يعاني الموظف العربي من نقص مخجل في آداب وأخلاقيات المهنة, والذي ما يطلق عليه في الدول الغربية بـ Professionalism, الكلمة التي نجد لها مرادفاً عملياً في عالمنا العربي, ليست بنفس قوة معناها باللغة, كما لا نستطيع التحديد اللغوي العربي المرادف لهذه الكلمة وبالشكل الذي يعطي الكلمة حقها ومعناها الدقيق. تعريف المهنية ففي قاموس المورد لعام 1998 وردت كلمة Professionalism بمعنيين هما: الحرفانية والاحترافية, الحرفانية تعني (الصفة او الروح او الطرائق الحرفية او المهنية) . والاحترافية تعني (التكسب بكل مالا يعتبر في الاصل حرفة يتكسب بها (كالرياضة البدنية والسياسة الخ)) , ما يهمني في هذا المقال هو المعنى الاول وهو الحرفانية ولكن حتى هذه الكلمة غير مألوفة لدى الكثير وبعد التحري عن معنى هذه الكلمة لم اتوصل الى كلمة واحدة بل عدة كلمات منها الحرفنة, المهنية, الحرفية, والكلمة الأكثر تكراراً كانت المهنية وهي تمثل آداب المهنة والالتزام بها, وبرغم وجود القليل من الناس ممن يرددون هذه الكلمة الا ان العديد منهم لا يدركون معناها العملي اضافة الى وجود البعض ممن يعي المعنى ولكن ظروف البيئة العربية تمنعه من تطبيقها. التعريف الاجرائي او العملي لآداب المهنة يتمثل في قدرة الفرد على القيام بدوره الوظيفي باتقان وبموضوعية تعتمد على طرائق وآداب مهنية تحدد علاقاته مع الاخرين وتهدف الى رفع كفاءة المؤسسة التي يعمل بها وهذه القدرة بطبيعة الحال تختلف من شخص الى آخر. آداب المهنة كثيراً ما نتساءل عن الصفات التي يجب ان تتوافر في الشخص المهني او نتساءل عن ما هو المطلوب توافره حتى يكون الفرد مهنياً سؤال لا يهتم به الكثير لأن الاسباب التي تدفع معظم الناس الى العمل هي اسباب اخرى غير العمل, سبب آخر لعدم اهتمام الناس بالمهنية انها ليست جزء من شخصياتهم لأنها لا تمارس ابداً, وبالتالي ما لا يمارس لا يتميز الانسان به الممارسة تصقل المهارة او السمة عند الانسان فمثلاً كثرة الكتابة تميز الكاتب عن غيره ممن لا يكتب, وتدريب الطفل على قول الصدق يجعل منه انساناً صادقاً وأمينا في المستقبل هناك فئة من الناس تدعي ما ليس فيها, كأن يدعي شخص انه Professional في عمله ويتظاهر بذلك لبعض الوقت ثم يعود الى طبعه الغير مهني. وكمال قال الخطيب محمد بن عمر الاشبيلي: وكل الى طبعه عائد وان صده المنع عن قصده كذا الماء من بعد اسخانه يعود سريعا الى برده كثيراً ما يربط علماء السلوكيات بين الاخلاقيات والحرفية في المهنية لأن هذه الاخلاقيات هي التي تحدد آداب المهنة عند الفرد وتؤثر في شخصيته, ومن آداب المهنة التي تميز الشخص المهني عن غيره هي: ـ الاستقامة والأمانة والعطاء بصدق في العمل ـ احترام زملاء العمل. ـ الالتزام ـ الاهتمام بالمصلحة العامة على المصلحة الشخصية ـ تطبيق مهارات العمل التخصصية للرفع من مستوى العمل ـ عدم التدخل في خصوصيات الآخرين ـ عدم الدمج بين القضايا الشخصية والعمل. ـ معاملة الزميل سواء إن كان رجل ام امرأة كشخص وليس كجنس ـ الابتعاد عن النفاق الاجتماعي. هذه بعض ما تبادر الى ذهني من آداب مهنية يتحلى بها الشخص المهني وخاصة النفاق الاجتماعي, الذي يخلط البعض بينه وبين المجاملة العادية فالنفاق الاجتماعي يقتل روح المهنية عند الشخص ويقلل من انتاج العمل ويعرقل تقدم المؤسسة التي يعمل بها الفرد ويشوه العلاقات المهنية بين الزملاء. العوامل التي تؤثر في بناء الشخصية المهنية مما لا شك فيه ان المهنية مفهوم نسبي يختلف باختلاف الافراد واختلاف المجتمعات, حيث انه اقل تطبيقاً وممارسة في المجتمعات العربية عن غيرها من المجتمعات الاخرى. ان قلة وعدم ممارسة المهنية في بعض المجتمعات العربية يرجع الى تذبذب واختلاف مفهوم العمل عند العرب فليس كل موظف يعمل من اجل العمل, معظمهم يعملون لأسباب مختلفة وقد يكون آخر هذه الأسباب هو العمل نفسه مفهوم المهنية في بعض المجتمعات الاخرى وخاصة الغربية قد يتضمن معنى جوهريا يصبح مع الوقت سمة من سمات الشخصية العملية الجادة. ولكن في الوقت نفسه فإن هذا لا يعني ان الغربي يعمل فقط من اجل العمل مما يجعل منه شخصا مهنيا هناك العديد من العوامل التي تتدخل في تهيئة روح المهنية عند الشخص, اهمها التنشئة الاجتماعية (تربية الوالدين ــ المدرسة ــ الاصدقاء ــ والمجتمع بصفة عامة) وأثرها في بناء الشخصية المهنية بعد التنشئة الاجتماعية يأتي دور الخبرات العملية التي يتعرض لها الشخص في العمل, اضافة الى تأثير زملائه والجو الوظيفي الذي يعيشونه. برغم وجود المهن والوظائف في مجتمعاتنا الا ان العديد منها يعاني من اللامهنية في التطبيق وهذه حقيقة يجب مواجهتها عاجلاً أم آجلا ومواجهتها يجب ان تبدأ من الفرد نفسه لانها عادة مكتسبة تتحول بالتدريب الى جزء من شخصيته ولن يستطيع اي رئيس مؤسسة فرض المهنية على اي موظف ما لم يرغب الموظف بذلك وحتى نرتقي بهذا المجتمع بكافة جوانبه الاجتماعية والاقتصادية يجب على الموظف ايا كانت وظيفته رئيساً ام مرؤوساً ان يتحلى بصفات وروح المهنية, ويجب ان يبدأ بتغيير نفسه اولاً حتى يغير المجتمع الى الافضل واختم حديثي بقوله سبحانه وتعالى (.. ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم...) (سورة الرعد, آية 11). استاذة بقسم علم النفس/ جامعة الامارات*