الابيض, يبدو الأمر واضحاً وضوح الشمس لمن يريد ان يقرأ الواقع, ويعود الى التاريخ البعيد والقريب, قبل ان يطلع على تلك التصريحات الجوفاء, الاتحاد الاوروبي وحلف الاطلسي بزعامة الولايات المتحدة يرفضون قبل اي شيء قيام دولة مستقلة في كوسوفو, ويرفضون اي تدخل من جانب الامم المتحدة في هذه المذابح الجديدة التي تجري في كوسوفو, تماماً كما رفضوا من قبل تدخل الأمم المتحدة بينما كان المسلمون يذبحون في البوسنة والهرسك. هذا الرفض من جانب الغرب له هدف رئيسي: التسليم بمطالب الصرب في السيطرة على الاقليم وفرض تفريغه من سكانه بالقوة والتهديد, او حتى بالتصفية العرقية الكاملة, ثم منح الصرب الفرصة في تنفيذ عمليات التصفية العرقية ضد المسلمين تحت ستار التلويح باستخدام القوة, وحتى يتم الصرب مهمتهم في التصفية بهدوء, واذا تعذر على الصرب تنفيذ اهدافهم بسبب مقاومة جيش تحرير كوسوفو يمكن الاعلان عن التراجع عن استخدام تلك القوة لمنح روسيا دوراً للبروز في السياسة الدولية, وعندما تكتمل المذبحة, وتتم التصفية العرقية يتم الاعلان عن عجز اوروبا في مواجهة القوة الصربية, ويتم وقتها اللجوء الى الأمم المتحدة كنوع من ستر العورة, وتزييف الحقائق في مواجهة العالم. الاتحاد الاوروبي وحلف الاطلسي لن يتدخلا عسكرياً الا عندما ينتهي الصرب من مهمتهم في التصفية العرقية المطلوبة ضد المسلمين, واذا كان هناك تدخل عسكري ربما يتم التدخل من جانب حلف الاطلسي اذا عجز الصرب عن تنفيذ المهمة في هدوء, لان أي عملية عسكرية يكون لها عادة عدة اهداف, اهمها وقف اعتداء او المساعدة على الاعتداء, وتلك من مهام حلف الاطلسي الرئيسية في الفترة الأخيرة!. الخطة الصربية في التصفية لم تتغير في شكلها عن الخطة التي تم تنفيذها في البوسنة والهرسك, ويؤكد كثير من المراقبين في الغرب أن تدخل حلف الأطلسي عسكرياً ربما يتم بهدف مساعدة الصرب, وان كان الستار المعلن سوف يكون شعاره (وقف المذابح) , ويؤكد المراقبون ان هذا التدخل وشيك ايضاً للمساعدة في تنفيذ هذا الهدف, لأن الوضع مختلف فيكوسوفو عنه في البوسنة والهرسك, في كوسوفو يوجد جيش تحرير كبير من الشباب المدرب القادر على مواجهة القوات الصربية, ولكنه في حاجة الى السلاح حتى يواجه التسليح المتقدم الذي تملكه القوات الصربية وريثة الجيش اليوغسلافي, وهذا السلاح يحصل عليه مقاتلو كوسوفو عادة عبر الحدود مع ألبانيا ومقدونيا, لذلك فان اول اهداف التدخل العسكري لقوات حلف الاطلسي سوف يكون التركيز على اغلاق تلك الحدود, بهدف قطعها ومنع وصول السلاح الى مقاتلي كوسوفو عبرها, وعزلهم في داخل الاقليم فيصبحون هدفاً سهلاً للقوات الصربية, التي تستطيع ان تقضي عليهم, وبعدها يمكن لحلف الاطلسي ان يدعو الى مباحثات على غرار محادثات (دايتون) يتم بعدها اجبار ماتبقى من زعماء مسلمين كوسوفو على التوقيع على وثيقة يسلمون بموجبها اعناقهم للسفاح الصربي(ميلوسيفيتش) كما جرى من قبل تسليم رقاب المسلمين في البوسنة والهرسك للصرب والكروات. السيناريو واحد متكرر, الغرب والولايات المتحدة ينظران الى العالم من خلال منظارين مختلفين ويزنان الامور بميزانين كل منهما نقيض للاخر والامم المتحدة بكل هيئاتها خاضعة لمن يملك حق (الفيتو) او يملك استخدام المصالح الاقتصادية.