كلما تجدد الحديث عن مبادرة جديدة, لتحريك مسيرة السلام, فعادت اولبرايت الى المنطقة, ثم اعقبها ديمس روس او العكس, او قام (عرفات) او (نتانياهو) او كلاهما, بجولة ما, الى عاصمة ما, او عقد اجتماع في البيت الابيض او في الخارجية الامريكية, او في الخارجية البريطانية حضره فلسطينيون او اسرائيليون, مجتمعين, او منفردين, عاودني تفاؤلي بان مسيرة السلام يمكن ان تسير فعدت الى خرائطي, لأعرف حدود المنطقة الف, والمنطقة باء والمنطقة جيم, والى آلتي الحاسبة لاحسب الفارق بالكيلومترات بين النسب المطروحة التي تتراوح بين 9% و11% و13%, واقارن بينها وبين ما كان مفروضا ان تنسحب منه اسرائيل, في مراحل اعادة الانتشار التي حددتها اتفاقيات اوسلو, ثم لاحسب كم توازي هذه النسب من ارض فلسطين الاصلية, وكم تساوي من الارض التي احتلت عام 1967, وماهي نسبتها بالقياس الى المساحة التي كان قرار التقسيم الصادر عام 1945, قد خصصها للدولة الفلسطينية. وفي آخر مرة, وبسبب غموض المبادرة الامريكية, وتضارب التصريحات حول النسب المئوية التي حددتها وحول ما تقبله ــ وماترفضه ــ اسرائيل منها, أضربت آلتي الحاسبة عن العمل, وعجزت عن استخراج النسب المطلوبة, فلجأت الى صديق لي من المتخصصين في التعامل مع الكمبيوتر ــ وهو ما يعرف في العربية الفصحى بـ (الحاسوب) ـ لكي استعين به, في اجراء هذه العملية السلامية المعقدة. وعلى امتداد ليلة كاملة, جلسنا امام شاشته, وآذاننا تتابع الاذاعات العالمية, تغذيه بالبيانات, ونعدل فيها طبقا للتصريحات الاسرائيلية التي تقول بان اعادة الانتشار في 9% من اراضي الضفة سوف يجعل 98% من سكانها تحت اشراف السلطة الوطنية الفلسطينية, ونطلب اليه باعتباره حاسوبا ابن حاسوب, ومن اسرة امريكية محترمة, ان يستخرج لنا البيان المطلوب, ومع ان الامر تطلب وقتا طويلا لكي يفهم الحاسوب النسب المئوية المطلوبة وبالذات لكي يفهم معنى الانسحاب من السكان وليس من الارض, فقد بدأت البيانات الاولية, تظهر ببطء. وعند الفجر, غذيناه بتصريح اخير يقول فيه (نتانياهو) ان اسرائيل لن تنسحب الى حدود 4 يونيو 1967, بأي حال, وان حدودها تمتد من البحر المتوسط الى ضفاف نهر الاردن, وانه لن يفرط في أمن اسرائيل مقابل شوية اتفاقيات سلام, وان القدس ستظل موحدة وعاصمة ابدية لاسرائيل, شاء من شاء وابى من ابى.. وطلبنا اليه ان يعيد حساب النسب على ضوء هذا التصريح.. فتوقف عن العمل, واصدر صفيرا طويلا اعقبه بشخير, ثم ظهرت لافتة بالعبرية, سألت صديقي عن ترجمتها, فقال: بيقول لنا فوقوا يا جماعة! وهكذا كففت عن الحساب وكف الحاسوب ذات نفسه عن العمل, واقتنعت بان مسيرة السلام لاتسير, وانها سميت كذلك على سبيل التمني وليس على سبيل الواقع, اما المسيرة التي تسير, فهي مسيرة اقامت المستوطنات واطلاق التصريحات, والمفاوضات من اجل المفاوضات. ولكن النداء الذي وجهه الرئيسان (مبارك) و(شيراك) لعقد مؤتمر دولي لانقاذ مسيرة السلام, اعاد الي بعض تفاؤلي ليس فقط لانه يخلو من النسب المئوية المتضاربة والمعقدة, ويعترف بان مسيرة السلام في حالة صحية متدهورة ولكن لانها اول محاولة جادة, لعلاج العيب الخلقي الذي ولدت به هذه المسيرة التي تبلغ ــ في خريف هذه السنة ــ الحادية والعشرين من عمرها السعيد المديد. ومشكلة مسيرة السلام ــ منذ بدأت بزيارة الرئيس الراحل (انور السادات) للقدس المحتلة عام 1977 ــ هي انها بدأت بتنازل عربي عن اللاءات العربية, من دون اشتراط ان تتنازل اسرائيل عن لاءائها .. ففي اعقاب هزيمة 1967, اعلن العرب لاءاتهم الاربعة الشهيرة: لاتفاوض ولا صلح ولا اعتراف ولا تصرف في القضية الفلسطينية بغير موافقة الفلسطينيين.. واعلنت اسرائيل لاءاتها الاربعة الاكثر شهرة, بحكم انها ماتزال قائمة, وهي: التفاوض في اطار دولي, ولا تعامل مع العرب كوحدة واحدة, ولا اعتراف بالفلسطينيين كشعب, ولا عودة لحدود 1967. وعلى امتداد سنوات هذه المسيرة العسيرة, وبصرف النظر عن اخطاء الاختيارات والتوقيتات وعن تحديد المسؤوليات, تنازل العرب جميعا, وتدريجيا, في كامب ديفيد ثم مدريد, ثم اوسلو عن كل لاءاتهم, فقبلوا بالصلح والاعتراف والتفاوض بل واضافوا اليهم التطبيع, وسلموا القضية الفلسطينية لاهلها لتقبل قيادتهم, ما قبل به الجميع, بينما احتفظت اسرائيل بلاءاتها كاملة, فلم تقبل الذهاب الى مؤتمر مدريد, الا بعد ان تأكدت انه لا علاقة له بالامم المتحدة, ولا بقرارات مجلس الامن, وان المنظمة الدولية لن يكون لها دور فيه وانه مجرد مظلة دولية وهمية لحفظ ماء وجه العرب امام شعوبهم, ولم تمانع في ان يتم برعاية امريكية اساسية, وروسية على سبيل التمويه, من دون ان يكون احد الطرفين, او كلاهما (محكما) اذ هو مجرد و(سيط) يلطف اجواء المفاوضات, او (خبير فني) يبتكر الصيغ التي يستطيع كل طرف ان يفسرها على هواه.. وبذلك تؤجل المشكلات, الى ان جاء الوقت الذي تراكمت فيه, وجاء (النتانياهو) الذي وضع العصا في عجلة السلام لتتوقف نهائيا. ولو ان العرب منذ البداية قد اخذوا بالمنطق البسيط الواضح في اية مفاوضة سواء كانت تدور حول قضية الشرق الاوسط في البيت الابيض, او كادت تدور حول شراء جاموسة من سوق الاثنين, فقايضوا على كل (لا) من لاءاتهم بواحدة من لاءات اسرائيل, بدلا من الاعتماد على ضمانات امريكية بالاستجابة الى مطالبهم بصرف النظر عن هذه اللاءات... لما حدث هذا الذي يحدث فقد عجزت الادارة الامريكية عن تنفيذ وعودها... وضرب (نتانياهو) عرض الحائط بهذه الضمانات, مؤكدا ان على العرب ــ الذين سلموه بالفعل الاعتراف والصلح والتفاوض المباشر وسلمه بعضهم التطبيع ــ ان يحصلوا على ثمن ذلك كله من امريكا التي وقعت لهم على الصكوك.. لانه لم يوقع على شيء, ولم يعد بشيء ولن يسلم ارضا ولن يعترف بدولة, ولن يعد قدسا ولن يجلو عن جولان, ولن يوقف بناء المستوطنات, وعلى المعترض ان يضرب رأسه في حائط البيت الابيض, فربما تطرح له ارضا او دولة او بطيخا!! في هذا السياق يأتي نداء مبارك وشيراك بالدعوة الى مؤتمر دولي لانقاذ مسيرة السلام, في توقيته الملائم, ليصحح مسيرة السلام, فيعيدها الى خط التدويل, وينقذها من خط المفاوضات الثنائية عبر الوساطة الامريكية الذي يصطدم عادة, بالحائط المعروف باسم (نتانياهو) . ومع ان تفاصيل الاقتراح لم تتكشف كاملة حتى الآن, الا ان ما اذيع منه, يشير الى انه ليس مؤتمرا للتفاوض تحضره اطراف المفاوضات الراهنة وبالتالي فلن تحضره ــ في مرحلته الاولى على الاقل ــ كل من (اسرائيل) و(سوريا) و(لبنان) و(فلسطين) , ولكنه مؤتمر للدول المهتمة باستقرار الاوضاع في الشرق الاوسط, وهو ليس بديلا عن (مدريد) او (اوسلو) حتى لاتتنصل اسرائيل مما التزمت فيه بمقتضاها, بل وليس بديلا عن الدور الامريكي, حتى لاتتنصل الادارة الامريكية من ضماناتها للعرب, ولكنه استكمال لهذا كله, يضيف اوراق ضغط دولية جديدة, اوروبية, وربماآسيوية, على اسرائيل, بدلا من اوراق الضغط التي عجزت امريكا عن استخدامها, والتي تهدد الآن, بالانسحاب من العملية برمتها. واذا كان صحيحا ان العرب, لم يكونوا في افضل حالاتهم الذهنية والسياسية, خلال مسيرة السلام المعوجة التي انتهت بنا الى ما نحن فيه, بدليل انهم قدموا خلالها لاسرائيل من التنازلات والترضيات والتفريطات مالم تكن تحلم به ــ فمن الصحيح, كذلك ـ ان هذا التفريط المبالغ فيه قد اثبت للعالم كله انهم سلاميون لايشق لهم غبار, وانهم ليسوا احفاد (عدنان) و(قحطان) , ولكنهم اولاد عبدالسلام سلامة سويلم سلمان المستسلم, وهو ما سوف يساعد على تنفيذ الاقتراح المصري الفرنسي, يكون موضع تقدير المؤتمر الدولي لانقاذ السلام. وليس معنى ذلك, ان الاقتراح سيمضي من دون عقبات, فقد رفضته اسرائيل بمجرد الاعلان عنه, والتزمت الادارة الامريكية الصمت تجاه ولا تزال المحادثات تجري بشأنه داخل دول المجموعة الاوروبية, فضلا عما يتطلبه من اعداد مسبق, لكي لايكون ــ كما نبه (عمرو موسى) ـ فرصة للوقوف امام الميكروفونات, بل يكون ورقة ضغط حقيقية, تنقذ مسيرة السلام من مأزق (نتانياهو) ! ولابد ان تكون الخطوة الاولى لهذا الاعداد عربية, وان تتمثل في عقد مؤتمر للقمة العربية, يستكمل ما اتخذته القمة التي عقدت في عام 1996 من قرارات, ويعيد استرداد كل اوراق الترضية التي تطوع عقدة العرب بتقديمها لاسرائيل في عهد (رابين) و(بيريز) بناء على نصائح امريكية لشفائها من عقدة الخوف, وعقدة عدم الثقة في نيات العرب السلامية, بعد ان تبين أن (نتانياهو) مريض بعقدة اخرى, هي عقدة الرغبة في الاستحواذ على الارض, وهو ما يتطلب اسلوبا آخر لشفائه منها, لايبدأ بحرمانه من ثمار السلام التي حصل عليها بلا مقابل, ولا ينتهي بحرمانه من الامن الذي يوهم الاسرائيليين, بانه سوف يجلب لهم من دون حاجة الى اعادة الارض. ومن حسن الحظ ان العرب, بدأوا يدركون اهمية العودة لاستخدام سلاح المقاطعة كوسيلة للضغط على اسرائيل, حتى في الدول التي وقعت اتفاقية, سلام معها... ففضلا عن التصريحات المهمة التي ادلى بها (الرئيس مبارك) لمجلة (باري ماتش) الفرنسية, وقال فيها ان المصريين عرب, ولا يمكن ان يتوقع احد منهم ان يتحمسوا لتطبيع العلاقات مع اسرائيل في الوقت الذي ترفض فيه الاعتراف بالحقوق المشروعة للفلسطينيين, او الجلاء عن قضية الاراضي العربية المحتلة, فقد اعلن الملك حسين ان اتفاقيات السلام التي وقعتها الاردن مع اسرائيل, لاتلزم النقابات المهنية والعمالية والاحزاب السياسية والقوى الشعبية الاردنية, وانها حرة في ان تطبع او لا تطبع. واذا كان صحيحا ان بعض الدول العربية قد تباطأت في تنفيذ قرارات المجلس الوزاري للجامعة العربية التي صدرت تنفيذا لمقررات القمة, وقضت بتفعيل قرارات المقاطعة, والربط بين العلاقات مع (اسرائيل) وبين تقدم عملية السلام, فقد بدأت تتجه أخيرا نحو تنفيذها. وانعقاد مؤتمر القمة العربي وبخاصة, شرط لانعقاد المؤتمر الدولي لانقاذ السلام ولنجاحه, فليس من المنطقي ان ندعو دول العالم لكي تتفق على برنامج لانقاذ مسيرة السلام, من دون ان نتفق فيما بيننا على هذا البرنامج, وليس من المعقول ان نطلب الى هذه الدول ان تتضامن معنا, قبل أن نتضامن مع انفسنا, وليس حلوا, ولا هو جميل, ان نتوقع منها ان تضغط على اسرائيل سياسيا واقتصاديا, من دون ان نضغط نحن عليها. وقد يبدو ان انعقاد القمة العربية اصعب من عقد المؤتمر الدولي, ولكني مع ذلك مازلت متفائلا, ليس فقط لانني اطالب منذ انعقد مؤتمر مدريد بتعريب المفاوضات وتدويلها, ولكن ــ كذلك ــ لانني لم أعد أحتمل ما يقول لي الكمبيوتر اللعين, فمنذ تغذيته بالنسب المئوية التي تدور عليها المفاوضات, وبالتصريحات التي يدلي بها (نتانياهو) والحاسوب ابن الحاسوب ما يكاد يراني, حتى يوجه الي الفاظا بذيئة لا استطيع ان انشرها لانها تخدش الحياء العام..