لا أعتقد بصحة ما يقوله البعض من انه كلما ارتفعت وارتقت امكانيات ومواهب الانسان الفكرية والعقلية, كلما قلت نسبة السكر في قهوته حتى تكاد تنعدم تماما في فناجين العباقرة وأصحاب الملكات الفذة. وأظن ان موضوعا كهذا يحتاج الى دراسة ميدانية تقيس نسبة السكر في فناجين الكتاب والصحفيين والعلماء والمهندسين والأطباء للتأكد من مدى منطقيتها . لكنني أعتقد وبشدة انه كلما ارتقى الانسان ذهنيا وفكريا ارتقاء فعل وسلوك وممارسة, ترتب عليه ارتقاء ذوقه ونضج اختياراته الشخصية والعامة. من هنا نلاحظ فارقا شاسعا بين الانسان المتحضر علميا وثقافيا وسلوكيا, وبين ذلك الذي لم يؤت حظا من حضارة أو مدنية أو تاريخ, حيث يشكل الإرث الحضاري للإنسان مرجعا معتمدا وضروريا لكل سلوكياته بدءا بموضوعات أحاديثه واهتماماته, وأزيائه, وطعامه, وطريقة تعامله مع الوقت, وتعاطيه مع المال وقيم العمل وتفاصيل البيئة المحيطة به, وانتهاء بعناوين الكتب التي يقرأها ونوعية الموسيقى التي يسمعها وكل ما يندرج في منظومة الثقافة السلوكية. وللأسف فإن فهما مغلوطا أو غائبا بمعنى أصح نسقط فيه كمجتمعات اسلامية في موضوع المنظومة الثقافية السلوكية. وللأسف ايضا فإن غياب الفهم يوقعنا وبشكل مستمر في هاوية الشعور بالدونية والتخلف امام أمم الأرض وخاصة اذا نظرنا شمالا أو غربا تحديدا. فجميعنا يعتقد بأن الغرب يقدس قيمة الوقت, ويعبد القانون ويحترم النظام, وأغلبنا يعتقد أيضا ان كل مواطني العالم العربي لا يتمتعون بشيء من كل ذلك, فلا قيمة للوقت لديهم ولا للنظام ولا للقانون وكأنهم بشر يعيشون خارج حسابات الكون وخارج منظومة الحضارة. حقيقة الأمر ان هناك, وفي الغرب تحديدا انسانا قرأ بوعي ومعاناة كل التاريخ الذي كتبه أسلافه, فهو لا يتصرف بمنطق الفئران تدخل المصيدة في كل مرة تلمح فيها قطعة جبن دون ان تجد تفسيرا لوجود الجبن ولنهايتها المحتومة, بسبب ان الفئران التي سبقتها لم تتعلم تدوين تاريخ المأساة لهذه الجموع التي ستقف على حافة المصيدة ذاتها! الانسان كائن أعلى وأرفع من ان يكون كذلك الفأر الذي لم يقرأ التاريخ لأن احدا لم يسجله له, الانسان هو الكائن العظيم الوحيد الذي علمه ربه كيف يدون ويحفظ أحداث تاريخه لكل القوافل البشرية التي ستتوالى على خلافة الأرض حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. اذن فتاريخ المسلم والعربي وتراثه ومنظومة سلوكياته وثقافته ليست بأقل من تلك التي يمارسها الأوروبي والأمريكي, فلماذا تتفاوت السلوكيات والاتجاهات والممارسات وتصب دائما في صالح الغربي؟ السبب واضح ان المسلم العربي لم يقرأ بوعي ومعاناة كنوز تراثه ولم ينظر فيها ولم يستفد منها كما فعل أولئك الساكنون على ضفاف الأطلسي شمالا وغربا. ولذلك فهو يتصرف وكأنه بلا تراث وبلا حضارة أو كأنه نتاج حضارة بربرية همجية. اذا لم نستطع استئصال وهم الدونية والولع بالآخر وجرثومة العجز والجهل والهمجية من أعماق أنفسنا فلن نتمكن من التحرك, وسنبقى نراوح مكاننا حتى يقضي الله في أمرنا, أو يستبدل بنا أمما أخرى.