قضايا تصنع المستقبل: مشاهد من مسرحية النفاق الاستراتيجي: بقلم- رجاء جارودي

كثير من الملاحظين السياسيين في الغرب (امريكا وبريطانيا وفرنسا على وجه الخصوص) علقوا على رد الفعل الامريكي عقب قيام الهند بتجاربها النووية الخمس تحت الارض واتفقوا على ان واشنطن في الحقيقة لا تستهدف الهند بل تخشى ان تسارع بعض الدول الاسلامية الى امتلاك التكنولوجيا النووية اما تشبها بالهند او اتقاءً لعدوان هندي او..... بالتعاون مع الهند . وبالطبع فان الدول الاسلامية المقصودة هي الباكستان وايران والجماهيرية الليبية الى حد اليوم قبل ان يتطرق الشك الى دول اخرى. وقد ذكرتني هذه التعليقات الوجيهة بفقرة شهيرة من كتاب المفكر الامريكي منظر البنتاجون وحلف شمال الاطلسي صمويل هنتنجتون حين كتب في دراسته المعروفة بعنوان صدام الحضارات ما يلي حرفيا: (ان الدول الكنفوشية والدول الاسلامية تواصل تسلحها ولذلك من الواجب الحتمي على امريكا ودول حلف الاطلسي عدم خفض قدراتها التدميرية بل والحفاظ على التفوق العسكري التكتيكي في منطقة الشرق الاقصى وجنوب غربي آسيا, مع العمل المتواصل لاستغلال النزاعات والازمات بين الدول الكنفوشية والدول الاسلامية ووجوب دعم الجماعات الموالية لقيم الغرب ومصالحه داخل هذه المجتمعات غير الغربية. ان الغرب مدعو للحفاظ على طاقاته العسكرية والاقتصادية لحماية مصالحه في حالة تصادم حضاري...) . هذا ما كتبه صمويل هنتنجتون ونلاحظ انه لم يدخل في حسابه الاستراتيجي القوة الحضارية الهندوسية كأنما جاءت التجارب النووية الهندية مفاجأة للولايات المتحدة! وهي التي تعلم بالضبط انه منذ الستينات سعت الهند الى توازن القوى بينها وبين الصين الشعبية على اثر الازمات الحدودية وان امريكا لم تمانع في تخويف (القوة الكنفوشية) بالشبح الهندي قبل التفكير في احلال السلام مع الصين في عهد الرئيس نيكسون. ولا بأس من التذكير بان صمويل هنتنجتون توصل في كتابه الى استنتاج يقول بان (تصادم الحضارات سوف يطغى على السياسة الدولية وستكون خطوط التصادم العنيف بين الحضارات هي جبهات الحروب في المستقبل...) . ولابد ان نتساءل ونحن نعيش مرحلة موت السلام في الشرق الاوسط والذي نعاه نتانياهو بنفسه (ما هو الدور الذي اوكلته امريكا لاسرائيل لتؤديه ضمن هذه النظرية الجغراسياسية المتفق عليها؟) . ان اسرائيل في نظر امريكا ــ والغرب عامة ـ تتمتع بموقع استراتيجي حاسم في صراع الحضارتين: الحضارة الغربية والحضارات غير الغربية. ألم يحدد ابوالصهيونية تيودور هرتزل (رسالة اسرائيل) قبل انشاء الدولة اليهودية بنصف قرن ــ في مؤتمر بازل سنة 1897 ــ حين كثف مساعيه للتقرب للدول الاستعمارية في ذلك العهد (اي بريطانيا وفرنسا والمانيا وايطاليا وروسيا) وكان يستعمل حجته القوية المقنعة التالية (كما جاءت في كتابه الدولة اليهودية) : يقول هرتزل حرفيا: (اذا ما تبنت احدى هذه الدول العظمى دولة اليهود فهي لن تنال قصب السبق فحسب ضد منافساتها ولكن الحضارة الغربية كلها ستغنم هذا الكسب, لان اسرائيل ستكون موقعا متقدما مخترقا من الغرب في قلب المشرق, وستكون الدولة اليهودية نصرا للاختراق الاستعماري الغربي. اننا سنكون بالنسبة لاوروبا سورها المنيع ضد آسيا وسنكون قلعة حصينة للحضارة ضد الهمجية...) . (من كتاب الدولة اليهودية لتيودور هرتزل ــ طبعة ليبشوتز باريس 1926, ص 90 وما بعدها) . وقد كان الرئيس (دوايت ايزنهاور) بعد الحرب العالمية الثانية يؤكد باستمرار بان منطقة الشرق الاوسط اهم منطقة استراتيجية في العالم (من كتاب ستيفن شبيجل: الصراع الاسرائيلي العربي الآخر. طبعة جامعة شيكاغو 1985 ص 51) . ومن هنا نفهم كذلك لماذا كان رد فعل اسرائيل على التجارب النووية الهندية ردا حذرا... بل لعل هناك مشروع تعاون بين اسرائيل والهند حول تطوير اسلحة الدمار الشامل سوف لن ترى فيه واشنطن تهديدا للسلام العالمي ولا للجيران, مادامت اسرائيل ستخترقه وتغتنمه. نحن على كل حال امام مشاهد حية من النفاق والمراوغة على الساحة الدولية تتوالى فصولها في شكل مأساة. تمت كتابة هذا المقال قبل اجراء باكستان لتجاربهاالنووية, وبعد الاعلان عن تجارب باكستان يؤكد الكاتب تأييده دخول بلد إسلامي كبير للنادي النووي وان الخطر يكمن في انفراد اسرائيل بالقوة النووية ...

طباعة Email
تعليقات

تعليقات