في حديث لمجلة (المصور)المصرية سئل الأخ (أبومازن)عن مصير اتفاق أوسلو بعد كل ما حدث وأجاب مهندس أوسلو بثقة: من عنده البديل فليقل لنا عليه ! والبدائل كثير.. ولكن السلطة الفلسطينية من موقعها غير قادرة على رؤيتها, فإذا رأتها فهي غير قادرة ولا مؤهلة للسير في طريقها. وهذا هو لب المأساة التي أدركتها اسرائيل منذ اللحظة الأولى للتوقيع على (أوسلو) . بعدها قال رابين انه ليس أمام عرفات طريق آخر. لب المأساة أن السلطة الفلسطينية تنازلت عن كل الأوراق التي كانت الثورة الفلسطينية تملكها مقدما وبدون ثمن.. أوقفت الانتفاضة وأدانت المقاومة الوطنية وصدقت على أنها ارهاب وعدلت الميثاق, واعترفت باسرائيل وتنازلت لها عن 80% من أرض فلسطين دون أن تأخذ حتى الاعتراف المقابل بالدولة الفلسطينية على ما تبقى من أرض. تركت كل القضايا الجوهرية لمفاوضات تعرف نتيجتها مقدما.. القدس واللاجئين والمياه والمستوطنات. لب المأساة أن اسرائيل حصلت في أوسلو من عرفات على كل ما تريد, ولم يحصل عرفات إلا على الوعود الأمريكية التي سرعان ما تنصلت منها أمريكا لتتركه عاريا في مواجهة اسرائيل التي تعرف جيدا ومنذ البداية ما يقوله أبو مازن الآن من أن عرفات لم يعد يملك أي بديل آخر. كان المفترض أن يكون أساس التسوية هو مبدأ (الأرض مقابل السلام) وكان ذلك يعني ألا تنعم إسرائيل بالزمن إلا إذا أعادت الأرض المحتلة عام ,1967 لكن التنازلات المجانية التي تبرع بها عرفات كانت كارثة, وأدت إلى وضع وجدت فيه إسرائيل نفسها تحتفظ بالأرض والسلام معاً .. بعد أن ألقى عرفات السلاح وأوقف الكفاح المسلح, ولم يتعلم الدرس الأول من دروس حركات التحررالوطني وهو ألا تلقي السلاح قبل أن تحقق الهدف. لقد قضى مانديلا 27 عاما في السجن ورفض ــ حتى بعد الافراج عنه ــ أن يدين الكفاح المسلح أو ان يوقف القتال ضد الدولة العنصرية في جنوب افريقيا حتى استسلمت, وفي فيتنام والجزائر وكل شعب حارب من أجل الحصول على حريته, كانت المفاوضات تدور والقتال مستمر, وكانت كل الأطراف تدرك أن نتائج المفاوضات ستتحدد على أرض المعارك. ولماذا نذهب بعيداً ولبنان يقدم المثل الذي ما زال حيا الآن, أخرج الاسرائيليين وأخرج الأمريكان, وها هو يذيق الاسرائيليين المر في الجنوب ويرفض حتى ان يمنحهم شرف الخروج من المستنقع دون الاعتراف بالهزيمة الكاملة. أما عرفات فكان قد تعب من النضال, وبدلا من أن يسلم الراية لاجيال جديدة تواصل المسيرة ذهب إلى أوسلو ليعلن انتهاء المقاومة, وليبدأ بعد ذلك حربا شرسة لفرض الاتفاق بالقوة ـ وبالمساندة الأمريكية الاسرائيلية ــ على الشعب الذي ضحى وناضل وسقطت منه أجيال من الشهداء .. وما زالت. والنتيجة هي ما نراه الآن .. اسرائيل تفعل ما تريد في الوقت الذي تريد وبالكيفية التي تراها, وترفض المبادرة الامريكية التي لا تلبي مطلبا حقيقيا للفلسطينيين, وتفرض على الامريكان منطقها بأنها وحدها التي تحدد احتياجاتها من الارض (العربية طبعا) التي تلزمها بحجة انها الادرى بمتطلبات امنها. وتقبل امريكا صاغرة, بل ويبدأ قادتها في الاعتذار (وبوس القدم على غلطتهم في حق الغنم) .. وتجرؤهم على التفكير في حل يؤجل الانفجار المقبل لا محالة. وتتبارى القيادات الامريكية في تقديم آيات الولاء لاسرائيل, وتؤكد اولبرايت ان تحالف امريكا مع اسرائيل باق ما بقيت الشمس. ويذهب آل جور نائب الرئيس الامريكي الى مقر اقوى المنظمات الصهيونية الامريكية ليتكلم بالعبرية مؤكدا ان دعم امريكا لاسرائيل سيزداد, وان الفلسطينيين مسؤولون عن (الارهاب) , وان مهمة عرفات العصيبة ينبغي ان تكون محاربة الارهاب 24 ساعة في اليوم, و365 يوما في السنة ولن تقبل امريكا منه اقل من ذلك! ويدرك الجمهوريون ان آل جور يريد الحصول مبكرا على الدعم اليهودي له في انتخابات الرئاسة الامريكية المقبلة, ويسرع جينجريتش زعيم الاغلبية الجمهورية في الكونجرس الى اسرائيل ليعلن بالفم المليان ان القدس هي عاصمة اسرائيل الابدية, وان الكونجرس مستعد لتقديم معونة اضافية قدرها الف مليون دولار لتغطية تكاليف اعادة الانتشار الاسرائيلي في الضفة الغربية... اي لأقامة الطرق وربط المستعمرات الاسرائيلية في الضفة للابد اعلانا بأن المستعمرات الاسرائيلية باقية وان اسرائيل ستحتفظ بنصف الضفة في يدها, وان ما ستحصل عليه السلطة الفلسطينية ــ حماها الله ــ هو مجموعة كانتونات متفرقة لا تصلح اساسا لدولة ولا تشكل كيانا مستقلا. اما السلطة الفلسطينية فتجد نفسها في وضع لا تحسد عليه, فهي كما يقول (ابو مازن) لا تملك اي بديل, ولم يعد في يدها الا الامل في موقف امريكي متزن, وهو امل لن يتحقق لان امريكا لن تفعل شيئا الا اذا كان في مصلحة اسرائيل, ونتانياهو يدرك تماما هذه الحقيقة كما ادركها كل زعماء اسرائيل قبله, والفرق الوحيد ان وقاحة نتانياهو تجعله يسمى الاشياء بأسمائها ولا يترك لاحد حتى ورقة التوت التي يغطي بها جسده. عرفات يتصور الآن انه سيحصل على شهادة حسن السير والسلوك من امريكا, وانه بهذه الشهادة سيفعل الكثير وسيضمن وقوف امريكا معه لانقاذ الموقف من الانهيار, ولكن امريكا لن تفعل.. فهي من ناحية تنتظر المزيد من التنازلات الفلسطينية, وهي من ناحية ثانية لن تقوي موقف الفلسطينيين اثناء التفاوض, وهي من ناحية ثالثة قد تختلف مع نتانياهو في التفاصيل ولكن الهدف يظل واحدا ولا يمكن ان يكون في صالح العرب والفلسطينيين بالذات. ان اقصى ما تهدد به الادارة الامريكية الآن ان تنفض يدها من العملية كلها, وهو ما ترفضه اسرائيل وتعتبره محاولة للضغط عليها, وتجند كل انصارها في امريكا لمنعه, وبسبب هذا التهديد (الذي لن يتم) اعلن جينجريتش زعيم الاغلبية في الكونجرس ان اولبرايت عميلة للفلسطينيين!! وما ينبغي استخلاصه هنا انه رغم كل التهديدات فإن اسرائيل تريد استمرار العملية مع تعديلاتها بحيث يستمر التفاوض الى مالا نهاية, وبحيث تتحول اوسلو الى الستار الذي تختفي وراءه اسرائيل وهي ماضية في تنفيذ مخططاتها لاستكمال تهويد القدس والسيطرة على ماتريده في هذه المرحلة من الأرض المحتلة. وماينبغي استخلاصه ــ رغم قنابل الدخان هنا وهناك ــ ان اسرائىل حريصة على وجود امريكا داخل العملية, وحريصة اكثر على انفرادها بــ (رعاية) العملية.. لانها تدرك ان المصالح واحدة وان مهمة امريكا لن تكون الا فرض الحل الاسرائيلي على الفلسطينيين والعرب! من اجل هذا سارعت اسرائيل برفض المبادرة المصرية الفرنسية المشتركة بعقد مؤتمر دولي لانقاذ عملية السلام. ورغم التأكيد الفرنسي بان المؤتمر المقترح لا يلغي الدور الامريكي بل يسانده, فقد رفضت امريكا بحجة ان الاولوية ينبغي ان تكون الآن للمباحثات الثنائية, وهي المباحثات التي يديرها نتانياهو على هواه, وبهدف واحد وحيد.. وهو ألا تنتهي المباحثات قبل ان تتم كل المخططات الاسرائىلية في الارض المحتلة, هذا إذا كانت هناك نهاية لهذه المباحثات! ولعل هذا ينبه الأذهان الى أحد البدائل التي لا يراها الأخ (أبو مازن) وهو اعادة الاعتبار للشريعة الدولية التي داس عليها الجميع وهم في طريقهم الى الحديقة الخلفية للبيت الابيض يوقعون على الاتفاقيات ويقدمون فروض الطاعة ويطلبون السماح على ما كان من نضال, ومقاومة, وانتفاضة, وشهداء! نعم.. آن الأوان لتنتهي خرافة أن 99% من أوراق اللعبة في يد امريكا. فماذا يفيدنا هذا الاعتراف اذا كان معناه ان 99% من الاوراق في يد اسرائيل. الشرعية الدولية المستندة الى قرارات الامم المتحدة لابد ان تعود لكي تكون الاساس لاي مباحثات. والدول الكبرى لابد ان تتحمل مسؤولياتها. والعالم لم يعد يحكمه قطب واحد وليس من مصلحتنا ان يكون كذلك. والبدائل الاخرى كثيرة ولكن الأخ ابو مازن لا يراها او لا يريد ان يراها لأن طرقها عسيرة على السلطة الفلسطينية بسبب الاخطاء التي تراكمت. وتوحيد الصف العربي وراء القضية الفلسطينية امر لابد منه في أي بديل, ولكننا ــ اذا تجاوزنا آثار ازمة الخليج ــ سوف نصطدم بمواقف للسلطة الفلسطينية تتعسر على الحل. فمن الذي سينسى موقف الذين تسللوا لأوسلو وفاوضوا واتفقوا دون ان يستشيروا احد ورفضوا سماع النصيحة باعتبارهم الادرى بشؤونهم وبشرونا بعصر سوف يتحالفون فيه مع بيريز ورابين ولو على حساب باقي الامة العربية؟! ومن الذي سينسى مسؤولية القيادة الفلسطينية في فرض التطبيع وفتح ابواب العواصم العربية امام الوفود الاسرائيلية, وحث الآخرين على (الهرولة) ليكونوا معهم في الصف؟! وعودة الروح والاعتبار للكفاح المسلح ضرورة وبديل, ولكن كيف تقوم به السلطة التي اسكتت البنادق وفرقت بين المقاتلين... من الذي يستطيع جمع الشمل الفلسطيني مرة اخرى, واستيعاب الدرس, وادراك كارثة ان تسكت البنادق قبل الأوان؟ البدائل كثيرة... لكن السيد (أبو مازن) ورفاقه ــ لا يرونها او لا يريدون ان يروها ــ لانها تستلزم أولا وقبل كل شيء اعترافا شجاعا بالخطأ, ثم ترك الامر للشعب الفلسطيني ليختار القيادة الصالحة للمرحلة الصعبة... قيادة أكثر شبابا, واكثر التصاقا بالواقع, قيادة تجمع الشمل مرة أخرى, وتستأصل الفساد, وتبدع ألوانا جديدة من الكفاح, وتستكشف بنفسها الدروس الصعبة وتصوم عن تقديم التنازلات المجانية, وتعيد الثقة المفتقدة مع الشعب الذي ضحى وثار, ثم وجد كل شيء يسرق منه في وضح النهار.