سرعان ما خبث الآمال التي انتعشت, على خلفية الجهود المبذولة لعقد مؤتمر قمة عربية, طال انتظارها, فما ان تنفس المواطن العربي الصعداء لمحاولات تعزيز العلاقات البينية العربية حتى اصيب باحباط جديد جراء التجاذب الحاصل بشأن موعد هذه القمة ومكان انعقادها وعدد المشاركين بها, مرورا بالبنود الموضوعة على جدول اعمالها, وصولا الى النتائج التي ينبغي ان تتمخض عنها والمواطن العربي لايستطيع تفسير الاسباب التي تحول دون انعقاد مثل هذه القمة, طالما ان جميع القادة العرب يدعون اليها ويؤكدون ضرورتها ان للرد على سياسات نتانياهو, او لتدارس سبل تعزيز العلاقات العربية في عصر العولمة, وتلبية لحاجات التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العالم العربي, ايضا فإن هذا المواطن العربي لايعرف ما هو وجه الترابط بين القضايا الشكلية والقضايا الجوهرية التي تعيق انعقاد القمة, هذا فضلا عن التساؤل عن مغزى انعقاد المؤتمر اذا كان القادة العرب يفضلون عدم مصارحة ومكاشفة بعضهم البعض (وجها لوجه) بآرائهم وهمومهم وهواجسهم, مفضلين الاكتفاء بما يتم التوصل اليه, عبر مبعوثيهم او عبر اللقاءات المحدودة, التي تعد للقمة وترسم القرارات الصادرة عنها سلفا. وتبدو السياسة العربية الرسمية, وحالها كذلك, مصرة على المراوحة في مكانها, فلا هي قادرة على النكوص عن جملة التوجهات التي وقعت في اسارها منذ مؤتمر مدريد وعلى خلفية التداعيات الناجمة عن انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق), وحرب الخليج الثانية, ولا هي قادرة على تجاوز هذه التوجهات, التي ثبت (طوال السنين الماضية) عقمها وعدم كفايتها لتحقيق المصالح العربية, ان بالنسبة لتقرير مكانة العرب على المستوى الدولي, او بالنسبة لتطوير النظام السياسي العربي, فمنذ مطلع التسعينيات, سلمت السياسة العربية اوراقها للولايات المتحدة الامريكية, في النواحي السياسية والأمنية والاقتصادية, وفي سياساتهم استمرأ العرب اتكاؤهم المديد والمزمن على عوامل: الكثرة العددية, الثروات المكدسة والمختزنة, الزمن, وهذا جعل السياسة العربية اسيرة العجز والسلبية, الى الحد الذي جعل من مجرد اجتماع القادة العرب غاية في حد ذاته, والى الحد الذي باتت معه الولايات المتحدة الامريكية تشارك في تقرير موعد القمة ومكانها وحتى جدول اعمالها وحدود قراراتها. بالطبع لا يمكننا تجاهل النجاحات والمحاولات التي حققتها السياسة العربية خلال الفترة الماضية, اذ استمرت الاقطار العربية في ممانعتها لعملية التطبيع مع اسرائيل طالما ان هذه الاخيرة لا تقدم الاستحقاقات المطلوبة منها في عملية التسوية الجارية, كما استطاعت, تفويت الاستحقاق المتعلق بمؤتمر الدوحة الاقتصادي, ونجحت في تجاوز الضغوط الامريكية بشأن السياسة الواجب اتباعها تجاه العراق, وبخاصة تجاه احتمال توجيه ضربة عسكرية له, وفي كل هذه المؤشرات نجحت السياسة العربية الرسمية, بايجاد حالة من التضامن العربي (وإن تخللتها بعض الاختراقات) لمقاومة سياسات حكومة نتانياهو, ولاظهار قلقها وتخوفها من عواقب السياسات الامريكية الشرق أوسطية, الممالئة لاسرائيل, والمعروفة بسياسة (الكيل بمكيالين) , والتي لا تأخذ في اعتبارها المصالح والحساسيات العربية, وعليه فثمة ايجابيات عديدة في الادارة العربية للسياسات مثل: موقف مصر ازاء مؤتمرات القمة الاقتصادية والمشروع الشرق اوسطي, والموقف السوري ازاء عملية التسوية, والترابط بين المسارين السوري واللبناني, والطابع الصراعي للمفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية. ولكن رغم هذه الايجابيات فإن السياسة العربية ظلت تفتقد الى عنصرين هامين, هما عنصري الادارة والارادة, اللازمين لاضفاء فاعلية الى عوامل القوة, الكامنة والظاهرة لدى الأمة العربية, في سياق العمل على تطوير السياسة العربية من سياسة تكتيكية قصيرة المدى والنفس الى سياسة استراتيجية طويلة المدى والنفس, ومن سياسة محدودة الى سياسة اجماع عربي, وصولاً لخلق وقائع ومعطيات تسمح بتعزيز وضع السياسة العربية وانتقالها من الحالة السلبية باعتبارها سياسة رد فعل وسياسة ادارة ازمات, الى الحالة الايجابية بتحويلها الى سياسة فاعلة تمتلك الادارة والمبادرة بمعنى ان الرفض العربي لضربة امريكية جديدة ضد العراق يجب ان يرتقي الى درجة بذل الجهود لرفع الحصار عن هذا البلد العربي الذي يعاني الامرين منذ سبع سنوات, والمقاطعة الواسعة لمؤتمر الدوحة ودعم مواقف سوريا ولبنان والفلسطينيين ينبغي ان يترجم بسياسة عربية موحدة ازاء عملية الصراع العربي ــ الاسرائيلي وازاء عملية التسوية. وفي ماعدا ذلك فان الاوضاع السياسية والاقتصادية العربية هي بأمس الحاجة الى اعادة بناء النظام العربي, وبحاجة الى عقد لقاءات على مستوى القمة العربية للاجابة على التساؤلات المطروحة ووضع سياسات لمواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية. وعلى مستوى الاقتصادي, تجد الخطاب العربي السائد يعج بمصطلحات تتحدث عن مسارات العولمة وعصر التكتلات الكبرى وضرورة مواكبة العرب لهذه التحولات حتى يؤمنوا لهم مكانا مناسبا في قاطرة القرن الحادي والعشرين من دون ان تنتقل هذه الكليشهات الى حيز الممارسة الفعلية. والمفارقة ان الاقطار العربية تجد غضاضة في تآكل سيادتها الوطنية (سياسيا واقتصاديا) لاعتبارات علاقاتها مع الولايات المتحدة الامريكية خاصة في حين ان تستفز لدى الحديث عن ضرورة ملائمة السياسات الوطنية مع المصالح القومية. من الناحية الموضوعية فان مجمل المعطيات الدولية والاقليمية تؤكد ان الظروف مواتية لتحرير السياسة العربية من اسار الارتهان للاملاءات الخارجية, وبخاصة الامريكية منها. ايضا تقدم السياسات الاسرائيلية المتعنتة, والتي تعتبر بحد ذاتها تحديا فظا للارادة الدولية فرصة مناسبة تستطيع السياسة العربية استثمارها ان لعزل اسرائيل او بالنسبة لكشف السياسات الامريكية المنحازة, وبالتالي تعزيز وتغطية الموقف العربي. ولا تقتصر العوامل المواتية على البنية السياسية الدولية والاقليمية, ذلك ان البيئة الشعبية تبدو أكثر تلهفا وحماسا للخروج من حالة الموت التي تحيط بالسياسة العربية, وقد عبرت البيئة الشعبية العربية عن تشجيعها والتفافها حول النقلات السياسية العربية, برغم حالة الاغتراب السياسي المحيط بها. بمعنى ان المواقف السياسية ردت للسلطات بعضا من اعتبارها وشرعيتها في البيئة الشعبية. وهكذا فان المسألة المطروحة لا تتعلق فقط, بمدى مناسبة الاوضاع المحيطة بقدر ما انها في هذه المرحلة, تتعلق بالمدى التي تود السياسات العربية ان تصل اليه. اي بمدى توفر القرار لتحرير الارادة العربية, من كل ذلك يمكننا ان نستخلص بأن مشكلة السياسة العربية ليست في التعنت الاسرائيلي وفي ما كان يريده شامير او رابين او بيريز او نتانياهو او من سيأتي بعده, ولا في طبيعة اسرائيل ودورها السياسي والوظيفي في المنطقة. مشكلة السياسة العربية لا ترتبط بإسرائيل فقط, كما انها لا ترتبط بالاطار العالمي, والتوازنات الدولية وبالقطب المهيمن على النظام الدولي فحسب, فقبل هذا وذاك, فإن السياسة العربية هي نتاج الواقع العربي: السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي, والمطلوب قبل تعليق مشاكلنا على مشجب الآخرين, البحث الجدي المسؤول لمعالجة هذه المشاكل, والمطلوب بدل تبرير عجزنا عن مواجهة واقعنا, العمل على تعديل معطيات هذا الواقع واستثمار عوامل القوة الكامنة فيه عبر تحريرها, والعمل على وضع الاسس اللازمة لتغيير الواقع السلبي المكبل للسياسة العربية. المطلوب قبل كل ذلك مبادرات عربية شجاعة وحكيمة, مبادرة تعيد بناء النظام العربي على اسس تتجاوب مع معطيات العصر, وبمتسوى يتلاءم مع التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها العرب, وبالتالي الانتقال بالسياسة العربية من مجرد الوجود في حيز القوة الى حقيقة الوجود في حيز الفعل. من كل هذه المؤشرات يمكن الاستنتاج بأن السياسة الرسمية العربية, في حالات توفر الارادة, معنية بتفعيل وتطوير دورها في مختلف المجالات, لا سيما, في المجالين السياسي والاقتصادي, وعلى الاخص, فهي معنية بإعادة تناول قضية الصراع العربي ــ الاسرائيلي من المنظور القومي. أخيرا لا شك بأن السياسة العربية في مأزق: سياسي واجتماعي واقتصادي وأمني وهو مأزق مستفحل ويمس طبيعة الانظمة ومستوى شرعيتها ووظيفتها ومستقبلها, بمعنى انه مأزق لا يتعلق فقط بمواجهة التحدي الاسرائيلي (وإن كان هذا التحدي هو الأبرز), لذلك فإن السؤال المطروح حول امكانية تطوير وتفعيل السياسة العربية ينطوي على استحقاقات وإجابات غاية في الأهمية, ينبغي بناء عليها عقد اكثر من مؤتمر قمة وأكثر من مؤتمر متخصص, ولكن المهم ايضا معرفة ما اذا كانت السياسة الرسمية العربية قادرة حقا على الوفاء باستحقاقات هذه النقلة ومواجهة متطلباتها على الصعيدين الداخلي والخارجي, ولعل هذه الاوضاع والاستحقات هي التي تفسر لنا الاسباب التي تحول دون انعقاد مؤتمر قمة عربية, برغم كل الاحداث الجسام التي تمر بالمنطقة. وللأسف فإنه رغم كل المخاطر والاستحقاقات الهامة التي يواجهها الوضع العربي, فإن البعض مازال لا يعتقد بضرورة عقد مؤتمر قمة عربية, أو انه يعتقدها مجرد نزوة أو حاجة كمالية, أو غطاء لسياساته الفردية الضيقة فإلى متى؟!