عندما تحدثت عن الحنين لحارات اللهو التي غيبتها مساحات الاسفلت وعن طفولتنا التي تحاصرنا فجأة وتحضرنا دفعة واحدة اذ نمر بتلك الحارات او بأطرافها , في حديثي لم اقصد أبدا ان اصادر هذا الحنين لجيل بعينه, كما انني لم احمّل اجيال اليوم مسؤولية التجديف بعيدا في انهار ومسارات لا علاقة لها بالماضي. اذكر انني قلت في (ابجديات) الجمعة ان تباعد الاجيال عن جذورهم خطيئتنا وليست ابداً خطيئتهم. اقول ذلك لان هناك من ابنائنا الشباب من فهم ان الكلام توجيه اتهام لهم بالانفصال عن جذورهم واصالتهم. واحتجاجهم, هذا كما نقله لي واحد منهم يكفي ليزرع الدنيا امامنا أملا وتفاؤلا, ويدفعنا للتفكير في القادمين على الدرب من الأجيال التي تسكن اليوم ضمير الغيب والتي ستصبح وقود الايام في غدنا الآتي. أصر على دور المجتمع بجميع مؤسساته وأولها الاسرة في قضية التواصل والتمسك بالهوية, فالاجيال التي تمسك بصورتها في مرآة الامس, لا تمارس عشقا نرجسيا يائسا بقدر ما تقبض على جمر الشرايين والاوردة كيلا تفقد الحرارة ولا تنسى دفء الوجود. الاسر الصغيرة التي حلقت خارج سرب الاسرة الكبيرة, تحلم بالمنزل الفخم والتعليم الراقي لابنائها, والاجواء المريحة لهم في قضاء فراغهم او في ممارسة العابهم, هذه الاسرة شقت بين الأمس والغد خندقا ليس في امكان الصغار القفز فوقه للضفة الاخرى, المشكلة ان على الضفة الاولى يقف الانسان وعلى الاخرى تصلب هويته بشكل نازف في الوقت الذي لا يستطيع ان يفعل شيئا سوى الفرجة وكأنه ينظر الى ساحة آثار او متحف لحضارات بادت وانتهت. القوالب الحديثة الجميلة المزركشة كعرائس العلب, تلك التي علبنا فيها ابناءنا, وصرنا ننظر لهم ببلاهة فرحين بهم وبالمدارس الاجنبية التي يرطنون فيها بعد السنة الاولى بلغات الآخرين, ويجيدون العابهم ويستخدمون اجهزتهم, ويرتدون ملابسهم, ويتسوقون ويأكلون على طريقتهم, هل هذا ما كنا نطمح اليه فعلا يوم فكرنا في ان نتغير نحو الافضل؟ لا احد يعارض هذا الأفضل او يرفضه, ولا نطالب باعتزال العالم, فالعالم كله يسير نحو (العولمة) او الكونية هذه البضاعة التي توزع نفسها بشكل جيد ومدروس من خلال الفضائيات ومحلات الوجبات السريعة, والتسوق على النمط الامريكي, وموسيقى سبايس جيرلز و(مادونا) وافلام هوليوود, و..... الخ. فهذه البضاعة هي الضمان لتكوين اناس مستنسخين في كل العالم فكرا وسلوكا وثقافة بشكل عام. شئنا ام أبينا فاننا نسير في تيار العولمة, ونظرة بسيطة لسلوكياتنا وما يدور حولنا تؤكد ما نقوله. الا ان هذا الواقع لا يمنع ان نقبض على هويتنا حتى لا نتلاشى تماما, فتكون الطامة الكبرى. انت لا تزج بنفسك في بحار متلاطمة دون ان تحتاط لأسباب النجاة, فهذا جنون قذف النفس للتهلكة, وكذلك الحال لاجيالنا التي نقذف بها ـ وباستسلام ــ لحياة متلاطمة صاخبة دون ان نزودها بعوامل النجاة واسباب البقاء. الشعور بلذة الانتماء الى تاريخ وهوية, والرجوع اليهما باستمرار وباصرار هو الضمانة وصمام الامان, وهو دورنا لحماية انفسنا واجيالنا. نحتاج الى استراتيجية الحفر في الذاكرة, والوشم على تفاصيل اليوم, علّ الحفر يبقى, وعلّ الوشم يرسم ذاكرة لا تمحى ابدا.