في ذروة نشوة النصر التي يتمتع بها نتانياهو بعد ان نفذ مشروعه الخاص في الشرق الاوسط بدون ردود فعل من اي نوع, سواء في العالم العربي أو أوروبا أو الولايات المتحدة , اللهم الا من بعض تصريحات الشجب والاستنكار هنا وهناك, يحدد نتانياهو بشكل واضح ان العرب هم الذين أثروا في موقف امريكا بدليل ان مسز أولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية اكتفت هي الاخرى بشجب موقف نتانياهو لرفضه المبادرة الامريكية وتعمده السخرية من ادارة مستر كلينتون الى درجة اتهامها بعدم وضوح الرؤية وإصدار أحكام عاجلة بدون دراية حقيقية لما يجري بالفعل على ارض الواقع. وكانت آخر عروضه الاستعراضية هي عملية تبادل الأسرى والجثث بين اسرائيل ولبنان. وهي عملية أضفت على نتانياهو صفة السوبرمان, لأنه اعاد 60 اسيرا شابا و40 جثة لشهيد عربي, مقابل أشلاء جندي اسرائيلي واحد, لم تتمكن المروحيات الاسرائيلية من نقلها من ساحة المعركة الى ارض اسرائيل. في الوقت الذي فشلت فيه كل الجهود العربية في عقد قمة من اي نوع, بسبب الخلافات العربية ــ العربية التي تحتاج الى قمة عربية خاصة لإزالة آثار العدوان بين العراق والكويت وبين قطر والبحرين وبين سوريا والاردن وبين السلطة الفلسطينية وليبيا الى آخر قائمة الخلافات العربية التي هي في الحقيقة بلا سبب ولا محل لها من الاعراب. في وسط هذا الجو الذي احاط (بالبطل) نتانياهو أخرج من درج مكتبه مشروعه عن القدس الجديدة, وبدأ في تنفيذه على الفور غير عابىء بكل الاصوات التي تصاعدت حول الكرة الارضية, ومن بينها صوت الخارجية الامريكية وصوت الاتحاد الاوروبي وصوت مصر ومجموعة الدول العربية, وصوت كوفي عنان امين عام الامم المتحدة الذي اكد على ضرورة احترام قرارات الامم المتحدة وعدم تجاوزها, وأيضا بالرغم من صوت السلطة الفلسطينية التي رفضت المشروع جملة وتفصيلا. وأبدى نتانياهو عدم اكتراثه بكل الاصوات التي استنكرت مشروع القدس. وقال بدون استحياء: ان المشروع ليس له صفة سياسية ولكنه مشروع عمراني يستهدف رفع مستوى سكان (العاصمة) من اليهود والعرب على حد سواء. وخرج نتانياهو من اجتماع مجلس الوزراء يختال كالديك الروسي, فقد جمع المجد من اطرافه... ويا أرض انهدي ما عليكي قدي! ولكن نتانياهو العجيب تلقى فجأة ضربة قاضية أقوى من الضربة التي تلقاها تايسون من الملاكم هولفيلد التي اجبرت الأول على اعتزال الملاكمة! وجاءت الضربة القاضية من جانب لم يكن يتوقعه, جاءت من بيت رؤساء اسرائيل وعلى لسان رئيس اسرائيل عيزرا وايزمان. قال رئيس اسرائيل: سأتوقف منذ الآن عن مساعدة نتانياهو, لقد فعلت ذلك كثيرا, ولكنه لا يريد مساعدة من أحد ولا يحتاج اليها, لقد قاد عملية السلام الى طريق مسدود, ولا نجاة لنا من هذا المأزق الا بإجراء انتخابات مبكرة لكي يتحقق نتانياهو من اتجاه الرأي العام الاسرائيلي. وقال وايزمان: لقد اصبحت اسرائيل منبوذة على المستوى الدولي. وليس من المعقول ان يكون كلينتون الامريكي وشيراك الفرنسي وبلير البريطاني ومبارك المصري وكول الألماني وعرفات الفلسطيني على خطأ, ونتانياهو الوحيد الذي على حق. لقد خسرنا كثيرا من أصدقائنا بسب جهود رئيس الوزراء. وكشف وايزمان عن سر سياسي عندما قال: لقد قمت عدة مرات بتكليف من نتانياهو لتهدئة الأجواء بين نتانياهو والرئيس الامريكي والرئيس المصري والرئيس الفلسطيني, ولكنه لم يف بوعد واحد من وعوده, ولن أقوم بأية مهمة أخرى لمصلحته في المستقبل! ضربة الرئيس الاسرائيلي هي ضربة معلم وفي الوقت المناسب. وهي بالتأكيد أطاحت بأحلامه في السيطرة والعجرفة, وهي حتما ستؤدي بنتانياهو الى المصيدة التي يخشاها ويتجنب الوقوع فيها, وهي الانتخابات المبكرة لاستطلاع رأي الاسرائيليين في ممارسات نتانياهو الصبيانية الوقحة والمستفزة, حتى لأقرب الاصدقاء وأكثرهم اخلاصا لاسرائيل. ان مسلك نتانياهو منذ جاء الى السلطة كان موضع انتقاد من غالبية سكان اسرائيل, صحيح ان له مشجعين وأنصارا, ولكنهم جميعا من اعضاء الجماعات الدينية الارهابية الذين يريدون تحقيق أساطيرهم وخرافاتهم على الأرض الفلسطينية. ووجود نتانياهو في السلطة هو فرصتهم الوحيدة لتحقيق ما في عقولهم من خرافات. لأن نتانياهو واحد منهم وعضو متحمس في حلقاتهم. وهو ارهابي شرير ولكنه بدلا من إلقاء القبض عليه وإيداعه السجن, دخل الانتخابات وحصل على عدة اصوات تافهة جعلت كفته ارجح من السياسي بيريز وأتاحت له الجلوس على كرسي السلطان, أما الأصوات التي رجحت كفته فلم تكن فقط من جانب المتطرفين اليهود ولكنها جاءت ايضا من جانب المتطرفين العرب المصابين بداء الطفولة السياسية. وكان تحليلهم الخنفشاري ان بيريز هو شيطان يتخفى في ثياب ملائكة, أما نتانياهو فهو شيطان حقيقي والتفاوض معه سيكون افضل, وآه أيها السادة من التطرف وآه من الأشاوس المتطرفين. المتطرف اليهودي يلتقي في النهاية بالمتطرف العربي بالرغم من اختلاف الاهداف والغايات, والمتطرف الماركسي يجتمع في نهاية الشوط مع المتطرف الاسلامي. لأن للتطرف منطقه مهما كان الثوب الذي يرتديه والعلم الذي يرفعه. علي اي حال الفرصة سانحة الآن للاطاحة بنتانياهو, وعلى العرب المقيمين في اسرائيل ويحملون جنسيتها ان يحتشدوا لتلقين نتانياهو درسا لا ينساه, وعليهم الانضمام الى الاغلبية الاسرائيلية التي تؤمن الآن بأن الخطر الحقيقي عليها هو نتانياهو شخصيا. وعلى اطفال السياسة من العرب ان يكفوا عن افكارهم الصلعاء وأن يتوقفوا عن اصدار فتاويهم المضحكة وان يتركوا الساحة للسياسيين العرب من اجل استخلاص القدس والضفة من بين انياب التطرف الاسرائيلي. لأن البديل خطر وبشع ومؤلم جدا, ليس للعرب فقط, ولكن للعرب وللاسرائيليين ايضا. نتانياهو في مأزق ايها السادة واسرائيل صرخت من ممارساته, وجاءت صرختها على لسان رئيسها عيزرا وايزمان. وينبغي انتهاز الفرصة لضربه على ام رأسه ضربة قوية لا يفيق منها ابدا. ليعود الى بروكلين يمارس في شوارعها الخلفية صياعته وشقاوته وهي نهايته التي أنتظرها قريبا... وأقرب مما يتصور المتطرفون اليهود والعرب ايضا! هذه كلمة أرفعها الى المهندس الوزير محمد ابراهيم سليمان بخصوص اهالي قرية ميت عقبة. لقد قرر الوزير ازالتها وترحيل سكانها. ولا بأس من اجل المشاريع وفي سبيل المصلحة العامة ان يضحي بعض المواطنين ويتحملون الاعباء, وعلى شرط ان تكون هذه الاعباء في حدود العقل وفي نطاق المعقول. ولكن العبدالله يعتقد ان التعويض الذي وافقت عليه الوزارة لأهالي ميت عقبة, لا علاقة له بالعقل ولا صلة له بالمعقولية. وهل من المعقول يا سيادة الوزير ان ثمن متر الارض في ميت عقبة يساوي 300 جنيه؟ وهل من المعقول يا سيادة الوزير ان يكون تعويض الوزارة عن الحجرة 200 جنيه, اما الصالة والمطبخ والحمام فلا مقابل لها على الاطلاق! والعبد لله من جيران ميت عقبة ولي من بين سكانها اصدقاء, وصديقي الحاج كمال يوسف السائق الخاص لصديقي المهندس الوزير السابق علي والي, أسرع بإرسال تاكسي يحمل دموعه ومواجعه على مصير ميت عقبة, وهو الذي ولد على ارضها وعاش حياته التي تقترب من الستين بين ربوعها. وهو حزين لأنه سيغادر ميت عقبة, ولكن كيف يغادرها وإلى أين؟ وهل يكفي التعويض لبناء بيت له ولأسرته؟ وهو في النهاية لا يطلب شيئا لنفسه, ولكنه لا يطيق رؤية أبنائه يسكنون في حجرة تحت سلم أو في كوخ في خرابة. كل ما يريده هو ان يكون التعويض بيتا متواضعا مثل بيته, وعلى نفس المساحة التي يحتلها بيته, وعلى اية بقعة من ربوع الارض المصرية. وثقتي في الدكتور ابراهيم سليمان كبيرة, وثقتي أكبر في الدكتور كمال الجنزوري رئيس الوزراء, وكلنا على يقين بأن الدكتور الجنزوري انسان يخاف الله ويتقي دعوة المظلوم. ولذلك... فأنا على يقين بأن كل شيء بالنسبة لأهالي ميت عقبة سيكون على ما يرام!