والمسكوت عنه في هذا السياق هو مدى ما وصلت اليه القدرة النووية في الكيان الصهيوني خاصة وقد بدأ تطوير هذه القدرة البالغة الخطورة منذ بدايات عقد الخمسينات, بينما بدأ تطوير القدرات المقارنة في بلد نام مثل باكستان في عقد السبعينات وبخاصة بعد الحرب الهندية ــ الباكستانية وانفصال بنجلاديش وبعدها كان قرار الزعيم الراحل ذو الفقار علي بوتو بالتصميم على امتلاك بلاده قدرة نووية . وقد جاءت التفجيرات النووية التي قامت بها مؤخرا كل من الهند وباكستان لتعيد الى بؤرة الاهتمام العالمي قضية امتلاك دول أو كيانات سياسية أخرى ــ منها اسرائيل بالذات ــ قدرات نووية دون ان تعلن عنها هذه الدول أو الكيانات. لهجة من الانضباط من ناحية اخرى استرعى انظار المراقبين السياسيين تلك اللهجة الشديدة الانضباط التي اتسمت بها ردود فعل الاوساط الحاكمة في اسرائيل في معرض تعليقها على التجارب الهندية والباكستانية اذ اكتفى الناطق باسم رئيس الوزراء الاسرائيلي بترديد النغمة المكررة التي تقول باستمرار: ــ لن نكون أول من يدخل أسلحة نووية الى منطقة الشرق الأوسط. ثم ان الناطق المذكور لم يكذب ــ كما يقولون خبرا, بل سارع الى اتخاذ موقف احلال سيكولوجي كما قد نسمية حين حاول لفت أو تحويل الاهتمام العالمي الى ايران في تلميح أو تعريض بأن طهران عاكفة بدورها على تطوير سلاح نووي. هذا الموقف الاسرائيلي يصفه الكاتب الامريكي سيرج شميمان في عبارة دالة تقول: الغموض النووي. وهذا الغموض هو الستار الذي ظل يلف النشاط النووي الاسرائيلي باستمرار وبصورة متعمدة تناثر من حولها علامات الاستفهام التي ربما بدأت مطروحة جديا منذ منتصف الستينات وعلى وجه الخصوص عندما أثار الباحث المصري الراحل جمال حمدان في مقال شهير له في مجلة الهلال القاهرية سؤالا محددا يقول: ــ هل تملك اسرائيل قنبلة ذرية؟ يومها لم ترد الاوساط الصهيونية بالسلب أو الايجاب على اجتهادات حمدان, وأضرابه بل تركوا أمرهذا السؤال وغيره يتفاعل عبر العقود الثلاثة الاخيرة من هذا القرن ولسان حالهم كما يقول الكاتب شميمان فيطلق من سياسة ترفع شعارا محددا هو: ... خلق الشعور بالخوف دون خلق الشعور بالغضب وشعور بالخوف يخلق التردد واللافعل بينما شعور الغضب قد يخلق التوتر ومن ثم الحركة واتخاذ الاجراءات وتلك ترجمة اسرائيلية محدثة لمقولة الاستراتيجي الألماني الأشهر كلاوزفتيز بأن التهديد باستعمال القوة يكافىء استعمالها بالفعل اذا ما تأكدت الأطراف المستهدفة ان هناك ثمة قوة حقيقية. عدم احراج أمريكا ورغم ان اسرائيل تعرضت عبر تاريخها القصير من الاستيطان الاستعماري في فلسطين الى تهديدات من الجانب العربي, فإنها ظلت حتى في لحظات التوتر الشديد التطرق الى الحديث عن سلاح ذري أو قدرة نووية... وهي سياسة انطلقت من مبدئها الذي يقضي بإنكار وجود تلك القوة النووية التي اتخذت محورها في مفاعل ديمونة في صحراء النقب ويرجع تاريخها الى عام 1954 وإلى المساعدات النووية الفرنسية على وجه الخصوص. والسبب في هذا الانكار أو الاستغفال أو التمويه الاسرائيلي هو عدم احراج الولايات المتحدة الحاضنة الكبرى لاسرائيل حيث ان واشنطن ظلت تتزعم الدعوة الى منع الانتشار النووي وإلى تطبيق عقوبات دولية على الدول التي ترفض هذه الدعوة أو تمارس تطوير أنشطة نووية وهو ما نشطت بل بادرت اليه ادارة الرئيس كلينتون الحالية بعيد التفجير الباكستاني الاخير. بيريز رائد نووي واللافت للنظر في هذا الصدد ان شيمون بيريز ــ الصديق المقرب من اوساط عربية شتى يعد واحدا من الرواد الناشطين في امتلاك اسرائيل قدرة نووية وله دوره المحوري في بناء مفاعل ديمونه. وينقل الكاتب الامريكي شميمان تصريحا أفضى به بيريز مؤخرا وقال فيه (لقد تعمدنا ان نخلق سحابة من الشكوك تصلح لتكون رادعا كافيا (للعرب طبعا) دون ان نصل الى حافة الوضوح التي قد توصلنا الى حيث فرض الجزاءات) وبيريز نفسه هو الذي كان أكبر مسؤول اسرائيلي يصل الى حافة الاعتراف أو ما يشبه الاعتراف حين ألمح في تصريحات أدلى بها حينما كان رئيسا للوزراء في تل ابيب (بالتحديد في ديسمبر عام 1995) ان اسرائيل تملك القنبلة الذرية وأنها على استعداد للتخلص منها فور ان تحقق سلاما مع جيرانها وفي هذا السياق قال بيريز: ــ لو تحقق سلام في المنطقة, فإنني اعتقد ان بوسعنا ان نجعل الشرق الاوسط منطقة خالية من الاسلحة النووية ثم عاد يقول في تصريحات تلفزيونية أدلى بها في أوائل يونيو الماضي. ــ لقد أنشأت مفاعل ديمونة لكي اصل الى أوسلو وليس الى هيروشيما (نيويورك تايمز بتاريخ 21/6/1998). ومن الطريف ان يكتب القوم انهاراً من الكلمات حول موضوع الشفافية أو العلانية أو المكاشفة وهي الكلمات والشعارات التي باتت موضع بحث مستفيض وحوارات متواصلة واسترزاق ايضا, وذلك منذ ان رفع لواءها تحت شعار جلاسنوست (السيد جورباتشوف وهو بصدد اغلاق ابواب الاتحاد السوفييتي الذي كان) . لكن من الغريب ان نطالع دراسة رصينة وجادة في هذا الموضوع كتبتها آن فلوريني الباحثة في مؤسسة كارنيجي لدراسات السلم الدولية بعنوان (نهاية السرية) وحين تطرقت الباحثة الى مشاكل العلانية أو الشفافية أو المكاشفة نجدها تشير الى ان هذا الاسلوب الاسرائيلي في السكوت عن حقيقة تطوير وامتلاك قدرات نووية وحشد اسلحة نووية تعد من وسائل الدمار الشامل ــ وتصف هذا الاسلوب بأنه مريح للبال في العالم ويدعو الى تسكين خواطر المعمورة! ومن ثم فإن حمل اسرائيل على الاعلان عن قدراتها النووية (ومن ثم الخضوع لضمانات وتفتيشات الوكالة الدولية للطاقة الذرية) هو عامل ــ في رأي الباحثة ــ يشجع على تفاقم الصراع العربي ــ الاسرائيلي. المكاشفة خطر على اسرائيل من هنا ترى الباحثة الامريكية ان المكاشفة أو الشفافية تنطوي على السم الزعاف بدلا من بلسم الترياق الشافي وهي تسوق حجتها على النحو التالي: ــ في غياب معايير شاملة لجميع الاطراف أو على الاقل معايير متناظرة ومتبادلة فإن الشفافية في هذه الحالة من شأنها زيادة تفاقم النزاعات. لماذا؟ لأنها في هذه الحالة سوف تزيل الغموض الذي يشكل وجوده ستارا يخفي الصراعات أو على الاقل يخفف من ضراوة الخلافات (!) ولقد نشرت الباحثة المذكورة دراستها هذه في آخر اعداد مجلة السياسة الخارجية (فورين بوليسي) ــ صيف 1998 وعمدت من بعد الى ايضاح مقولتها من واقع حالة الغموض والتستر ــ حالة النشاط النووي المسكوت عنه في اسرائيل فقالت: ــ يكمن القول بأن العالم يكون في حال افضل عندما يعمد في ادب (!) الى تجاهل وجود القدرة النووية المعروف وجودها ولكن غير المعلن عنها في اسرائيل. والحال في هذا السياق افضل مما لو طولبت اسرائيل بالكشف عما بحوزتها في هذا المضمار وبرغم ان مبدأ عدم الانتشار النووي راسخ جيدا على مستوى معظم البلدان الاخرى, فقليل هم الذين يتوقعون حمل اسرائيل على قبوله ذلك لأن فرض هذه المسألة بمنطق الاجبار سوف تكون مغارمها أكثر من مغانمها بالنسبة لنظام عدم الانتشار. واذن فنحن بإزاء فتوى علمية تدلي بها باحثة معنية بكل معاني ودلالات مبدأ العلانية والشفافية وهي تذلل في بحثها 14 صفحة من قطع المجلة الفكرية على مزايا الشفافية وبركات العلانية والضرورات الحيوية للمكاشفة ولكنها عندما تصل الى حالة اسرائيل ــ ناهيك عن واقع نشاطها النووي فهي تلجأ الى تخريج حكاية فضل المسكوت عنه والا تعرض في رأيها نظام عدم الانتشار النووي للعواصف والانواء. ومن عجب ان تشير أكثر من دراسة امريكية حول نشاط اسرائيل النووي, ان الكيان الصهيوني لم يعمد الى تطوير مقرراته في هذا الميدان لمجرد امتلاك رادع في مواجهة التهديد العربي بل ان الرادع النووي الاسرائيلي كان يتوخى مع تطوره واستشرائه وخاصة في الستينات وحتى فاتح السبعينات, هدفا ابعد وأشد خطرا وهو احتمالات مواجهة مع الاتحاد السوفييتي ــ ثاني دول العالم العظمى في زمانه وبوصفه حليف العرب ومصدر سلاحهم في تلك الفترة وفي هذا الصدد تشير المصادر الامريكية الى تقرير خاص أعدته في هذا الموضوع مؤسسة (جينز) البريطانية المعنية بالشؤون العسكرية وقضايا التسليح وقد جاء في سطور ذلك التقرير ما يلي: ــ لقد قامت اسرائيل بأول عملية لنشر اسلحتها النووية في عام 1968 وكان الهدف هو ردع اي هجوم سوفييتي جامح تتعرض له اسرائيل. وتحت دراسة اخرى صادرة عن مؤسسة جينز في سبتمبر الماضي تضمنت وصفا تقنيا لصور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية لقاعدة صواريخ اسرائيلية تقع على مسافة اميال جنوب غربي تل ابيب وقد خلصت هذه الدراسة الى ان اسرائيل تملك ترسانة نووية اكبر مما يقدره الكثيرون حيث احتوت القاعدة على نحو 50 صاروخا مداه ثلاثة آلاف ميل فضلا عن قنابل نووية لزوم الاستخدام في الطائرات القاذفة. وليس ببعيد ما خلصت اليه دراسة اجرتها مؤسسة (راند) الامريكية للبحوث بتكليف من وزارة الحرب في واشنطن ــ البنتاجون وخلصت بدورها الى ان اسرائيل تملك كميات من البلوتونيوم تكفي لصنع 70 سلاحا نوويا وقد (حرصت على نشر هذا الخبر صحيفة هاآرتس الاسرائيلية ذاتها) وقد استخدمنا عامدين تعبير (حرصت) فقد بات نشر هذه الاخبار, أو بات التسريب المتعمد والانتقائي لمثل هذه النوعية من المعلومات امرا مألوفا في عالم العلاقات الدولية, بل وعلى الصعد المحلية داخل النظم السياسية ذاتها. بين الاخفاء والظهور والسلاح النووي عامل ردع بالدرجة الأولى حيث يدفع الخصم الى ان يعد العشرة بل ويصل الى المائة قبل ان يقدم على خطوة جديدة. وكم كتبت مئات من الدراسات ووضعت السيناريوهات وصيغت افلام السينما حول كابوس الرعب النووي وحول ما اذا تعرض زر الانطلاق والهجوم الذري الى يد غير مسؤولة أو يد مسؤولة ومجنونة والردع يستوجب بالدرجة الأولى ابقاء ترسانتك في حال يجمع بين الاخفاء والاظهار وهو حال الغموض الذي تتبعه اسرائيل كما اشرنا في صدر هذا الحديث وفي هذه الحال يظل الطرف الآخر متخبطا في ظلام أو في عتمة تدفعه الى ان يقع فريسة حسابات تقوم على اساس ربما, وقد, ومن يدري الى آخر قائمة الهواجس والوساوس التي لا يقر لها قرار.