في ابريل 1997, عندما كانت جرافات العدو الصهيوني تشق الصخر في جبل أبو غنيم, كتبنا وحذرنا عن خطة اسرائيلية لتفريغ القدس من 70% من سكانها العرب خلال ستة أشهر, واعتمدنا فيما كتبناه على مصادر اسرائيلية وتقارير منظمتين يهوديتين غير حكوميتين هما (بيتساليم) و(هاموكيد) , كي يسمع من في آذانهم وقر . وفي واقع الأمر ان اسرائيل بدأت بتنفيذ هذه الخطة ميدانياً قبل وضعها على الورق, اذ أقدمت بعد احتلال القدس الشرقية في يونيو 1967 على تقويض حي المغاربة وتدمير 135 منزلاً وطرد 650 مواطناً من سكان ذلك الحي, بذريعة انشاء ساحة لائقة للمصلين اليهود امام ما يسمونه حائط المبكى الذي هو الحائط الغربي للحرم الشريف. اما الخطة التفصيلية, فلقد تم وضعها بعدما صدر عن الكنيست اقرار (قانوني) بجعل القدس عاصمة ابدية لاسرائيل وذلك في 3 يوليو 1980, اي بعد قرابة 13 سنة من الاعلان عن ضمها الى الشق الغربي من المدينة. تكررت بعد ذلك سلسلة الممارسات اللصوصية باستملاكات غير قانونية وباستيلاءات قهرية وبالقوة المسلحة للممتلكات الفلسطينية وللأوقاف الاسلامية وتسليمها ــ احيانا مفروشة ــ لحثالات القادمين من أزقة بروكلين والداعين باسم ديانتهم الى التطهير العرقي للمدينة المقدسة وكل ما حولها مما باركه الله في كتابه العزيز. ولم تهل سنة 1993 حتى فاق التواجد اليهودي في القدس الشرقية ــ لأول مرة ــ على التواجد العربي المسلم ــ المسيحي.. اصبح عدد اليهود 160 الفاً مقابل 155 ألفاً من الفلسطينيين. الاستثنائية غير المشروعة, للمضي في تنفيذ خطتها لتهويد المدينة وأسرلتها وتفريغها من اهلها العرب, وأهم هذه القوانين وأكثرها اجراماً هو ذلك المعروف بـ (قانون الهجرة والدخول والخروج) الذي أباح لوزارة الداخلية (حجة) منح او حجب ما يسمى بـ (بطاقات الاقامة الدائمة) وتصريحات الخروج والدخول من والى القدس على سكانها العرب فقط لا غير, وكانت الحكومات الاسرائيلية المتتالية تتابع تنفيذ هذه الخطة وهي مطمئنة الى أن (العرب يصرخون ولكنهم لا يعضون) كما وصفهم مؤسس الكيان الصهيوني حاييم وايزمن, وانه طالما هناك ولايات امريكية متحدة فلا خوف عليهم من مجلس الأمن وكل ما يتخذه من قرارات الاستنكار والتنديد وعدم الاعتراف بشرعية ما تقوم به. ولأن اسرائيل الصهيونية هي(واحة الديمقراطية) في هذا الشرق, ولأن حكوماتها (غير عنصرية) فلقد وضعت المقدسيين العرب امام خيارين لا ثالث لهما, فإما ان يحملوا الجنسية الاسرائيلية واما ان يمتثلوا لقانون (الهجرة والدخول والخروج) ومخاطر القبول بحمل (البطاقات الدائمة) التي لا ضمانة لديمومتها اذ انها معرضة للالغاء في أي لحظة ودون انذار مسبق وذلك تحت عدد لا يحصى من الذرائع. صحيح ان المقدسيين ما زالوا بانتظار (عمر) جديد يعيدها الى ما كانت عليه منذ 1500 سنة حتى يونيو 1967, وما زالوا يؤملون النفس بوقفة عربية اسلامية تتردد اصداؤها فوق جبل المكبر كما ترددت كلمتا (الله اكبر) يوم وصول الفاروق اليها.. ولكن ما يقلق المقدسيين هو الحيرة فيما يجب ان يفعلوه بانتظار ذلك اليوم الموعود!! ما زال المقدسيون حيارى بين خيارين احلاهما اكثر مرارة من العلقم, فهل يقبلون الجنسية الاسرائيلية بما ينطوي عليه ذلك القبول من معان ليضمنوا استمرار وجودهم في مدينة الآباء والاجداد ومهد الاسراء والمعراج وثالث الحرمين وكنيسة القيامة, ام يرفضون ذلك والدخول في مغامرة ما يسمى ببطاقات الاقامة الدائمة الخادعة غير المضمونة كما بينت التجربة اليومية. في القدس اليوم, قرابة المئة وعشرين الفاً من عرب فلسطين, مسلمين ومسيحيين حيارى يستبد بهم الهلع حول مصيرهم ومصير ممتلكاتهم وارزاقهم وهم يزدادون حيرة وهلعاً مع صباح كل يوم, بسبب ما يشاهدونه من ممارسات العدو تدميراً لمنازلهم وارهابا لأمنهم وتضييقاً لسبل عيشهم حتى صلاة الجمعة باتت عبئاً اسبوعياً ومغامرة قد تودي بأرواح الابرياء, هذا اذا تمكن المصلون من الوصول الى صخرتهم المشرفة وحرمهم القدسي. ولقد جاء قرار حكومة نتانياهو الأخير بشأن توسيع القدس بضم المستعمرات الصهيونية المحيطة بها بمثابة انجاز الذروة للخطة المشار اليها, فيصبح العرب فيها أقلية بائسة بلا وزن أو تأثير مما يهدد استمرارية وجودها وامكانية العيش فيها, وهذا ما يجعل السؤال المطروح على المقدسيين حول الموقف من الخيارين أيهما اشد الحاحاً من اي وقت مضى, بل ان هذا السؤال بات مطروحاً على الشعب العربي باسره وعلى كل أمة الاسلام. السؤال مطروح على من هم في الحكم او خارجه, على قيادة السلطة الفلسطينية, على قيادات المعارضة الفلسطينية, على الدول العربية وجامعتها الغلبانة, على مؤتمر الدول الاسلامية, على لجنة القدس التي ملأت الدنيا قرارات لم تجد سبيلاً الى التحقيق... على الدنيا بأسرها. ماذا يفعل المقدسيون, بانتظار عمر, والأرض تميد من تحت اقدامهم, هل يقبلون الجنسية ام يرفضونها؟ هل يصمدون ــ مهما كان الثمن ــ ام يتركون اقدارهم لما يسمعونه من صرخات توجه (للقاصي والداني) بأن القدس عائدة لعروبتها وأهلها وانها عاصمة دولتهم القادمة على الطريق؟ السؤال صعب, وعليه يعتمد المصير وكذلك الجواب, هو الآخر صعب وعليه يعتمد المصير. ولعل اول ما يخطر على بال المتأمل لهذا السؤال, والمحاول لايجاد رد عليه, هو تجربة أهلنا اثر النكبة سنة 1948, والخطأ التاريخي الذي ارتكبوه بهجرتهم من ارضهم رغم هول ما لاقوه, ظنا منهم ان الهجرة ستكون لأيام أو أسابيع فإذا بها لسنوات بل لنصف قرن بالتمام والكمال, حتى الآن اولا نعترف الآن ــ بعد فوات الاوان ــ بأننا ظلمنا من صمد من أهلنا وآثر الصمود على الهجرة, ليصبحوا اليوم اخطر لغم في الكيان الصهيوني وعقيدته العنصرية التمييزية؟ لا نريد للمقدسي ان يهجر القدس, نريده ان يبقى وان يصمد وان يتمسك بكل ذرة تراب في المدينة التي من دونها لا معنى لفلسطين. فبماذا نشير على أهلنا آل بيت المقدس, وبماذا نعدهم بغير الصلاة سوياً ومعاً في المسجد الأقصى؟ وهل تراهم يصدقون ما يسمعون مما يقال من حولهم؟ هل باستطاعتهم ان يطمئنوا على مصيرهم عندما يسمعون نبيل شعث, مثلاً, وهو يصف لقاءه مع نيوت جينجريتش بأنه حدث تاريخي ونقلة نوعية في علاقات السلطة من البيت الابيض الى مبنى الكابيتول هيل؟ هناك في القدس من أفتى بتحريم الجنسية الاسرائيلية على المقدسي, ولكن من أفتى, وله اجر عند الله, لم يقل للمقدسيين ماذا يفعلون ليبقوا صامدين, وماذا على غيرهم ان يفعلوا لدعم هذا الصمود! ان من يحلل اتفاقية اوسلو لا يجوز له, ولا يملك اصلاً القدرة, على درء تلك الخطيئة وما افرزته من نتائج. ويهزل الحديث عن عدم الاعتراف بالجنسية الاسرائيلية وتحريمه على الوحيدين في هذه الدنيا الذين قد نجد لهم تبريراً لاعترافهم, في الوقت الذي تعترف بها حكومات عربية وتلهث اخرى للاعتراف بها!! اقر واعترف بصعوبة السؤال وجرح الصادق الذي لا يريد ان يكذب اهله, ولكن ذلك لا يعفينا من المسؤولية.. كلنا, من ابسط مواطن الى اكبر قائد او حاكم. قد يكون حمل المقدسي للجنسية الاسرائيلية (حراماً) ولو كان ثمن هذا الحرام الصمود في ديار الاحتلال بانتظار عمر, ولكن من المؤكد ان هجرة القدس اكثر من حرام, انها الكفر بعينه مهما افتى المفتيون. ان من يريد القدس ويحب القدس, لا يمكنه ان يكون صادقاً في ارادته وحبه ان لم يحب أهلها ويسعى لنصرتهم.. او , وهذا اضعف الايمان ان لا يحرم عليهم ما حلله لغيرهم. و.. (وسبحان الذي اسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله ) .. وصدق الله العظيم