نضع أيدينا على الحاضر, وأعيننا على المستقبل, ثم نراهن على الانسان صاحب الانتماء الحقيقي, والوعي المؤسس على الحقائق وعلوم العصر, بعيدا عن الشعارات وهتافات الستينات التي اغرقتنا في أوهام زادتنا تخلفا بدل ان تسهم في اخراجنا من كل ذلك العبث والعشوائية وتغييب الحقائق . كثيرون ـ واعتبر نفسي واحدة منهم ـ يراهنون على التعليم باعتباره المخرج الاول من هذا النفق المظلم الذي بدأ منذ تجمد الفكر العربي وصودر حق الاجتهاد ونفي علماء التجديد خارج الغلاف الجوي بتهمة الالحاد والابتداع! ولسنا الوحيدين الذين نراهن على محور التربية والتعليم, فكل الامم راهنت عليه بكل أرصدتها, وكسبت الرهان. فعلت ذلك اليابان حين استسلمت للحلفاء بعد الحرب وقبلت كل شروط الاذلال والتدخل في تفاصيلها القومية العليا ما عدا منظومة التعليم, فقد واتتها جرأة الحق في ان تعارض العالم كله حين اراد ان يتدخل في صلب هذه المنظومة, ولذلك ابدعت اليابان تعليميا, وتفوقت, وهددت الولايات الامريكية العظمى وفي عقر دارها بمخرجات هذا التعليم. وفي الصين هناك ثلاثة محرمات لا تسمح الدولة لكائن من كان من خارج حدود الصين ومن داخلها (شركات ـ أو رجال اعمال) بالتدخل فيها او السيطرة عليها: التعليم والصحة والغذاء, ولذلك فامريكا اليوم تخطب ود الصين رغم كل المقاطعة والجفاء وعدم الاتفاق, ورغم الهجاء الامريكي العلني للصين لانتهاكها حقوق الانسان,ودخولها سباق التسلح النووي. ويوم بوغتت امريكا ببرنامج الفضاء الروسي في الستينات لم تذهب عقول اصحاب القرار هناك بعيدا عن التعليم, فكان ان قرروا تغيير مناهج التعليم لانها السبب كما ايقنوا يومها في (تخلفهم) عن روسيا, ولذلك طالب الرئيس الامريكي الكونجرس بمعاهدة الشعب على العمل بكل الوسائل للحاق بالبرنامج الروسي وتحقيق سبق امريكي عليه.وقد حدث. الشاهد من كل ذلك, أن التعليم هو المجال الذي يفترض منا جميعا ان نراهن عليه في سباقنا للمستقبل, والتعليم هنا منظومة متكاملة تضم الكوادر البشرية, والمناهج, والتقنيات, والخطط,و المباني والاهداف المراد ان يحققها هذا التعليم, لذلك فتغييره او تطويره يشمل كل ذلك. وترتيبا على كل ما سبق, فنحن نشد وبقوة على يد الدكتور علي عبدالعزيز الشرهان وزير التربية والتعليم في كل ما يذهب اليه في أمر التعليم, قد نختلف معه في التفاصيل الصغيرة, والخلاف حق مشروع وهو المناخ الصحي السليم الذي يسعى التعليم في هدفه النهائي لتحقيقه وصيانته, بشرط ان يكون خلافا في طريقه ومكانه الصحيحين. الخلاف الحق على التفاصيل الصغيرة في مسيرة الالف ميل, لا يجعلنا من المثبطين ولا من حزب (الشكاكين) في النوايا والاهداف, العكس هو الصحيح, فالخلاف الحق والصحيح يفتح دائما نوافذ الضؤ والهواء لرؤى اكثر انفتاحا وتوجهات أكثر طموحا. تصحيح مسيرة التعليم الذي يباشره وزير التربية بكل هذا الطموح والحماس والتحدي لتيارات البيروقراطية, عمل وطني يستحق المؤازرة والدعاء بان يكون لصالح الوطن والامة.