كان منظر الافراج الاسرائىلي عن اسرى لبنان وتسليم رفات الشهداء وموقف اهالي الشهداء وبالطبع موقف السيد حسين نصر لله مؤثراً للغاية, قد شاهد الكثير من العرب الفضائيات اللبنانية يوم الجمعة الفائت وهي تنقل في بث حي تلك اللحظات الخاصة بتسليم الرفات وباطلاق سراح اسرى امضى بعضهم عشر سنوات في السجون الاسرائيلية, وكما يحق للبنان ان يتألم لشهدائه وان يفرح بخروج اسراه فأن قضية الاسير تتحول لشيء يرمز لقضية الاسير في كل بلد عربي, الاسرى اللبنانيين خرجوا من سجون اسرائىلية, ولكن بنفس الوقت هناك اسرى عرب في سجون عربية قلما يتحدث عنهم اللسان العربي, هناك اسرى للكويت في العراق, وهناك للامس القريب اسرى عرب في ايران واسرى ايرانيين في العراق, وهناك اسرى بين الدولة المركزية في السودان وبين الثوار في الجنوب, وهناك اسرى في نهاية كل صراع واختلاف واقتتال في كل ارجاء الوطن العربي. ولكن قضية الاسير في الصراع العربي الاسرائىلي تكتسب لدى العرب بعدا عاما وقوميا وذلك لسبب واضح: هناك في هذا الصراع تصادم قومي عميق الجذور بين الشعور العربي وكل مرادفاته وبين الاستقواء الصهيوني بكل تمدداته. هذا التناقض ربما يكون المسؤول عن الشعور العربي العام مع قضية الاسرى اللبنانيين, فهو شعور ينم عن عمق الصراع. ان الذي يقع في الاسر في مواجهة اسرائيل بالنسبة للعرب قضية تؤثر في وجدانهم وذلك لان كل بلد عربي قد دفع شهداء وواجه حالات اسر في يوم من الايام في حلبة القتال ضد اسرائىل وهذا لايقلل من قيمه الاسير في الصراعات العربية العربية, فالذي يقع في الاسر في الصراعات العربية العربية يتحول الى قضية هامة للقطر العربي المعني ويتحول لقضية تعاطف اساسي من قبل اهله ومجتمعه وشعبه والى قضية انسانية على الصعيد العربي العام, بينما من الصعب ان يتحول الامر لمسألة لها بعد قومي كما هو الحال مع الاسير العربي لدى اسرائىل في هذا اساسا انعكاس لعمق لمواجهة بين العرب واسرائيل وانعكاس لمدى عمق الشعور العربي والديني ايضا تجاه هذا الصراع. وبينما الشعور العربي واللبناني الشعبي في اوج عنفوانه العاطفي تجاه الاسرى المفرج عنهم, الا ان الخوف الكبير من ان تبدأ معاناتهم مع اطلاق سراحهم. ففي الايام الاولى سيروي كل اسير روايته, وسيتحدث كل اسير عن اعماله, لكن بعد ذلك يبدأ السؤال الاكبر: ماذا اعدت البلاد لهم بعد استقبالهم, وماذا تعد البلاد لهم في مجال التأهيل للحياة الجديدة؟ اذ سيكتشف الاسير ان العالم الذي يعود اليه قد اختلف, وان الافراد الذين كانوا معه قد تغيروا, وان عليه ان يتغير بأكثر مما يستطيع لكي يواكب الجديد سيكتشف الاسير ايضا ان الناس تهتم بقضيته لرمزيتها وقوميتها بأكثر من اهتمامهم بالشخص الاسير, وسيكتشف بعد اسابيع وشهور ان الزمن قد طوى كل شيء وان الناس تنسى بسرعة اكبر من سرعة الحدث الذي ادى لاطلاقة سراحه, هكذا فما ان تختفي الكاميرات وتختفي الصحافة الا وتبدأ قصة الاسير مع اعادة تأهيل ذاته في عالم يختلف عن العالم الذي عرفه او حتى الذي ضحى من اجله. وفي العالم الجديد عالم مابعد الخروج من الأسر يبدأ الاسير بدق الابواب مذكرا بنضاله ومذكرا بتضحياته ولكنه قد يجد ابوابا مغلقة, وقد يبدأ الاسير العائد بالبحث عن جامعة تقبله او جهة توظفه, ولكنه قد يجد ان الناس انشغلت بأمور جديدة وانها بالكاد تتذكر قضيته أو اسمه. وقد يشعر ان زملاءه قد تخلوا عنه او ان المناضلين الذين عمل معهم قبل عشر سنوات لديهم هموم كثيرة غيره.. وحينها قد تنهار قيمه وقد تسقط ارادته التي لم تسقط في السجن, حينها قد يشعر بالهزيمة لاول مرة وقد يكتشف الخوف الذي لم يعرفه في سنوات النضال. بل حينها قد يفضل لو سقط شهيدا او حتى لو بقي في السجن رمزا للكفاح الدائم والتضحية الكبرى. بل قد يتمنى لو ان لحظة الافراج عنه بقيت مجمده في التاريخ والى الابد. قد يكون كل مانكتب من وحي الخيال والمستحيل وقد يكون فيما نقول الكثير من الاستفزاز لذلك المواطن اللبناني والعربي المتعاطف مع قضية الاسير اللبناني ولكننا نقول ما نقول تعاطفا مع الذين ضحوا بزهرة شبابهم من اجل قضية آمنوا بها, وذلك لمعرفتنا بما حل بالكثير ممن سبقوهم. لنتذكر ان العالم العربي فعال في ظلم ابطاله وفعال في اسقاط الانقياء من ابنائة, فكم من مناضل انتهى بلاعمل, وكم من مقاتل انتهى بلاقيمه, وكم من اسير عاش الاسر لسنوات طوال ومجدته الامة ذات الذاكرة القصيرة لايام وايام قبل ان تخرجه من التاريخ وربما من الحياة والمجتمع. البعض يعتقد اننا ننتصر على اعدائنا من خلال جرأتنا في القتال او من خلال شجاعتنا او حتى تهورنا, ولكن قيمة الامم تكمن في طريقة تقديرها لمن ضحوا من اجلها, هكذا بين ان يكون التكريم عاطفيا شكليا ويدوم اثره لايام وبين ان يكون التكريم جوهريا طويل الامد يقع الفارق بين امة تفهم التضحية بحدود العاطفة السريعة الزوال وبين امه تقيم المضحين اساسا وعيونها على المستقبل. قد نكون قد ظلمنا لبنان في حكمنا, ولكن عادات العرب من المحيط الى الخليج في التعامل السلبي مع ابطالهم هي التي تحفزنا على كتابة هذا المقال في المقابل ان تقديرنا الكبير للبنان في ظل وجود مجتمع مدني نشط يجعلنا نأمل بامكانية تقديم نموذج مختلف في التعامل مع الاسرى العائدين الى المجتمع والى الحريه.