الفلاسفة كالشعراء لهم أحاديث جميلة ومعبرة عن الصداقة فقد كتب أحد فلاسفة اليونان يقول: ان اصدق الصداقات هي التي لا تقوم على السعي لتحقيق هدف شخصي أو مشترك, فالمرء يمكن ان يصادق شخصا لأنه يستمتع بصحبته لكن المصيبة حين يصبح هذا الشخص مملاً بعد فترة من الزمن ! ارسطو فيلسوف اليونان الكبير يقول: ان الرجال الطيبين يصادقون رجالا ينسجمون مع طبيعتهم الطيبة ولذلك تستمر صداقتهم فقط طالما بقيت الطيبة تملأ قلوبهم, ومادامت الطيبة من صفات البشر الدائمة لا الطارئة فالصداقة ستبقى للأبد. اذا كان هذا كلام أهل الفلسفة والاجمل منه كلام الشعراء, فماذا يقول اهل السياسة في هذا الشأن, وهل نصدق أهل السياسة حين يتحدثون عن هذا المفهوم؟ اذكر من جملة أقوال أدلت بها المرأة الحديدية مارجريت تاتشر حين كانت تسكن (10 داوننج ستريت) في بريطانيا كرئيسة وزراء, جملتها الشهيرة التي اقتبستها من مثلها الأعلى, ونستون تشرشل: (ليس في السياسة صداقات دائمة أو عداوات دائمة, هناك فقط مصالح دائمة) . ولكن الساحة السياسية في أيامنا هذه تسمح بالقليل من الحب الى جانب هذا الكثير من العنف الذي يقبض بيد من فولاذ على عنق العالم, وهاهو كلينتون يصرح علنا بصداقته لتوني بلير, ويبكي على وفاة (الصديقة) الاميرة ديانا, ولكن أكثر اعلانات الحب والصداقة سخافة وسماجة هو ذلك الذي أعلنه العجوز الداهية (هنري كيسنجر) أحد اكثر وزراء خارجية امريكا كرها للعرب وعشقا لليهود. وزير الخارجية الامريكي الاسبق اليهودي هنري كيسنجر يصرح بعلانية سمجة في باريس يوم الاثنين الماضي بأنه يرجو الا ينزل الله به عقابه على (الخطيئة) التي وجد نفسه واقعا فيها بغير ارادته, والخطيئة هي حبه للرئيس السوري حافظ الأسد!! هل نصدق صاحب سياسة (الخطوة خطوة) التي عرفناها يوم كنا صغارا لا نعي في السياسة شيئا, لكننا كنا نسمع الكثير الكثير, ومن هذا الكثير كانت هذه السياسة التي اخترعها ــ هذا الداهية بعد حرب اكتوبر ,1973 وقاد بها الامة العربية الى نفق المساومات والتنازلات خطوة خطوة, وكانت الخطوة الاولى (كامب ديفيد) . العجيب ان كيسنجر لم يقل ــ ولن يقول طبعا ــ انه يحب أو أحب الرئيس المصري السابق انور السادات, صديقه في درب الخطوة خطوة, وبدلا من ذلك فقد ذهب كل الحب الى الأسد, ولكنه حب ممزوج بالشعور بالذنب على الطريقة اليهودية, وعليه فهو يعتقد جازماً بأن حبا (خاطئا) كهذا يستحق العقوبة الالهية, ولكنه يدعو الله ان يسامحه على هذه الخيانة الاولى والاخيرة لذلك القسم الذي ألزم به نفسه بحب اسرائيل ومعاداة كل من يعاديها أو يقف في وجه مخططاتها. في باريس صرح كيسنجر: (لقد تفاوضت مع الأسد لمدة 35 يوما بعد حرب ,73 وقد احترم دائما تعهداته, حتى الاسرائيليين يعترفون بذلك, فلم يحدث ان اخترق يوما الاتفاق بفصل القوات في هضبة الجولان منذ 25 سنة) ! ومع ذلك فان حب شخص ينتمي للعرب والاسلام يعتبر في مفهوم السياسي الغربي واليهودي تحديداً (جرما) يستحق العقوبة الالهية, وهو لا يخجل من التصريح بذلك. * يبقى ان يراجع بعض سياسيينا مواقفهم (العاشقة) لليهود وللغرب, وتحديدا لرموزهم السياسية, وليتعظوا من تصريح هنري كيسنجر.