في دولنا ودول العالم الثالث, فان أسعد يوم في حياة رئيس التحرير, هو اليوم الذي يذهب فيه الى مكتبه صباحا ويغادره بعد ذلك في أي وقت, ظهرا أو مساء, من دون ان يتلقى مكالمة من وزير أو مسؤول كبير, لانه اعتاد الا يتصل أحد من هؤلاء الا لشكوى من خبر أو ضيقا من مقال او غضبا على تقرير, فينغص على رئيس التحرير يومه ويحوله الى هباب . وهباب, حقيقة هي الكلمة المخففة لما يكون عليه رئيس التحرير من نرفزة وتوتر أعصاب وقلق وغضب ينعكس بالضرورة ومباشرة على العاملين معه ومن حوله من صحفيين ومساعدين, فيما الكلمة المناسبة للحالة هي زفت وما في مستواها, وهي التي يكثر من استخدامها ذلك اليوم رئيس التحرير, تعبيرا عن الحالة الخاصة عنده وعن المزاج اليومي, وتعبيرا أكثر عن حالة الصحفي, كل صحفي. وبما أن كل وزير او مسؤول ينطلق من شكواه الى أن الخبر المنشور غير صحيح او ان التقرير كاذب او ان المقال مدسوس او متحامل او غير ذلك من ألفاظ واتهامات فيهدد باتخاذ الاجراءات ويطالب بالتصحيح فورا, فان رئيس التحرير يباشر فورا في اجراء تحقيقات موسعة حول الخبر المزعوم او التقرير, تحريا للصحة والدقة والحقيقة, فاذا تبين صدق الخبر وصحته وعدم أحقية صاحب الشكوى, ارتاح رئيس التحرير وارتفعت معنوياته, وعاد الى سيرته من الهدؤ والراحة النفسية. ولا يحدث إلا في حالات نادرة وقليلة أن تكون الاخبار موضوع الشكوى غير صحيحة, او مختلقة او انها كاذبة ولا أساس لها من الصحة, عادة ما ينال عليها الصحفي الذي كتبها جزاءه من رئيس التحرير, في لفت النظر والانذار كعقوبة مخففة الى الفصل من العمل عند تكرار مثل هذه الاخطاء التي تعتبر قاتلة في العمل الصحفي, ولا يمكن لأي رئيس تحرير في الدنيا ان يسمح بها, لأن رأسمال صحيفته قبل التوزيع والنشر, المصداقية والحقيقة. طبعا مثل هذا العذاب اليومي لا يحدث لرؤساء تحرير في دول متقدمة من حيث الحريات والقوانين, كالدول الغربية مثلا, فالذي لديه شكوى او تظلم او رأي ضد ما ينشر ويكتب, سواء كان مسؤولا كبيرا او مواطنا عاديا, عليه ان يلجأ الى القضاء, فيحكم له او ترد دعواه, ما يعفي رئيس التحرير يوميا من الهواتف الصباحية, فيتلقاها بدلا عنه المستشار القانوني للصحيفة اومحاميها, ويتفرغ رئيس التحرير لدوره الحقيقي, رسم سياسات العمل وتوزيع الاعباء اليومية المطلوبة من زملائه المحررين. رئيس التحرير مسؤول قطعا عما ينشر في جريدته قانونيا بحكم عمله ووظيفته وبهذه الصفة, لا بصفته الشخصية, لذلك فأكثر الناس يتوقعون ان رئيس التحرير لا عمل لديه في الصحيفة سوى قراءة ما ينشر فيها واجازتها للنشر, وهو لو قام بذلك فعلا فيكفيه اسبوع لكي يعمى واخر لكي يموت من الجوع حيث لن يكون لديه وقت لاي عمل اخر بما في ذلك الاكل, وهذا التصور الخاطىء هو الذي يقود الى هجوم الهواتف الصباحية حاملة الشكاوى على مكتب رئيس التحرير, فيكون في عدم رده عليها منجاته ذلك اليوم وسلامة اعصابه. وهناك اليوم رئيس تحرير مطلوب للسجن والغرامة هو رئيس تحرير الوطن الكويتية, بسبب نكتة في صفحة التسالي ورسمة كاريكاتير مرسومة من خارج الجريدة, وهناك ايضا رئيس تحرير اخر صفعه رئيس دولة على وجهه بسبب مقال, فنعرف من الحالتين مثلا ان احدهما لم يكن يقصد ارتكاب جريمة نشر, فالاخطاء في الصحف على قفا من يشيل, وان الاخر كان قاصدا لانه ابدى رأيا لا بد ان يكون مستعدا للدفاع عنه امام محكمة, لولا ان احدهما حوكم بجريمة, لا بخطأ صحفي وارد كل يوم, والاخر صفع من دون ان يتسنى له الدفاع عن نفسه, فنعرف الحال التي عليها رؤساء التحرير, وحال الصحافة عموما.